سحر الغرب: قراءة في بعض أعمال الرسامة الفرنسية فرنسواز رومار

أيّ عطر ذاك الذي لفّ حواسّي كلّها؟ وأيّ دفء تسرّب إلى ضلوعي؟ وأيّ حنين تفجّر في أعماقي؟ وأنا أنظر إلى لوحات فرنسواز رومار Françoise Rohmer المحملة بسحر غير معهود وبمهارات تلوينية لافتة وبألوان من عطور غامضة تعطي للمتأمّل مرآة ليرى دواخله… كيف استطاعت ذلك؟ سؤال من الصعب الإجابة عنه، لكنّني سأحاول النّفاذ إلى لوحاتها باحثا عمّا تكون به الألوان لغة والأشكال بلاغة واللوحة بديلا ممكنا لحياة صعبة ومستحيلة وعصيّة مثل حياتنا!

في كتاب عزيز نيسين “هكذا أتيت إلى الحياة” تشعر أنّك تصغي إلى أعماقك، ترى نهرا عميقا فتستسلم إليه وأنت متأكّد أنّ حياتك ليست حلما.. بل هي أكثر سحرا منه وأكثر إيغالا في الحياة. وكذلك هذه اللوحات، فهي تنقلك عبر التشكيلات اللونيّة إلى عالم خاصّ، وعبر غموضها إلى مساحات من البوح الدّافئ، وعبر الوحدة إلى الإصغاء إلى العمق الخفيّ الكامن في الخطوط والكتل والأضواء والضلال والفراغ والأشكال. في لوحاتها تجد توازنا لافتا بين مكوّنات الصّور حيث تتّجه العين إلى عنصر معيّن في البداية ثمّ على عنصر آخر في نصف اللوحة الآخر وهكذا يستبدّ اللّيل باللوحة، وتبدأ النّجوم في البروز التدريجي حيث ترى في البداية نجما ثمّ نجما آخر ثمّ تنكشف اللّوحة عن بدور وشموس لامعة.. ويلفّك سحر الغرب وروحه التّي استطاعت أصابع الرسّامة أن تفجّرها في ليل أوروبّا الميكانيكي البارد!

عندها رأيتها وهي ترسم في ملاحقة بدت لي مستحيلة لأصوات الشّعراء وهم يقرؤون قصائدهم بلغاتهم المختلفة (العربية، البرتغالية، الإسبانية، الصّربيّة..) تأكّدت أنّها تلاحق مفقودا مّا. كانت تصغي وترسم في دفترها الصّغير أشكالا وخطوطا ودوائر غائمة وتحدّق في البعيد.. “الرسّامون لهم طقوسهم أيضا” قلت في نفسي. ولم أندهش عندما رأيت لوحاتها، رأيت فيها إيغالا في الاستبصار وقدرة على الاستبطان والنّفاذ عبر الوضوح إلى الغموض، وعبر النّور إلى الظلام، وعبر النّهار إلى اللّيل البارد العميق، وعبر الجسد ومتعلّقاته إلى الحياة ومباهجها. فاللّون الأزرق ليس مجرّد لون، إنّه قارة حواسّ. والأحمر ليس مجرّد لون، إنّه نهر دافق يفتح مجراه في السّواد والعدم، ويتدفّق في الكون بضراوة قطيع نمور جائعة وببراءة سرب حمام… وأنت تنظر إلى لوحاتها ترى أحيانا شيئا مألوفا مثل نافذة أو حائط أو جسد أو تخطيطات حروفية.. لكنّك وراء تلك القوارب من الألفات الرقيقة ووراء تلك الزوارق الصّغيرة من المحبّات الطّاغية ستجد أبجديّة غير مألوفة.. ممكنة ولكنّها عصيّة عن التملّك، فاتنة ولكنّها مخاتلة، وتحبّ أن ترفل في حلم اسمه الغموض. كلّ لوحة هي قصيدة.. أليس الشعر هو أن تحلم النّفس بكلّ شيء؟؟

في أحد مقاطع السيمفونية التاسعة يجد العازف نفسه أمام شبكة موسيقية شديدة الإتقان والتتابع. فلكلّ صوت مدّة محدّدة مرتبطة بالقيمة التّي يعطيها هو إيّاها. وذلك في إطار زمني عام. وأغلب لوحات رومار تشبه كثيرا العزف بضرباته المتتابعة وخطوطه المتجاورة وإيقاعه الذّي يبدأ ناعما وينتهي عنيفا.. الأثر عندها يصبح حقلا من الإمكانيات وتصبح أنت مدعوّا للاختيار. وإذا كنت مثلي فإنّك لن تختار شيئا محدّدا. ستختار اللّيل العميق الذّي يحمله إليك اللّون الأسود، والأعالي التّي يحملها إليك اللّون الأبيض، والأعماق الرطبة التّي تحملها إليك الفراغات.. وستجد نفسك دون إرادة أمام أثر فنّي مفتوح. وبهذا تصبح العلاقة بين الأثر وقارئه تكاملية، عندما أتحدّث عن الاكتمال والانفتاح في لوحات فرنسواز رومار فإنّني أعني ما قاله أمبرتو إيكو :” إن الشّكل يكون مقبولا جماليّا عندما يكون ممكنا تصوّره وفهمه وفق منظورات متعدّدة، وعندما يحمل تنوّعا كبيرا في المظاهر والأصداء دون أن يتوقّف عن أن يكون هو نفسه” انظر: L’œuvre ouverte. Les poétiques de James Joyce. éditions des seuil. Paris.1965 إنّ لوحات رومار هي إذن أعمال مكتملة ومغلقة من خلال اكتمال بنيتها المضبوطة بدقّة وتوفّر كلّ شروط الفنّ فيها. وهي أيضا أثر مفتوح وقابل للتأويل بطرق مختلفة دون أن تتأثّر خصوصيّته التّي لا يمكن أن تختزل. فالمتعة والتلذّذ وتشرّب الرّوعة تقود إلى كوننا، عبر التأويل، نستطيع تنفيذ الأثر في كلّ رؤية جديدة، ونستطيع إعادة إحيائه من جديد في إطار الأصالة. اللّوحات، بهذا المعنى، ليست موضوعا باردا للمتعة الجمالية القائمة، بل سرّا يدعونا لاكتشافه وبرقا ينبّه الإحساس الذّي تعوّد الخمول والمخيّلة التّي اعتادت العادة والواقع.

“لا يوجد معنى حقيقيّ في النصّ” يقول بول فاليري. وأقول معه:” وفي اللّوحة أيضا”. بل توجد ذات قارئة مثقّفة حبلى بالمعارف وحرّة وشديدة الوعي، ويوجد إبداع، أمّا المعنى فإنّه ليس غير تواصل في الزّمان continum أو حقل إمكانيات.. إنّنا أمام كون من الإدراكات الغامضة أو الغموض المدرك، وبهذا تتملّك العين العالم في هشاشته قبل كلّ ما تثبّته العادة وما يؤبّده التقليد. إنّنا أمام أعمال تحيا وتزداد حضورا عبر القراءة والتأمّل والاستمتاع.

تصلح هذه اللّوحات لإقامة علاقة مع الحالة قبل أن تتجسّد في دمعة أو ابتسامة أو انهيار، تصلح لإقامة علاقة مع اللّغة قبل أن تصبح أداة للعاديّ المقرف من قلق الأيّام، تصلح لإقامة علاقة مع اللّون وهو في صيغته الملكوتية المطلقة قبل أن يصبح دهنا لباب أو لونا لشفاه أو صبغة لجلد، تصلح هذه اللّوحات لإحداث منطقة من الحيرة تكفي لإيلاف المتناقضات وصهرها.. فتتحوّل، إن كنت في حالة عشق، إلى حضن دافئ. وتتحوّل، إن كنت في حالة حزن، إلى سحابة أو ديمة أو شمس مسمولة العينين! تتعدّد إمكانياتها، فهي حبلى بالمعاني، الضّوء فيها شقيق للظلام يتلاعبان كعهدهما منذ البدء، والغرابان يلهوان بإخفاء سوءات الإنسان.. والبكارات فيها لا تفتضّ رغم الإيلاجات المتعدّدة ورغم وجود الدّماء على اللّحافات البيض! السرّ، إن جاز الحديث عن سرّ في العمل الفنّي، هو قدرة فرانسواز رومار على النفاذ إلى حالة سابقة للكون وسابقة للمشاعر وسابقة للّغة، حالة من التّعالي. فالأدوات (القماشة/ الألوان/ المحمل/ الخطوط/ النقاط/ اللّطخات اللّونية /الأضواء والظلال…) ليست مجرّد أدوات! إنّها هي نفسها الفكرة، وهي نفسها العالم، وهي نفسها الهدف.. الإخلاص لهذه الحالة الشبيهة بحالات الوجد الصّوفي أو النيرفانا مدّت اللّوحات بطاقات ماورائيّة، عرفانيّة، ميتافيزيقيّة.. اعتدنا أن نصف بها أعمال الرسّامين المشارقة أو المتأثّرين بالشّرق.. ولكنّها عند فرنسواز رومار نهر من السّحر الذّي يأتي عكس المجرى المتّفق عليه، نهر من السّحر الآتي من الغرب!

تشعر وأنت ترى اللّوحات أنّ الدّلالة بعيدة أو هي غائبة وتشعر بالانجذاب والألفة مع ما تشكّله الألوان والخطوط أمامك من أبعاد.. لا تفهم، ولكنّك تتذكّر أو تشعر أو تتحسّس. ترى جسدك يتذكّر معك ويشعر معك ويتحسّس معك.. فليس بالعقل وحده يحيا الإنسان. لا ترى شيئا واضحا تعقله.. وإنّما تنقذف في ليل الرؤيا الذي تشرق فيه شمس القلب.. فليس بالبصر وحده يحيا الإنسان! عليك أن تتجرّد من كلّ الأدوات المستهلكة لتحلّق في سماء التجربة التّي تنقلك إليها فرنسواز رومار بعفوية وألفة ورفق. وحالة الدّهشة المقترنة بالرّغبة في التّأويل هي نتيجة طبيعيّة للدّرس الذّي نستخلصه من هذه اللّوحات: وهو درس الشّعريّة

أقف أحيانا عاجزا عن تصوير روحي رغم الدّربة الطّويلة التّي خبرتها في ليل الكتابة المضني ونهارها الطّويل، وأشعر بالعجز رغم آلاف المفردات الملقاة على الطريق، ورغم ما خلّفه الشّعراء والكتّاب منذ آلاف العصور. ويميتني أحيانا عدم قدرتي على نقل حالة ما إلى الأوراق وأشعر بعجز اللّغة، فأبدأ بإحداث خطوط ودوائر وعيون وخصور وأعضاء بشريّة وكائنات.. ولا يفارقني قلقي، فالحالة أكبر من كلّ آلة، وما تخفيه قارّة الذّات المختبئة في الأعماق يحتاج إلى آلهة! مع الألوان يختلف الأمر، هذه هي قناعتي، مع الألوان تتحرّر، تصبح خارج المنطق البلاغيّ المحدود.. مع الألوان تصبح إمكانا، تصبح رؤيا، تصبح صلاة، تصبح فجرا، تولد من جديد في كلّ يوم.

ولدت فرنسواز رومار في فرنسا. وقامت بأنشطة متنوعة (معارض جماعية وفردية..) ونالت عديد الجوائز في بلدها وفي عديد الدّول، كما قامت بإبداع عديد الكتب الفنّية. إضافة إلى تعاملها مع الكتّاب والشّعراء وذلك برسم لوحات في كتبهم أو تحويل الكتاب إلى محمل أو لوحة أو معرض صغير.. تجاربها متعدّدة ولكنّها مسكونة بهاجس واحد هو البحث عن الغائب.. ومقاومة العدم عبر الفنّ. ألم يقل نيتشه :” لولا الفنّ لكانت الحياة ضربا من العدم”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق