سرقةُ “الشعبٍ” في واضٍحَةٍ النهار / طلال المَيْهَني

تُقَدِّمُ لوحة “الطابور الرابع Il Quarto Stato” للفنان الإيطالي “غويسيبي دا فولبيدو Guiseppe da Volpedo” (ت 1907 م) مثالاً شهيراً عمّا تحمله العقلية الجَمْعِيّة السائدة عن “الشعب”. حيث تُرَكِّزُ اللوحة بألوانها البنية والرمادية، وبملامح الشخصيات الحزينة والغاضبة المرسومة فيها، على مظاهر الفقر والبؤس والشقاء والغضب، في تشكيلٍ للصورة النمطية “للشعب” وما يرتبط به من فنونٍ شعبيةٍ وفلكلورٍ وتراثٍ شفوي وعاداتٍ وتقاليد.

لم تَكُن هذه الصورة النمطية وليدة يومٍ وليلةٍ، بل حصيلةَ تراكُمٍ وتفاعلٍ وإقصاءٍ عبر العصور. فمنذ القِدَم، ومع ظهور حضارة الإنسان، في كثيرٍ من الثقافات القديمة كالسومرية والبابلية واليونانية، احتلَّ “الشعب” موقعاً أدنى في المجتمع بالمقارنة مع طبقات النبلاء ورجال الدين. إلا أن مصطلح “الشعب populus” أخذ، في العهود الرومانية، حضوراً رسمياً أكثر وضوحاً وأقل تمييزاً حيث كان يشار إليه في عبارة “الشعب الروماني الكُلّي Populus Romanus Universalis”. وبعد تَبَلْوُرِ مصطلح “الشعب” في عهد الجمهورية الرومانية (بين 509 ق.م 27 ق.م) أخذ هذا المصطلح انعطافةً بدمجه مع مفهوم السيادة (بصيغته المبكرة) في عهد الإمبراطورية الرومانية، وتَحَوُّلِه إلى جزءٍ من خطاب الأباطرة الشعبويين populare. إلا أن مصطلح “الشعب” بقي غير واضح المعالم، ومُبْهَمَ المعنى، وغير خاضعٍ للدراسة المفاهيمية والقانونية.

سقطتْ روما عام 476 للميلاد تحت ضربات القبائل الجرمانية، وانتقل مفهوم “الشعب”، بصورته الغائمة وجذوره الرومانية، إلى أوروبا المسيحية مع تَمَوْضُعٍ ثيوقراطي، وإحياءٍ لمفاهيم العهد القديم والجديد في “شعب الرب Populus Dei”، الذي كان قد رَسَّخَه “القديس أوغسطين St Augustine” (ت 430 م)، لتشيع بعدها حكمة “صوت الشعب هو صوت الرب Vox Populi, Vox Dei” (تُذَكِّرُنا العبارة بقصيدة أبو القاسم الشابي (ت 1934 م): “إذا الشعب يوماً أراد الحياة”). ومع احتكار الكنيسة لصوت الرب، غاب “الشعب” عن السياسة في العصور الوسطى إلى أن أعيد إحياء هذا المفهوم جزئياً في الغرب الأوروبي بعد العثور، عام 1070 للميلاد، على نسخةٍ من “الخُلاصة Digest” التي دُوِّنَتْ في عهد الإمبراطور البيزنطي “جوستنيان الأول Jsutinian I” (ت 565 م).

وتَغَيّرَ حضورُ الشعب تدريجياً مع صعود الأنْسَنْة وعصر النهضة، وما تلاه من ثوراتٍ في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا. وفي العصر الحديث، ومع ظهور الدول القومية في أوروبا، ابتعد مصطلح “الشعب” عن ارتباطاته الدينية أو عن التبَعِيّة العمياء للحاكم ليأخذَ معانٍ جديدةً باعتباره مجموعةً من السكان/الأفراد الذين يشتركون بتاريخٍ حقيقيٍ أو مُتَخَيَّلٍ، ويقطنون في حدود منطقةٍ جغرافيةٍ معينة (تسمى حالياً بالدولة الحديثة). يخلق هذا التعريف المُسْتَحْدَث إشكالاتٍ على مستوى الوعي الذاتي بخاصة حين تُحْدِثُ الحدود المصطنعةُ بين الدول قطيعةً مع الامتدادات الطبيعية “للشعب” عبر دول الجوار، أو خَلَلاً على مستوى السّردية الميثولوجية/الإيديولوجية المرتبطة بمفهوم “الأمة Nation” الذي يُرَكِّزُ على البعد القديم “للشعب” الممتد عبر التاريخ مُشَكِّلاً وحدةً أزليةً/أبديةً، وركيزةً لا مكان فيها لاعتبارات العقل والزمن.

وما لبث أن تحول مفهوم “الشعب” إلى فكرةٍ عالميةٍ يناضل باسمها، وفي سبيلها، ومن أجلها، الجميع وبلغاتٍ تتراوح من people الأنكلوفونية وpeuple الفرنسية إلى volk الألمانية، وغيرها، مع تعددٍ واختلافٍ في المعاني الدقيقة التي تحملها هذه الكلمات.
أما في منطقتنا، التي تشيعُ فيها اللغة العربية، فقد احْتَوَتْ على تجمعاتٍ سكانيةٍ ومِلَلٍ ذات انتماءاتٍ دينيةٍ أو طائفيةٍ أو عِرْقِيّةٍ خَضَعَتْ وتَخْضَعُ، بالترغيب أو الترهيب، لسَطْوَةِ حاكمٍ مُسْتَبِد. ولهذا لم يَتَبَلْوَرْ مفهوم “الشعب”، الذي تم استيراده من الدول القومية في أوروبا منذ القرن التاسع عشر، في صيغةٍ مُتَوَافَقٍ عليها وإنْ بالحد الأدنى. ممّا أبقى مصطلح “الشعب” مُشَوَّشاً ومتقاطعاً مع مفاهيم الأمة، والعامّة، والناس، والمؤمنين، والرعيّة وغيرها، مع حضورٍ مفرطٍ للموروث الديني الذي لم يشهد حراكاً فكرياً حقيقياً منذ قرون. هذا مع أن كلمة “الشعب” (بصيغة الجمع: شعوباً) قد وردتْ في القرآن الكريم في معرض الحديث عن الناس. وحسب الزبير بن بكّار الأسدي (ت 869 م) “فالشعب” أعلى من القبيلة التي تتلوها البطن، فالفخذ، فالفصيلة، ممّا يعطي “الشعب” بُعْداً يتجاوز الرؤية القبلية التقليدية. أما ابن مَنْظُور (ت 1232 م) فقد نصَّ في “لسان العرب” على أن كلمة “شعب” تَحْتَمِلُ معنى التجمّع، ومعنى التفرُّق. ويمكن الحديث، بناءً على هذا التناقض بين التجمُّع والتفرُّق، عن مَعْنَيَيْنِ اثنين لمصطلح “الشعب”؛ إذ يمكن للمعنى أن يكون جَمْعِيّاً يشمل مجموع الأفراد المُشَكِّلِين “للشعب” (حين نستخدم هنا الضمير “هو” – “هو الشعب”)، أو فردانياً يمثله آحاد الأفراد المتمايزين عن بعضهم (حين نستخدم الضمير “هم” – “هم الشعب”). ويبدو أن هذا الاستخدام المتبادل بضمير هو/هم أكثر وضوحاً في اللسانيات الأنكلوفونية، حسب الباحثة مارغريت كانوفان Margaret Canovan، حيث يمكن التعامل مع كلمة people ككلمةٍ مفردةٍ أو جمع people has/have.

يُؤَسِّسُ هذا الفارق اللغوي لمعضلةٍ في مقاربة مفهوم “الشعب” على المستوى النظري والعملي، ويشكل ذلك مَبْحَثاً من المباحث الأساسية في النظرية السياسية. إذ يتركُ التحديدُ اللغوي الدقيق لمعنى مصطلح “الشعب” أثراً على مستوى العلاقة بين “الشعب” والسلطة ومشروعيتها. نرى ذلك، على سبيل المثال، في نظرية العقد الاجتماعي التي بَلْوَرَها “روسّو Roussau” (ت 1778 م) في “الإرادة العامة Volonté Générale” بناءً على من سبقه من المُنَظِّرين الإنكليز من أمثال “لوك Locke” (ت 1704 م) و”هوبز Hobbes” (ت 1679 م)، أو على مستوى علاقة الشعب بالسيادة، وما يَتَفَرَّعُ عنها من “سيادةٍ شعبية”، نَظّرَتْ لها المدرسة “الجُمْهورياتية Repunlicanism”، في مقابل “السيادة البرلمانية” أو “السيادة المطلقة” أو “السيادة الذاتية” إلخ.

يجدر التنويه إلى أن تقييد “الشعب” في حدود الكلمة، وتحميل هذه الكلمة معنىً جَمْعِياً باستخدام الضمير “هو”، يعطي “الشعب” بُعْداً شُمولياً عبر تذويب مكوّناته وأفراده. وهكذا يكْتَسي مفهوم “الشعب” غموضاً يختصرُ الأفراد إجباريّاً، بهويّاتهم المختلفة والمتناقضة ومصالحهم المتضاربة، في “بَوْتَقَةٍ” واحدةٍ ككتلةٍ متجانسةٍ لا أثَرَ فيها للتنوع والاختلاف، ويؤدي إلى إسقاط مَعَانٍ سُكُونِيّةٍ جامدةٍ تُجَرِّد السكان من جمالية التعدد، وتضفي قُبْحاً رمادياً يدفعُ إلى تجميله بمَلاءَةٍ هُتَافِيَةٍ وخطابيةٍ مُجَوّفة.

كما تُنَاقِضُ هذه الرؤية الشمولية الحقوق الفردية والذاتية للأفراد المُشَكِّلين “للشعب”، ممّا يُحَوِّلُهُم إلى عناصر منفعلةٍ في كُلٍّ مُتَّسِقٍ ومتجانسٍ. وغالباً ما يتم لعب ورقة “الشعب”، بالمعنى الجَمْعي الكُلِّي، لضمان استمرارية التقاليد الاستبدادية “للإمبراطور الروماني Imperator” في ديكتاتورية النظم الاستبدادية في العصر الحديث. وهذا ما قد يُفَسِّرُ مَيْلَ الأحزاب ذات الإيديولوجيات الشمولية إلى التلاعب المُفْرِط بهذا المصطلح، كما حدث في التركيز الواضح للآلة الإيديولوجية البعثية على مصطلح “الشعب” الذي يوضع تحت رحمة الديكتاتور الوثن/الإله صاحب الأمر والنهي، وصاحب الحق في التحدث باسم “الشعب”! وقد يصل الأمر إلى اختصار “الشعب” في شخص الديكتاتور الذي يغدو، عبر انزياحٍ في ضمير الـ “هو”، مكافئاً “للشعب” وضامناً لاستمراريته عبر تجسيده للسيادة و تَحَكُّمِهِ في حق الحياة.

ومن ناحيةٍ أخرى تخلق المقاربة اللغوية لمصطلح “الشعب”، بمعناه الفرداني باستخدام الضمير “هم”، عَقَبَةً في طريق الترجمة العملية لكثيرٍ من المفاهيم السياسية الأساسية؛ كيف يمكننا، على سبيل المثال، تَخَيُّلُ “السيادة الشعبية” إنْ لم يكن الشعب كُلّاً واحداً؟ ماذا لو اختلف الأفراد المُكَوِّنين “للشعب” ورفضوا المساهمة في منح الشرعية السيادية والسلطوية؟ ألا يعتبر الأخذ برأي الأكثرية الانتخابية قَمْعاً “قانونياً” لرأي الأقلية الانتخابية؟ وتهميشاً لرأيها في عدم رغبتها بمنح الشرعية؟

وبعيداً عن الجدل اللغوي وآثاره النظرية والعملية المذكورة أعلاه، يُواجِهُ الحضور الحداثي لمصطلح “الشعب” مشكلةً جديدةً فيما يتعلق باعتبار “الشعب” جزءاً أو كُلّاً؛ فهل ينضوي كل السكان ضمن “الشعب”؟ هل يتألف “الشعب” من مجموع السكان الذين يحملون جنسيةَ دولةٍ ما؟ وماذا عن السكان الذين لا يحملون، لسببٍ أو آخر، جنسية تلك الدولة؟ أم أن “الشعب” يقتصر على جزءٍ فقط من مجموع السكان في دولةٍ ما؟

في الواقع، غالباً ما يُطْرَحُ مصطلح “الشعب” تاريخياً في صورةٍ نمطيةٍ للدلالة على المحكومين الذين يختلفون عن الحكام والأشراف والنبلاء ورجال الدين وأصحاب النفوذ والشوكة. وفي العصر الحالي تَتِمُّ إعادة مَوْضَعَةُ المصطلح ليغدو “الشعب” قُطْباً في مقابل الأنظمة الحاكمة (لكن أليستِ الأنظمة المُنْتَخَبَةُ والحاصلة على الشرعية السياسية والقانونية جزءاً من “الشعب”؟ وهل الوصول إلى الحكم يقتضي حُكْماً انفصالاً عن “الشعب”؟).

لكنه من الدارج استخدام مصطلح “الشعب”، في سياقٍ أكثر شعبويةً، للدلالة على “عامة الشعب” الذين يُشَكِّلُون كُلّاً مُنْشَطِراً في مقابل “النخب” بكل أشكالها: النخب الحاكمة والمثقفة والمعارضة وغيرها. برز هذا الانشطار بوضوحٍ منذ القِدَم في الشعار الروماني الشهير: “شيوخُ وشعبُ روما Senatus Populusque Romanus (SPQR)” (وُجِدَ هذا الشعار بالتوازي مع مصطلح “الشعب الروماني الكُلّي” المذكور في بداية المقال مع أنه مُنَاقِضٌ له). وأحياناً تتم المبالغة في هذا الانشطار عبر إخضاع مصطلح “الشعب” إلى عملية تقشيرٍ تَعَسُّفِيّةٍ تُقْصِي “النخب” بكل أنواعها، إضافةً إلى حَمَلَةِ الآراء السياسية والفكريّة اللاسائدة، ودعاةِ التغيير الحقيقي، ومن يخرج عن النَّسَقِ التقليدي، واعتبار كلِّ هؤلاء غير مُنْضَوين تحت مصطلح “الشعب”. وقد يبلغ التقشير مَداه حين يتم إقصاء الطبقات المدينية المتوسطة، والأقليّات المعتمدةِ على هوياتٍ لا حداثية، والمعارضة السياسية المُنَظّمَة وجعل كل هؤلاء خارج دائرة “الشعب”.

لقد أعيدَ ضخُّ الحياة في “الشعب” في سياق الحراكات الشعبية في منطقة الشرق الأوسط، في مثالٍ جديدٍ لممارساتٍ شعبيةٍ حقيقيةٍ بعيدةٍ عن عُقْمِ الخطابات المُجَوّفة. وتَوَخِّياً للدقة لا يمكن القول أن كلَّ “الشعب” قد شارك في هذه الحراكات، لأن مثل هذا القول ليس سوى إعادة توليدٍ لخطابٍ استبداديٍ ووقوعٍ في فخِّ الإقصاء (يقتضي مثل هذا الخطاب بأن كلَّ منْ لم يشارك ليس من “الشعب”). إذ لم يذكر التاريخ أن شعباً بأكمله قد شارك أو توافق على أمرٍ معين (حتى في ظل أكثر الأنظمة القمعية شموليةً ودمويةً)، “فالشعب” ليس حَشْداً من الروبوتات الخامِلة، بل مجموعٌ من الأفراد المُشَكِّلِين له بكلِّ ما يَحْمِلُونَهُ من طموحاتٍ وأهدافٍ. ولهذا لَعَلّهُ من الأسْلَمِ القول بأن الحراكات الأخيرة قد شهدتْ مشاركةً واسعةً لشرائح متعددةٍ من المُكَوِّنات السكانية المُشَكِّلَة لشعوب المنطقة. مع التأكيد على أن الكثرة أو القِلّة في المشاركة الشعبية لا تمنحُ أو تنزعُ شرعيةَ أيِّ حراكٍ شعبيٍّ ضد الاستبداد؛ فهذه الشرعية مستندةٌ، أولاً وقبل كل شيء، إلى أسُسٍ أخلاقيةٍ وحقوقيةٍ وسياسية.

لكن ما لَبِثَ أن رفع معظم من يملك “الخطاب” لصاقة “الشعب” ليدّعي الدفاع عنه، والتحدث باسمه، في تَمَثُّلٍ تراجيديٍ لقميص “عثمان”/الشعب. هنا لا يتجسَّدُ “عثمان” في شخصٍ مُفْرَدٍ ذي مرجعيةٍ واضحةٍ، بل يأخذ صورةً “مُبْهَمَةً” يتواطؤ الجميع على إبقائها “مُبْهَمَةً” كقاعدةٍ مُسَلَّمَةٍ مَتَوَافَقٍ عليها، ومَسْكُوتٍ عنها. وعبر المحافظة على “الشعب” كمفهومٍ غير مُتَعَيِّنٍ، وغير مُحَدَّدٍ، ومجهول الامتداد والحواف والحدود والمحتوى، فإن مثل هذا “الشعب”، ووفقاً لهذه الصفات، سيكون عُرْضَةً للادِّعاء، والمُصَادَرة، والحديث باسمه أو تحميله ما يُراد منه أن يحمل أو يقول: وهكذا تكتملُ فُصُولُ المَلْحَمَة المؤلمة، وتتم سرقة “الشعب”. هذا ما يُبَرِّرُ ديماغوجية الطرح التي تنهالُ علينا من هنا وهناك في كليشيهات “الشعب يريد”: فالشعب يريد حظر جوي، والشعب يريد تدخل عسكري، والشعب يريد تدخل الجيش لتخليصه من الإرهابيين، والشعب يريد القائد الملهم إلخ؛ كلها مناشداتٌ صِراعيةٌ، لا علاقة لها بالوطن وازدهاره، لكنها مناشداتٌ تُقَالُ بالنيابة عن كلِّ “الشعب” وعلى لسانه وباسمه، من قبل صُنّاع “الخطاب” (هذا لا ينفي أن قِطّاعاً من “الشعب” يُرَدِّدُ هذه المناشدات). ويُلْحَظُ في سياق الحراكات الشعبية في منطقتنا ميلُ المتحدثين باسم “الشعب” إلى بناء مقدماتهم من منطلقٍ شخصانيٍّ بَحْتٍ (دفاعٌ عن بشار الأسد، أو كراهيةٌ له مثلاً). وهكذا يتحول “الشعب” مرةً أخرى، وعلى يد من يدّعي الدفاع عنه، إلى ضحيةٍ لعقلية الشخصنة السائدة، وإلى مُجَرّد قطبٍ يتم اختزاله وتسخيره كي يدعم أو يَشْتُمَ مُجَرَّد شخصٍ، مع ما في ذلك من إهانةٍ لملايين السوريين ووضعهم على قدم المساواة الرّمزية مع فرد: يفنى الشعب في سبيل بقائه، أو يفنى الشعب في سبيل خلعه.

لا يمكن استنطاق “الشعب” وادّعاء تمثيله والوصول إلى صورةٍ دقيقةٍ “للرأي العام” إلا ضمن شروطٍ صارمةٍ قد تتوفر، جزئياً على الأقل، في سياق الديموقراطية الغربية باعتبارها من أفضل النظُم الموجودة حالياً (هذا لا يعني بأي حالٍ بأن الديموقراطية الغربية حالةٌ مثاليةٌ بالمطلق). حيث تشتمل هذه الشروط على مشاركةِ كلِّ من يحقُّ لهم المشاركة، وأن يتمتعوا بحدِّ أساسيٍّ من الثقافة والوعي (بما يُمَكِّنُهم من الاختيار الحر)، وأن يكونوا مُطّلِعِين بشفافيةٍ على مُلابَسَاتِ ما سيتم البتُّ فيه، وألا يكونوا مُرْتَهِنِين لخلافاتٍ إيديولوجيةٍ أو إلى مَرْجِعِيّاتٍ تعود إلى ما قبل الدولة الحديثة. لكن بدلاً من العمل الدؤوب لترسيخ ممارساتٍ سياسيةٍ سليمةٍ تحوَّل مصطلح “الشعب” في منطقتنا، منذ صعوده في القرن العشرين، إلى مفهومٍ تَتَنَازَعُه “النخب” بقطبيها الشعبوي والاستعلائي، وإلى حجةٍ يختبئُ خَلْفَها الكثيرون لتبرير العجز وجَلْد الذات، أو تمرير المصالح والمنافع الرخيصة. ويُذَكِّرُنا هذا بما قاله المُنَظِّرُ المَلَكِيّ royalist الإنكليزي “روبرت فيلمر Robert Filmer” (ت1653م) في ذمِّ استغلال كلمة “الشعب” باعتبارها ملاءةً تسمح للمُدّعين بالوصول إلى مآربهم السلطوية.

نتابع في هذه الأيام، وبكلِّ أسىً، استباحةً كاملةً “للشعب السوري” بكل توجهاته ومكوناته في استنزافٍ أليمٍ وعبثيٍّ ومُدَمِّر. يقومُ صُنّاعُ الخطاب السائد وأصحابُ الصوت العالي، الذين ينتمي معظمهم إلى “الشعب السوري”، باستغلال الإبْهَامَ الذي يَكْتَنِفُ مصطلح “الشعب” بشكلٍ عام، فيحافظون على هذا الإبهام بما يَضْمَنُ سرقة “الشعب السوري” بأكمله. وتتعدد مظاهر السرقة من نشر الأمل الكاذب، والوعود الوردية، وغياب المصارحة والشفافية بين صُنّاع الخطاب ومن يَتَلَقَّى الخطاب، إلى تحطيم الأحلام وتفريغ المستقبل، وتهديم الدولة والمفاهيم والقيم الأخلاقية الإنسانية. وتكتملُ السرقة عبر الامتناع عن نشر الأفكار التنويرية ومستلزمات التغيير الحقيقي، واللجوء، عوضاً عن ذلك، إلى تأجيج الصراع العنفي بين المكونات السكانية التي يتألف منها “الشعب السوري”، وتحويلها إلى حطبٍ لنيران الاقتتال، وأداةً للتسلق والانتهازية.

وتصلُ السرقة أقصى درجاتِ تَطَرُّفِها الاستئصالي مع حرمانِ مكوناتٍ سكانيةٍ سوريةٍ بعَيْنِها من حَقِّ الحياة، وإقصائها كُلِّيّاً، ورفض اعتبارها كجزءٍ من “الشعب السوري” بسبب توجهاتها السياسية أو الدينية أو غيرها. ويكثرُ، في هذا السياق الإقصائي، استخدام كلماتٍ مثل “احتلال” و”إرهاب” مما سيترك آثاراً هَدّامَةً في الذاكرة الجمعية لمختلف المكونات السورية في الحاضر والمستقبل.

وللأسف يحدث كلُّ هذا بالنيابة عن “الشعب السوري” وباسمه، عبر خطابٍ تمجيديٍ مُتَعَطِّشٍ لسفك دماء “الشعب السوري”، وتهليلٍ فجٍّ للقتل والتنكيل “بالشعب السوري”، دون التوقف بُرْهَةً لتأملِ الفشل الذريع في تعزيز قِيَمِ الحياة والبناء والازدهار، ومن دون أدنى اعتبارٍ للجروح التي تتركُ آثارها عميقاً في “الشعب السوري” بعد أن تَمَّتْ سرقته بنجاح!

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق