سركون بولص: عَظمة أخرى لكلب القبيلة

أخشى أن أكون ضمن جوقات النادبين والمودّعين. فلست أحفظ عن الرجل أكثر من شعره الكبير، لقائين أو ثلاثة في مناسبات لم أعد أذكر عنها الشيء الكثير،  وانطباعا سيبقى يلازمني أبدا كلما آتي على ذكره :

سركون بولص جواد برّي. حرّ وجامح فوق سهول روحه التي لا تعرف انتهاء. حرّ ووحشيّ لم يدجّنه سوى الشعر، أو أنه عدا وراءه كما تعدو الجياد خلف الريح.


عرفت من الجرائد خبر مرضه. ثم خبر وفاته. فرأيت الصورة إياها. جياد برّية جامحة، تنكسر عند خط الأفق، قبل أن يبتلعها الأصيل.


حين يموت شاعر، تهبط الملائكة. تفرغ السماء.


ليس أكثر من الصمت اعتبارا للموت. لذا قرّرت “الأوان” أن تصمت لكي لا يبقى سوى صوت قصائد كتبها سركون بولص وستٌنشر بعد أن غاب واعتصر للحظات قلب السماء.


نجوى بركات

***

أبي في حراسة الأيّام



لم تكن العَـظمة، ولا الغُراب


كانَ أبي، في حراسة الأيام

يشربُ فنجان شايه الأوّل قبل الفجر، يلفّ سيجارته الأولى

بظفْر إبهامه المتشظّي كرأس ِثـُومة.


تحت نور الفجر المتدفّق من النافذة، كانَ حذاؤهُ الضخم

ينعسُ مثل سُلحفاة زنجيّة.


كان يُدخّن، يُحدّقُ في الجدار

ويعرفُ أنّ جدراناً أخرى بانتظاره عندما يتركُ البيت

ويُقابلُ وحوشَ النهار، وأنيابَها الحادّة.


لا العَظمة، تلك التي تسبحُ في حَساء أيّامه كأصبع القدَر

لا، ولا الحمامة التي عادت إليه ِبأخبار الطوَفان.



حَمّـالُ الكلمات



صوامعُ تنهارُ بنُسّاكها المُلتحين إلى الهاوية

وفي الشارع يعبرُ الحَمّالٌ وعلى ظهره آثاثُ بيت:

سَجّادةُ كاشان، طابعة عربيّة، ستائرُ مخمليّة، هَرمٌ من الكراسي.


في غدير الصباحِ أحرّكُ سرّا ً أخضرَ، مثلَ ضفدع، بإصبُعي.


أكتبُ كلمةً واحدة في دفتري، وأغلقهُ. حركة ٌ تكفي

لكي تتغيّر الدُنيا.




الزُّهر واللـه وآينشتاين



“أللـّه لا يلعبُ بالزُّهر مع الكون”.

آينشتاين


اللحظة ُ التي أعيشُ من أجلها طوالَ يومي

وحينَ ينتهي، تتلاشى. تهربُ من بين يديّ كطائر ٍ

بلا رأس أفلتَ من قفص النسيان، ناسياً في عُشّه بيضتَهُ الأخيرة.


لحظة المواجهة الصارمة مع مخلوقات الواقع الجارح

كومة ِ المخالب والمسامير، أعيُن ِالصقور الوامضة بفوسفور الليالي

فأس ِ التتريّ المقذوفة من على ظهر الفَرَس …

ما زالت تطيشُ منذ ُ ألف سنةٍ في فضاء أيّامي.


اللحظة ُ التي لم تـُحَمَّض، صورةُ الوَجد الذي

بقيَ راشحاً في ظلام الوقت. الوقتُ الذي لم يَحِنْ.

لم تأتِ النحلةُ لتمتصّ العسَل، لم تمتلئ القفائر. ذهَبُ الوقت.

شُهدُ الزمان. سبائك تتقطّر بين أصابعي، ألعقها وأنا نعسان.


أنا العاجزُ عن النوم في كونٍ كلّما ألقى اللّه على ظهره بالزُّهر

ولدتُ من جديد. تطوّحَ موبي ــ ديك في البحر

شاهراً بياضَه القَتّال، أبيضَ كالحقيقة


وآخاب المعتوه يدفنُ حَربتهُ الصدئة في جنبه ما زال. كتابُ الليل ينفتح

كلما ألقى اللّـه على ظهر هذا الكون بالزُّهر


يا سيّدي آينشتاين…

تحت نافذتي ملاكان ضيّعا طريقهما إلى الجنّة

ينامان مُتعانقَين، يُغطّيهما الثلج.


لحظة ٌ أعيشُ من أجلها طوالَ يومي، وحينَ ينتهي، تتلاشى.



يدا القابلة



ومن غير أن نولد، كيفَ نحيا مع الريح

دونَ كفالات: يدُ النوم مُدْلاةٌ على مَهد الوليد حتّى

تأتي الظلال.


الصدى يعرفنا، آتياً من وراء العالم.


تعرفنا خادمةُ اللـّه

هذه التي تمدُّ جسراً بين دُنيانا والآخرة.


الريحُ، والظلُّ، والجسر

وبيوتٌ خشبيّة تترنّحُ قبل مجئ الإعصار.

مَسقط ُ الرأس ِهذا…


وجهُ الحياة القَلِقُ، حيث ترتعدُ الولادة

ويسقطُ الجنينُ صارخاً بين يديّ أمّ يوسف، القابلة.



جسدي الحيّ في لحظته


النوافذ ُ مُغَطّاةٌ بستائرها المُخَرَّمة، وأنا

راقدٌ في سريري، بؤرةً لشَذراتٍ آتية من باطن أرضي أنا، جسَدي

الحيّ في لحظته، هذا التنّور الذي لا يكفُّ عن تَدوير الأرغفة

للجياع المزدحمينَ على بابي.


وجهي مُعَلـّى للسماء وما من زاويةٍ للتنَحّي

شَعري مُعَفَّرٌ بأتربة الشمس، والهواءُ يدخلُ قُمرات سفينة

أبعثُ بها الى البحر، بين آونةٍ وأخرى، مصنوعة من كلماتي.


كلماتي المليئة بالنذائر، والنُذُر، ومفاجآت أيّامي.

هي الأثقَل من تُراب قبر أبي المجهول في مسقط رأسي.


لا، لستُ الطريحَ الذي قد تتخيّل، على سرير انعزالاتي

أبعدَ من أن تصلني صيحاتُكَ المجيدة.


النورُ يُملـّسُ وجهي، والرؤيةُ قد تُحيلُ جدرانَ غرفتي

إلى مسرح ٍورَقيّ، يُشعلُ فيه النارَ عُودُ ثقاب.


يدي قد تُسقطُ حِمْلها من الكلمات على هذه العتبة المغطّاة بالخطى

وتُبَعثرني ريحُ الربّ الغاضب المترنّح في مسيرتهِ عبرَ الصحراء كحَفنةٍ

من الحنطة.


( آه، يا أوجُهَ التواريخ الجريحة!)


هذا أنا: صوتُ أجراسي الخفيّة في اللحم، أعلى من عاصفةٍ وشيكة.



محمود البريكان واللصوص في البصرة


حَبلُ السُرّة أم حبل المراثي؟


لا مَهرَب: فالأرض ستربطنا إلى خصرها

ولن تترك لنا أن نُفلتََ، مثلَ أُمّ مفجوعة، حتى النهاية.


كلّ يوم من أيامنا، في هذه الأيام، جمعةٌ حزينة!

ويأتيني، في الجُمعةِ هذه، خبَرٌ بأنّ البريكان


ماتَ مطعوناً بخنجر

في البصرة

حيث تكاثرَ اللصوص، وصارَ القـتـَلة

يبحثونَ عن… يبحثون، عَمَّ صارَ يبحثُ القتـَلة؟


حتى هذا الشاعر الوديع لم يَنجُ، هو الذي

كان يعرفُ منذ البداية لونَ القيامة، وهجرةَ الفراشة

نحو متاهة العالم السفلي، حيثُ الليل، واللّـه، واحد.


أكانت هذه معرفتك، هل كان هذا سرّك؟


كنتُ أراك، أنتَ الملفَّع بغشاء سرّك

بين حين وآخر، في مقهى “البرلمان”

حديثنا عن رخمانينوف، عن موتزارت.


واليومُ الذي أتذكّركَ فيه

اليومُ الذي فيهِ بالذاتِ أراك:

كنتَ اشتريت “صُوَر من معرض” لموجورسكي

من “أوروزدي باك “…


واللـّه أعلـَم كم كلّفتكَ تلك الأسطوانة

من راتبك الضئيل!


(سأُسمِعُها، في ذكراكَ، اليومَ، نفسي.)


سأصغي… وها هو الخبَرُ يأتيني.


حبلُ السُرّة انقطع، وامتدّ حبلُ المراثي.

إنه الليل. نـَمْ، أيّها الشاعر. نـَم، أيّها الصديق.


———————————————


* من ديوان “عَظمة أخرى لكلب القبيلة” الذي يصدر قريبا عن دار الجمل في كولونيا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق