سرّة الأرض ووسط الدنيا!

كنا قد قدّمنا– في معرض الحديث عن ساعتنا المكّية وساعتهم اللّندنيّة – اقتراحا بين يدي الحريصين على أن نكون خير أمّة أخرجت للناس قلنا فيه : يقتضي – لمزيد القطع مع ساعة "بيغ بن" الكافرة، ومخالفة أهل الجحيم قاطبة – أن تدور عقارب ساعتنا المكّية على عكس عقارب ساعتهم اللّندنيّة !!

ولم تتأخّر استجابة الخيّرين من فضلاء علماء الأمّة. وها هي جريدة "الصّباح "التونسيّة الصادرة يوم 22 جويلية / يوليو 2010 تبشّرنا في لقائها مع "المخترع" الفرنسيّ من أصل فلسطيني "ياسين الشوك" بما كنّا نتمنّى. وزاد اغتباطي لأنّ الفتوحات التونسيّة في هذا الباب صارت، في المدّة الأخيرة، تترى. فمن منظومة "الشاهد" التي اخترعها العالم "محمّد الأوسط العيّاري" لتحديد الأشهر ورؤية هلال رمضان، إلى سجّادة مواطنه الإلكترونيّة التي تحصي على الساجد عدد ركعاته فلا يسهو ولا يغلط، إلى هذا الاختراع الأخير الذي كانت تونس إحدى محطّاته المهمّة.
ومن ذا الذي لا تضجّ بصدره مشاعر العزّة والنخوة وهو يقرأ مثل هذا العنوان:
العالم المسلم الذي سيغير توقيت العالم

هذا "العالم " حلّ ضيفا على تونس، وكان محلّ حفاوة بالغة من قبل السلطات التونسيّة، كما ذكرت الجريدة، وموضوع الزيارة هو عرض اختراعه أوّل ساعة إسلاميّة اتّخذت لها من الأسماء «ساعة مكة».

صحيح، فإنّ "الشوك" لم يكن أوّل من "اهتدى" إلى أنّ البيت العتيق هو سرّة الأرض، بل سبقه شيوخه في الإعجاز العلميّ "حسين كمال الدين"، و"زغلول النجار"، و"عبد المجيد الزنداني" وغيرهم.. ولكنّه كان صاحب الحظّ الذي تمكّن من تجسيد نظريّات شيوخه، باختراع ساعة إسلاميّة كاملة الأوصاف، وخير دليل على ذلك دوران عقاربها عكس عقارب الساعة، أي من اليسار إلى اليمين، تماما كما يطوف الحجّاج بكعبة القُصّاد في أمّ القرى.

وهذه الساعة الإسلاميّة التي عرضها "الشوك"، بنيّة "انطلاق مستثمر تونسيّ في تصنيعها" ( !! )، والتي تحدّد اتجاه القبلة في أيّ مكان على وجه الأرض تؤكّد، لدى مخترعها، أنّ التوقيت العالميّ الصحيح والذي لابدّ أن تسير عليه الدول هو توقيت مكّة باعتبارها المركز وليس خطّ غرينيتش الذي وضعه الغرب الاستعماريّ.

الموضوع، في حدّ ذاته، ليس جديدا، فقد كان مدار بعض المنتديات منذ وقت، لكنّ الجديد هو هذا انفتاح المشهد التونسيّ التدريجيّ – على الأقلّ من خلال بعض عناوين واجهته الإعلاميّة – في قبول ما كان يعزف عنه في الماضي، حين رفض التداول بشأن مشروب "مكّة كولا" الذي وضعه مهاجر تونسيّ ( أيضا ! )، أو حين رفض القبول بالدمية المتحجّبة "فلّة" في واجهة المحالّ التجاريّة. أمّا ما هو مكرور، في كلام "المخترع" فتلك الاستعادة المطمئنة للمغالطات التي تكاد تكون بصيغ متشابهة من قبيل: "وقد توصّل العلماء (؟)، بعد عدّة أبحاث متّصلة (؟) استمرّت لأكثر من عشرين سنة ( ؟ ) إلى أنّ مكّة المكرّمة هي مركز الكرة الأرضيّة (!!  )، أو من قبيل تفسير الآية القرآنيّة «لتنذر أمّ القرى ومَن حولها» على أنّها الحجّة التي لا تقبل الدحض بأنّ مكّة هي مركز الأرض، ولم لا مركز الكون برمّته.

لو قُيِّض للمرء أنْ يضع على معصمه ساعة من صنع إسلاميّ قبل مفارقة هذه الدنيا فذلك ما يتمنّاه، أمّا أنْ نُوكِل إلى الصّين أو في أحسن الأحوال إلى السويسريّين أو الألمان صناعة ساعة "إسلاميّة" على المقاس، تدور بعكس حركة الساعة الأصل، لا لشيء إلاّ لمطابقة حركة الطائفين بالبيت العتيق منذ أكثر من خمسة عشر قرنا فذلك مدعاة إلى الخشية من أن يخرج علينا "مخترع" آخر ليقول لنا بأنّ اليوم يجب أن يكون سبع ساعات لأنّ الطواف، أيضا، سبع !!

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق