سعيد عقل بين الشعر والغناء: حُسنٌ يجعل الحبّ أحبّ / محمود الزيباوي

غنّت فيروز من شعر سعيد عقل مجموعة كبيرة من الأعمال، منها القصائد الوطنية، ومنها الأشعار المحكية. بدأ هذا التعاون خجولاً في الخمسينات، وتحوّل شراكة فنية متينة طوال مرحلة الستينات، ثم استمر بشكل متقطّع حتى عام 1977. نجحت هذه التجربة نجاحاً باهراً، وسعى البعض إلى محاكاتها، غير أن هذه المحاولات بقيت معزولة، ولم ترتق البتة إلى مصاف التجربة الأم.

 

في نهابة شهر آب 1953، صدر العدد الأول من مجلة “الإذاعة السورية”، وتضمّن لقاءً مطوّلاً مع سعيد عقل اجتُزئ من حديث ألقاه الشاعر أمام الميكروفون في دمشق، كما جاء في المقدمة. تحت عنوان “الشعر والغناء”، قال الشاعر اللبناني: “ما دمنا في الإذاعة، وما دمتم تسألونني عن الشعر العربي والغناء، لا بد لي أن أشير إلى ظاهرة غريبة، هي أن معظم الشعر الذي غُنّي في أوروبا، باستثناء مقطوعات للشاعر غوته، كان شعراً ركيكاً، وأنك لتعرف أسماء جميع ملحّني الأوبرات ولكنّك لا تعرف إسماً واحداً من واضعي شعرها. ولكن هذا لا يعني أن الغناء كُتب عليه الشعر الهزيل، وأتساءل: هل يكون في بعض ما غُنّي لأحمد شوقي، وما تغنّيه فيروز من شعر الأخوين رحباني خطوة ذات شأن في هذا المضمار؟ إنّني أميل إلى التفاؤل”.

في هذا الحديث الإذاعي، حيّا الشاعر فيروز والأخوين رحباني في مرحلة بداياتهم، وبدا معجباً بتجربتهم الفتيّة، وقد تكرّس هذا الإعجاب في كتابات لاحقة رافقت هذه التجربة الغنائية المميزة عن كثب منذ منتصف الخمسينات. كيف تمّ اللقاء الأول بين سعيد عقل والأخوين رحباني، وكيف توطّد وتحوّل شراكة في الأدب والشعر والغناء؟ في كتابه “الرحبانيون وفيروز” استعاد جان الكسان حديثاً لسعيد عقل حول بداية علاقته بالأخوين رحباني. وفقا لما نقله الراوي، كان اللقاء الأول في نهاية الأربعينات، من طريق المحامي عبد الله الخوري، ابن الأخطل الصغير، وزوج سلوى، شقيقة عاصي ومنصور. “تعارفنا، لكننا لم نجتمع مرة أخرى”، قال سعيد عقل عن هذا اللقاء الأول. بعد بضع سنوات، تناهى إلى الشاعر من راديو السيارة صوت يغنّي “راجعة”، فسأل: “من صاحبة الصوت؟”، فقيل له: “هذه فيروز”، فسأل: “والموسيقى لمن؟”، فقالوا: “هي للأخوين عاصي ومنصور رحباني”. تابع الشاعر الحديث: “من خلال إعجابي بالأغنية، موسيقى وأداء، جدّدتُ معرفتي بالأخوين رحباني، وبعاصي شخصياً، إذ كنت أراه أكثر مما أرى منصور، وصرت أعرف كيف ينظمان الأغاني ويلحّنانها. عاصي يبدع في الاسكتشات والأغاني المكتوبة باللغة العامية، ومنصور يبدع في الأغاني المكتوبة باللغة الفصحى… وكان الاثنان يأنسان إلى رأيي، ويرضيان بتحكيمي، فقد كان عاصي يكتب عملاً فنياً، باللفظة والنوتة، وكذلك يفعل منصور، من دون أن يجتمع الاثنان على عمل واحد، ويعرض كلٌّ منهما عمله عليَّ، وأغلب الأحيان كنت أرى أن كل عمل من الاثنين يستحق أن يأخذ مداه، ويخرج إلى النور، وأحيانا كان عاصي يأخذ عمل منصور ليُخضعه لبعض التعديلات، أو يأخذ منصور عمل عاصي ليُخضعه لبعض التعديلات ويجمّل بعض ألفاظه، وبحكم اختباري لأسلوب كلٍّ من الاثنين، أكاد أكون واحداً من قلائل يعرفون أين موقع عاصي وأين موقع منصور في الأغاني التي نسمعها للأخوين رحباني”.

 

 

سائليني

 

رافق سعيد عقل الأخوين رحباني منذ عام 1953، غير أن التعاون بينهم ظل محدوداً للغاية كما يبدو، وتمثّل في عملين، أولهما قصيدة بالعامية تحتفظ إذاعة دمشق بنسخة منها، عنوانها “حلم”، ومطلعها: “يبقى المسا شوب وزهر ليمون”. وثانيهما قصيدة “أجمل منك لا”، وقد بثّتها “إذاعة الشرق الأدنى” في أيلول عام 1954، وهي من الأعمال “المفقودة”، ولحنها يغلب عليه الطابع الغربي، كما كتبت مجلة “الصياد” عند بثّها. بدأ التعاون الفعلي بين الفريقين في عام 1960، من خلال “معرض دمشق الدولي” حيث افتتحت فيروز الحفل بقصيدة “سائليني”، وغنّت في الوصلة الأخيرة “مشوار”. اختار الرحبانيان أبيات “سائليني” من قصيدة مطوّلة نظمها الشاعر في السابق، وشكّلت هذه التجربة بداية سلسلة الدمشقيات التي وضعها سعيد حقل لفيروز على مدى اثني عشر عاماً. عام 1962، وُلدت “قرأتُ مجدكِ” عند افتتاح عروض مسرحية “جسر القمر” في دمشق، وتبعتها “شام يا ذا السيف” مع “الليل والقنديل” في العام التالي. بعدها، غنّت فيروز “نسمت من صوب سوريا الجنوب” عند تقديم “بيّاع الخواتم” في عام 1964. تجدد اللقاء في عام 1967 حين لحّن محمد عبد الوهاب من شعر سعيد عقل “مُرّ بي” لمناسبة عرض “هالة والملك”. بعد ستة أعوام، غنّت فيروز “أحبّ دمشق” عند عرض مسرحية “المحطة”، وافتتحت عروض “لولو” بقصيدة “بالغار كُلّلت” في عام 1974. كتب سعيد عقل هذه القصيدة احتفالا بنصر حرب تشرين، وهي آخر سلسلة الدمشقيات الفيروزية التي حملت توقيعه. على عكس الفكرة السائدة، لم يتفرّد شاعر لبنان بنظم القصائد التي افتتحت بها فيروز حفلاتها في دمشق. عام 1961، غنّت من شعر الأخطل الصغير “يا ربى”، وفي عام 1966 شدت من نظم الأخوين رحباني “خذني بعينيك”. وفي 1971، غنّت من شعر نزار قباني “موّال دمشقي”، عند عرض “ناس من ورق”. في زمن الحرب اللبنانية، جاءت “يا شام الصيف”، وتبعتها في العام التالي “حملت بيروت في صوتي”، والقصيدتان رحبانيتان كلاماً وشعراً.

في الخلاصة، غنّت فيروز من شعر سعيد عقل سبع قصائد دمشقية باتت من كلاسيكياتها. كذلك، وضع صاحب “رندلى” ثلاث قصائد غنّتها فيروز في الأردن، أولاها “أردن أرض العزم” في عام 1963، ثم “عمان في القلب” في 1975، و”هذا الضحى” في 1977. لفلسطين، كتب الشاعر “أجراس العودة” لتغنّيها فيروز في دمشق في الثامن من أيلول 1966، ومطلعها في صيغتها الأولى: “ويحا فليشرع في الدنيا”. في الخامس من حزيران 1967، تحدّثت الصحافة عن أغنية فلسطينية أخرى يكتبها سعيد عقل ويلحّنها الأخوين رحباني، عنوانها “يوم الثأر” أو “نحن على الأبواب”، ونُشرت كلمات هذه القصيدة بعد أسبوع، غير أن المشروع لم يكتمل كما يبدو. للبنان، غنّت فيروز من شعر سعيد عقل قصيدة مطلعها : “من أين يا ذا الذي استسمته أغصان/ من أين أنت فداك السرو والبان”، وذلك في الأرز عام 1969، ولم تنتشر هذه الأغنية إلا بعدما صُوِّرت تلفزيونياً في سهرة “قصة حب” عام 1974. بعد “قصيدة لبنان”، جاءت “رُدّني إلى بلادي” في عام 1970، وتحدث عاصي في شتاء 1971 عن قصيدة تمجّد جبيل نظمها سعيد عقل كي تفتتح بها فيروز عرض “ناس من ورق” في هذه المدينة، غير أن هذه العرض أُلغيَ، ولا نعرف ماذا حلّ بالقصيدة الموعودة. إلى جانب هذه الأعمال، يرتبط اسم سعيد عقل بقصيدة “غنيتُ مكة” التي سُجّلت عام 1966. حملت هذه القصيدة توقيع سناء الرديني لأسباب تبقى مجهولة إلى يومنا هذا، ونجد هذا الإسم الوهمي على غلاف الأسطوانة في إصدارها الأول، قبل أن يحل الإسم الحقيقي في مرحلة لاحقة. إلى جانب هذه الأعمال الخالدة، لحّن الأخوان رحباني من شعر سعيد عقل ثلاثة أناشيد قصيرة خاصة بالجيش سُجّلت على الأرجح لحساب الإذاعة اللبنانية، وأدّتها الجوقة من دون فيروز، وعناوينها “مطر النار”، “نشيد المدرعات”، و”نشيد السلام”. هذه الأناشيد مجهولة اليوم، وهي محفوظة في أرشيف إذاعة بيروت، مثل الكثير من الأعمال الرحبانية التي تنتظر من يصنّفها ويُعرّف بها.

 

 

مشوار

 

خارج النطاق الوطني، غنّت فيروز من شعر سعيد عقل الفصيح في الستينات “من روابينا القمر”، “أمّي يا ملاكي” و”شال”. وشكّلت “مشوار” بداية لسلسلة أغان باللغة المحكية سُجّلت في الحقبة نفسها، منها: “بحبّك ما بعرف” (1961)، “مرجوحة” (1965)، “يارا” (1965)، “لمين الهدية”، “فتحهن عليي”، و”دقّيت طلّ الورد عالشبّاك” (1971). اعتُبرت “مشوار” عند صدورها أغنية “جريئة”، وتساءلت مجلة “الصياد” في شباط 1961: “هل تمنع إذاعة بيروت أغنية مشوار لفيروز؟”. خرجت هذه الأغنية على أسطوانة من الحجم الصغير عنوانها “الهوى والشباب”، وضمّت على الوجه الثاني “بحبّك ما بعرف”، وحمل الغلاف الخلفي نصاً لا يليق بهاتين الأغنيتين، وفيه: “تزداد مشاكل الشباب المراهقين وتتعقّد في محيط القرية الضيّق حيث يعرف أهلها بعضهم بعضاً وحيث تتداول الألسنة الأخبار وتضيف إليها وتحوّرها. في القرية يعاني الشباب المراهقون جور المراقبة والوشوشة، فكل حركة يتحركونها حتى لو كانت بريئة تجد تأويلات عديدة تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة، كهذه القصة التي ترويها فيروز في أغنية مشوار. قصة تتمثل فيها العلاقة البريئة الساذجة وتصوّر أقاويل الألسن اللاذعة، قصة حب لا أساس لها تلوكها الألسن فتتحوّل الإشاعة الخيالية إلى حقيقة واقعية، فيغمر الحب قلب الفتاة، فتقضي لياليها حالمة بفارس أحلامها، وهي محتارة لا تدري هل هي تحبّه حقيقة أم أنها تتخيل لكثرة أقوال الناس، فتتساءل: بحبّك ما بعرف هن قالولي”. عام 1966، صدرت الأغنيتان على أسطوانة من الحجم الكبير ضمّت ثلاث أغنيات أخرى من شعر سعيد عقل، وسبعاً من شعر الأخوين رحباني، وأُرفقت هذه المجموعة بنص بليغ يقول: “كثير من هذه القصائد لسعيد عقل. والأكثر للأخوين رحباني. ويقول الثلاثة إنهم وضعوا قي ذَينِك الشعر والموسيقى أحاسيس ينسم عليها عبق غريب. وفيروز؟ إنها في أدائها اللؤلوئي الحنان، إنّما تخلع عليها جميعاً حسناً يجعل الحبّ أحبّ”.

 

 

زهر ليمون

 

نجحت شراكة فيروز والأخوين رحباني مع سعيد عقل نجاحاً كبيراً، وسعى البعض إلى تكرارها، غير أن هذه المحاولات ظلّت محدودة للغاية. في تشرين الأول 1963، حازت المغنية الناشئة فيكي غربديان جائزة سعيد عقل، وذلك إثر صدور أغنيتها الأولى بالفرنسية “لبنان بلد العجب”. شكّلت هذه المغنية ثنائياً مع وليد غلمية، وقدّم لها سعيد عقل قصائد عدة، منها القديم، ومنها ما كُتب خصيصاً لها. لحّن وليد غلمية القسم الأكبر من هذه القصائد، ولحّن إلياس رحباني “تطلّع وضاع”، و”شوب وزهر ليمون”، والقصيدة الثانية ما هي إلا “حلم” التي لحّنها الأخوان رحباني لفيروز في الخمسينات. لم تحصد هذه الأغنيات نجاحاً يُذكر وهي اليوم منسية تماماً، ولا نعرف أين نعثر عليها. بعد فيكي غربديان، غنّت ماجدة الرومي في مطلع حياتها الفنية من شعر سعيد عقل وألحان إلياس رحباني “عم بحلمك يا حلم يا لبنان”، ثم غنّت ألحان زكي ناصيف للجيش اللبناني في عام 1990 “يا طالب إيدي”. في المقابل، اجتمع سعيد عقل وزكي ناصيف قي أغنية أخرى للجيش أدّتها سلوى القطريب، مطلعها: “وحدك يا عسكر لبنان/ واقف تتحدّى العدوان/ وقفة مارد قلبو صامد/ سيفو حاضر بالميدان”.

 

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 31/7/2011

 

 

 

==

 

نفاق غربي: استراتيجية سرقة الفعل في أوج نشاطها ’الثوري’! / مطاع صفدي

النصر السريع الذي اكتسبته ثورة ’ميدان التحرير’ وضع تياراتها الشبابية دفعة واحدة أمام واجبات الوعي والممارسة والتنظيم، بما ليس لهم فيه سابق معرفة أو تجربة. إنهم ثائرون غاضبون قبل سقوط الفرعون، وصاروا فرحين بالإنجاز لدرجة الارتباك بالإرث العظيم الذي خلَّفه وراءه سلطانُ القوة العُظمى المنهار، فهم يرفضون أن يكونوا سلاطين جدداً، لكنهم لا يدرون كيف يحوّلون نصرهم الفريد إلى سلطة ما، وإن كانت لا تزال سلطةً تحبو في الشوارع، ولا تتسلّق سلالم موهومةً نحو القمم العالية.

الثوار الشباب لا يحلمون أن يصيروا حكّاماً بين ليلة وضحاها، لكن صراعات السلطة ما بين أجنحة المعارضة، ليست سوى تمريناتٍ عبثية للإستيلاء على مقعد الملك الواحد الأحد الذي سيحتكر دفَّة القيادة للبلاد والعباد. ففي خِضَمّ هذا الصراع يصير الخوف، كل الخوف، أن تفقد الثورة براءتها الذاتية، وأن تتحوّل إلى شبكيات من القوى الإنتهازية للفرصة، وللمصلحة، وللمصطادين في المياه العكرة، وما أكثرهم وما أدهى مخططاتهم، وما أغنى أيديهم بالأموال القذرة؛ ليسوا هم من دهاقنة الثورة المضادة وحدها. ليسوا هم من متاع النظام البائد فقط. هنالك زُمَر الفساد والإفساد المتغلغلة في هوامش الحدث الثوري اليومي. فالعدو الأكبر المترصّد لأخطاء المعارضة وتشتّت عقولها وأجنحتها، لا يزال هو العدو التقليدي لأيّ تغيير حقيقي يكتسبه أيّ مجتمع عربي.

والثورة العربية فاجأت نفسَها والعالم معها بكونها هي بادرة التغيير الحقيقي؛ فمن يرضى للعرب أن يكسروا جلمود القَمَم من حول جسدهم، سجينِ التخلّف، مثَلَّث الرؤوس بالقمع الأجنبي والأهلي، وما بينهما من ضياع الوعي الذاتي بفارق العبودية المعتادة عن الحرية المجهولة. فالغرب قد يَقبل بتغيير الواجهة الحاكمة جملةً وتفصيلاً، حتى تلك المستظلة بقوته مباشرةً كالملكيات القروسطية ومشيخات البداوة النفطية، لكنه لن يسمح بوصول أيّ شعب عربي إلى صيغة أن يحكم نفسه بنفسه. فأنْ ينهار نظامٌ منخورٌ من طائفة المستبدّين الفاسدين. ذلك أمرٌ مقبول، لكن من يأتي بعده ينبغي أن يُعيد بنية التبعية تحت حلة جديدة. هذه الحالة من استعادة عبثية التحريف والتشويه في قلب الظاهرة الثورية، تشكل العقبة الكأداء، الأخطر في وجه الجيل الثوري الصاعد. وقد يقع بعضه في شباك المال والغواية السلطوية المتعجلة، فيتفكك تدريجياً بُنيان الحراك الجمعي. سريعاً ما يقع، هذا البعض، ضحيةً ساذجة لألاعيب سياسة العلاقات المشبوهة. فمن طبيعة الصيغة الجماهيرية أنها قلما تعبأ بضرورات الرقابة الذاتية على مكوناتها؛ إنها تأخذ الوقائع والشعارات المرفوعة بظواهرها العارضة، لا تلحظ متغيراتها، ولا تسأل عن صانعيها الحقيقيين.

الثورة العربية قد تكون واعية لأهدافها المباشرة، لكنها لا تلتفت إلى خلفيات مكوناتها البشرية والاجتماعية؛ فهي بقدر ما تتميّز بصيغتها الجماهيرية العفوية، فإنها لا تمتلك مهلة التمييز ما بين النماذج القيادية التي تنتجها من ذاتها، وتلك الفرديات الأخرى الطارئة والملتصقة بحراكها.

سَرِقةُ الفعل، ذلك هو عنوان الإستراتيجية الأمريكية إزاء الثورة العربية. فقد لا يمكن سَرِقة الثورة، بل يمكن اختطافُ بعض الهَامّ والتاريخي من أفعالها. هنالك صراع عربي غربي على ملكية المرحلة الاجتماعية الجديدة، بقضّها وقضيضها. فالعرب هم أصحاب الثورة الشرعيون. ومع ذلك فالدبلوماسية الأمريكية تشنّ أوسع وأعمق حروب انتزاع الملكية من أيدي أصحابها الشرعيين، بعلنية الوقاحة المطلقة. فتتدخل الأمركة الغازية بكل صفاقة، ما بين أحرار العرب ومشروعهم النهضوي الجديد. علّها تفسد العلاقة العضوية بين تربة البستان العربي وربيعه الواعد، تريد أن تفتعل لهذا الربيع موسمَ أشواكٍ طاغٍ على موسم براعم مهددة بالبداد قبل الإزدهار.

مئات أو آلاف من أسماء جمعيات (مدنية؟) تندسّ في تضاعيف مجتمعاتنا، مأجورة للمال القذر، ولمخططاته الخبيثة، وقد تجد فُرَصَها السائحة في موجات الثورة المنطلقة هنا أو هناك. تمارس سَرِقة الفعل ببراعة اللصوص المدرّبة على اقتناص العقول الشابة من بداهاتها العفوية. إنها تطرح عليها كلّ الشعارات النبيلة من أسماء الحرية والعدالة والمساواة، لكنها تجعل مساراتها غاصّة بسريان العملة الزائفة الطاردة للعملة السليمة.

يصحُّ هنا القولُ أن مقياس الثورة الحقيقية هو قدرتها على كشف أعدائها الذاتيين قبْل الموضوعيين، لكن ربما أصبحت إحدى هاتين الطائفتين أشدّ مكراً ودهاءً من الأخرى، إن لم تتعاونا معاً في محصلة الصراع، حول إنجاز مهمة سَرِقة الثورة، وتقاسمها فيما بينهما. ولكن في التجربة الراهنة من مكابدة الثورة لشرور الداخل والخارج معاً، فإن الغرب المضاد يُراهن على سلب الثورة أفضل أضوائها الساطعة، وهو حرمانها من براءة صيرورتها في عيْن الأنقياء من أبنائها وأبطالها، وذلك بتوليد الفئوية، ورفع الشعارات الملتبسة. فالطارئون سريعاً ما يقلبون الثورة إلى حرفة يمتهونها بديلاً عن أيام البطالة العقيمة. فالسفارات الغربية في العواصم الثائرة، أو شبْه الثائرة، تشهد أعلى نشاط لها يُخرجها عن رتابتها الدبلوماسية، ويحرف اتصالاتها عن مستوى الحكّام المحليين، إلى قيادات الشارع المتحرك. أوربا وأمريكا وإسرائيل جبهات ثلاث في واحدة مصمّمة أكثر من أيّ وقت سابق، على ألاَ تدع الثورة تفلت من بين أصابعها الطويلة. هنالك وصفات شعارية من السهل إلصاقها على جبين هذه الفئة أو تلك. هنالك جُعالات دولارية لا تنقذ، يمكن أن تتسرّب إلى بعض الجيوب ماوراء ظهر الجماعة الكبرى. إنه تشكيل الشراذم الذي يُمزّق النسيجَ الأشمل لصيغة الجماعة الكبرى؛ هذه الصيغة لا تزال من دون حماية واعية لحدودها ومكوّناتها.

الإسلاميون طاغون في كل ساحة عربية، متحركة أو موشكة على الحركة. لكنهم جماعات متفرّقة كذلك، هم فئويات؛ والقوميون مترهّلون حتى في عقائد شبابهم، وليس في أعمار كبارهم فقط. واليساريون عاجزون عن أدْلَجة الحَدَث الثوري العربي تحت أية مقولة ماركسوية. أما الليبراليون المتأمركون صراحةً بالفكر والممارسة معاً، فإنهم لا يكفّون عن ادّعاء أبوة الثورة وانطلاقاتها الأولى، بفضل تحشيداتهم الإلكترونية؛ لكن يبقى هنالك الجمهورُ الأعظم الذي أكسب الإنتفاضة قاعدتها البشرية الأكبر والأشمل، والتي من دونها لن تتكوّن للشارع ثمّة سلطة شرعية، تُسقط سلطات الأمر الواقع اللامشروعة. ولقد برهن الجمهور في كلٍ من تونس ومصر، أنه قادر وحدَه أن يكون قائد نفسه. وأما الأحزاب أو (الشراذم) و(الزُمَر)، فإنها قوى من الدرجة الثانية والثالثة، وكان حضورها في اللحظات الحرجة، مرهوناً برجحان كفَّة الإنتصارات على كفَّة الهزائم.

ولا تزال الثورة في بدايتها، وهي أقرب إلى الإنتفاضة في يومها الأول منها إلى القوة المنظمة لمشروع التغيير. فهي افتتحت، أسَّست حتى الآن، جدليةَ الصراع، الكاشفةَ أمامها لمسلسل العقبات، التي سيفجّرها في وجهها أربابُ النظام القديم، والمدافعون الجدد عن استمراريته تحت شتى أشكال الرفض والنقض، والمناورات الظاهرة والباطنة؛ حتى يمكن للثورة أن تتحوّل إلى مجرد جبهة محاطة بجبهات كثيرة عدوانية ومتآمرة. وقد يندسّ المشبوهون خلف الصفوف الشابة، وينجرف قي تياراتهم أبرياءٌ كُثرْ. فاستراتيجية التخريب هي الثمرة العليا لثقافة العلوم الغربية المصدّرة إلى العالم، وسوف تجد فرصتها الذهبية في تجربة خبراتها المعرفية والعملية، فيما سيطرحه التجريب العربي الثوري من وقائع التغيير ومناهجها ومفاهيمها، غير المصنّفة بعْدُ في محفوظات العقل الإستعماري.

غنيُّ عن القول أن المغزى التاريخي لاندلاع الحراك الثوري اليوم هو أنه إيذانٌ بإعادة إنتاج الاستقلال العربي وانتشاله من أدهى أمراضه العضوية المستديمة، ذلك الإستنقاع الجرثومي بين فكّيْ كمّاشة الإستعمار الداخلي، وهما الاستبداد والفساد.

بالمقابل، يُدرك الغرب أنه ربما يخوض معركة حياة أو موت مع اندلاع هذه الحركة الإستقلالية للعالم العربي الذي أمسى يشكّل احتياطي البقاء الحضاري، وربما الحيوي العادي، لإمبراطورية الغرب. هذا العالم العربي والإسلامي هو خزّان كونيّ للطاقة والمال، وهو الممّسك شبْه الأوحد بميزان معادلات القوى الفعلية ليس بين الشرق والغرب فحسب، ولكن بين حاضر المدنية ومستقبلها، لإنسانية القرن الواحد والعشرين. ذلك ما يتداوله مثقفون وخبراء من عالم الشمال الأبيض علناً، وبدون موآربة.

فأن تفوز أممُ وشعوبُ العالم العربي والإسلامي باستقلالها الحقيقي أخيراً، ذلك المثل الأعلى شبه المستحيل حتى على التصوّر الغربي نفسه، حول إنشاء مجتمع المدنية الحرّة العادلة حقاً، فذلك يعني، وكما يفهمه مفكرو الغرب النزيهون منهم فحسب، هو أن توضع حضارة الغرب أمام آخر وأشقّ خيار لها: إما التساقط إلى أدنى إفلاسها الأخلاقي، مع إنكارها لحقائق الإنهيار المتفشية في نظامها الرأسمالي، وإما أن تحاول النهوض، بما تبقَّى لها من (براءة الصيرورة) مع ذاتها، إلى مستوى الجوهر من ثقافة المدنية، التي طالما انشغلت هي باختراع معاييرها، كيما تعاود ابتعاث الجانب الإنساني، بعد كل فجوة وهوة، من تاريخها الدرامي الدامي.

كأنما لا فكاكَ من ثنائية قطبيْن: راهنٍ ومُرْتَهن مابين الغرب والعرب. وهي ثنائية ظالمة وجاحدة، لم تكن أبداً تبادليةَ الإرتهان المتوازن بين قطبيْها هذين؛ ولعلّه حان الوقت لتصحيح هذه العلاقة المتعسّفة، فَلْيكفَّ الغربُ عن خداع شباب الثورة، عن التبنّي الكاذب لأهدافها، بتحريف معانيها من تحت سطورها العريضة، بتلويث نظافة الوجدان الشبابي بالتبعيات المشبوهة. على الغرب ألا يَنْصِبَ نفسه كالنقيض الجبار لحرية الإنسان غير الغربي، أينما أينعت لها بعضُ الأزهار الواعدة بربيع إنساني مستقل، لها ولكل محروم منه، من موسمه العابر، ولو لمرة واحدة في مسيرته المظلمة.

هناك في الغرب من يقول لبعضه: دَع الثورةُ العربية تنجز الانتهاء من عصر الاستبداد، بفضل حيويتها الذاتية، بعقلها الجماهيري الفتيّ. لا حاجةَ لمواعظك البالية، ولا لأموالك المسمومة. دع حرية الآخرين تعلّمك خلاصَ حريتك من ظلماتها في أعشاش النفاق السياسوي، وزميله الاستغلال اللصوصي المفضوح. فقد تغدو الحريةُ لشعوب العرب والإسلام منقذاً كذلك لمعضلة الغرب مع إمبراطوريته الهرمة. عليه أن يَدَعَها لموتها المحتوم. لعلّه يعيد إحياء مدنية خالصة من البربرية المقنعة، قد تصبح شريكةً مخلصة لمدنية البشرية جمعاء، قبل فوات الأوان… فيتحول الإفلاس الاقتصادي إلى إفلاس أخلاقي وحضاري، لا مستقبل لأحد بعده.

 

عن جريدة القدس العربي 31/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق