سعيد من كان في بيروت م 1960

في هذه المدينة، بدأت العمل الصحافي. وخلال عام واحد انتقلت من “الأنوار” إلى “النهار” إلى “اليوم”، التي كان يصدرها نقيبـ، الصحافة، وأحد نبلائها الكبار، عفيف الطيبي. كان يكفي أن أسمع ملاحظة حتى أذهب ولا أعود. كنت أعتقد أنه لن يمضي عام أو عامان إلا وأصبح من شعراء الزمان وروائيي العصر، وأن الصحافة مجرد محطة قصيرة وعابرة قبل الشهرة العالمية! وكانت تلك سمة الجهل المطلق والغرور الصبياني المضحك. وكان يرافقها، كما رافق كل شيء آخر في حياتي، حساسية مفرطة وبلا حدود. ولذلك تنقلت في الصحف ذهاباً وإيابا، وكانت سعة الصدر تودعني وسعة الصدر تستقبلني من جديد. وكنت أعتقد أن الشهرة العالمية على الأبواب.

* ليس هذا العام هو عام دخولي إلى الكتابة. إنه العام الذي سوف أتقاضى منه أول راتب شهري (300 ليرة) عن انضمامي إلى القسم الخارجي في “الأنوار”. أما متى بدأت الكتابة إلى الصحف، فلا أذكر تماما. ومتى بدأت الكتابة على الدفاتر، فلست أعي تماماً. لكنني أتذكر، وأنا في العاشرة من العمر، أو حولها، اشتريت دفتراً أخضر الغلاف، مربع الصفحات، وقلم رصاص، وشرعت في إعداد كتابي الأول. وبدأت بوضع العنوان. ماذا كان العنوان؟ “مذكراتي”. وفيما أنا أجلس تحت صنوبرة على طريق القرية ذلك الصيف، مرَّ بي أحد الكبار، وسألني ضاحكاً: “ماذا تكتب؟”. ثم تناول الدفتر من يدي وقرأ العنوان. ومضى ضاحكاً. وأدركت أن زمن كتابة المذكرات لم يحن بعد.

هل حان الآن، بعد أكثر من نصف قرن؟ لا. المذكرات تكتب إما لأهمية صاحبها أو لأهمية أحداثها. ولست أدعي الأهميتين. لقد أضعت على الطريق الكثير من الوقت. واعتقدت أن الغد سوف يظل حاضراً في انتظاري. فكنت أحيل كل الأشياء عليه. فإذا بي أفاجأ: شيئان لا ينتظران أحدا عند أي مفترق: الغد والشباب. لكننا نرفض أن نتعلم الدرس إلا بعد وقوعه.

لست أقول إن دوري في الصحافة كان عادياً من قبيل التواضع، الصادق أو الزاعم. وإنما من قبيل الحقيقة وبسبب من طبعي وطبيعتي ونشأتي، لم أطلب دوراً أو مسؤولية، في أي حال. لا في السياسة ولا في الصحافة. وكانت نفسية الشاعر تغلب دائماً عليَّ. وكنت أهرب من المسؤولية لشعوري بأنني لا أريد أن أظلم أحدا، لا العامل ولا صاحب العمل. وعندما بلغت أجمل ما حلمت به في حياتي المهنية، وهو رئاسة تحرير “النهار”، هربت من المسؤولية مرتين. وفي المرة الثانية كنت قد وقعت عقداً قانونياً خطياً. ومع ذلك هربت. وأدى ذلك إلى أطول فترة “زعل” بين غسان تويني وبيني. لقد اعتبر أنني خذلته، بل خدعته عندما أعلنت قبولي.

كانت رئاسة تحرير “النهار”، التي عرضت علي المرة الأولى العام 1982، ثم العام 1988، أفضل ما يمكن من تتويج في هذه المهنة. وكانت “النهار” بالنسبة إلي قصة شغف حقيقي وليست مجرد علاقة مهنية. ففيها عشت أولى مراحل شبابي. وفيها صار لي اسم على الصفحة الأولى. وفي أيامها أحببت وتزوجت وسافرت وحلمت. ولم يكن بين أحلامي أيامها أن أصبح رئيساً للتحرير، إلى جانب غسان تويني، فقد كان يكبرني ويتقدمني كثيرون. ولكن ها هو “الأستاذ” أو “المعلّم” يبلغني أنه اختارني للمهمة، في وقت كانت فيه “النهار” هي صحيفة لبنان. في المرة الأولى تهربت، متذرعاً بعقدي في الكويت. ولم يكن هناك عقد سوى الصداقة. وفي المرة الثانية هربت، دون الجرأة على تقديم أي ذريعة. لم يكن هناك عذر سوى الرفض الداخلي الحميم والصادق من أمرين: الأول، من الصدام أو المواجهة مع الذين يكبرونني في “النهار”، والثاني من تحمل مسؤولية سياسية في مرحلة صعبة من التحولات والخيارات. كانت بيروت مليئة بالمتنازعين والمتقاتلين. وعندما نويت حقا العودة وتنفيذ العقد والوعد اتصلت برجلين أعلمهما بأنني سوف أكون في خطهما وتحت مسؤوليتهما: الرئيسان حسين الحسيني وسليم الحص. وذهبت إلى الرئيس الحسيني، ذلك الصديق الرائع، في فندق “الرويال مونسوو” في باريس، وأبلغته بالاتفاق مع “النهار”. وقلت له: “خوفاً من أن يظن أي فريق أن في استطاعته استمالتي، أريد أن أعود معك على طائرة واحدة، بحيث تكون هويتي معلنة سلفاً”. ورحَّب الرئيس الحسيني بالفكرة. وعرض الرئيس الحص أن يرسل إلي سيارته إلى المطار.

ثم تراجعت. ولست نادماً إلا على شيء واحد فقط: الزعل الذي سببته للأستاذ غسان تويني، والذي لم أكن أعرف يومها مدى عمقه.

{{1960}}

بيروت، في أجمل سنواتها. مدينة صغيرة ذات عطور: في العصر، عطر رائحة البحر الأزرق الناعس. وفي المساء عطر الياسمين. فأمام معظم البيوت البسيطة، كانت هناك حديقة. وفي الحديقة بركة صغيرة. وفيها ياسمينة تعرش على الجدار. وفيها أيضا شجرة برتقال، مزهرة. ولزهر البرتقال عطر آخر. وكانت هناك روائح صناديق العنب والتفاح النازلة من الجبال. وروائح الخريف والربيع. وعطر الهناء والهدوء والسكينة.

تخيل نفسك، في التاسعة عشرة، وبيروت المستقلة في مثل هذا العمر أيضا. مدينة مؤلفة من مجموعة قرى ومجموعة أحلام صغيرة. وأناس يكدّون في سبيل شيء أفضل. والحياة تقدم نفسها لهم على طبق سهل وكريم. القطار الكهربائي (الترام) يحملك من أول بيروت إلى آخرها بخمسة قروش، أو عشرة للوجهاء ومفضلي القش على المقاعد الخشبية. أو على الوقوف في الزحام. وهذا الترام يأخذ الطلاب إلى المدارس وإلى الجامعة الأميركية، ويأخذ العمال والموظفين إلى مراكزهم، ثم يعيدهم إلى بيوتهم. ويتوقف في ساحة البرج، التي يتفرع منها كل شيء. أسواق الثياب وأسواق الخضار. وأسواق اللحم والطيور مثل أسواق الكرخ في عصر هارون الرشيد. وأسواق الحلوى. وأسواق الكتب القديمة والحديثة ودور السينما. والمسارح. ومسرح ذلك المضحك المذهل حسن علاء الدين (شوشو). ومسرح فاروق. وملهى الباريزيانا الذي تتصاعد منه أصوات المطربات غير المشهورات، منذ السادسة مساء حتى آخر الليل وأوئل النهار.

كانت ساحة البرج مثل المصب. فيها مواقف الباصات وسيارات القادمين من الجبل. وفيها الفنادق الصغيرة التي يأتي إليها أهل الأرياف قبل العثور على منزل يستأجرونه. أو يأتي إليها السياح البسطاء القادمين من تركيا وقبرص والبلدان الفقيرة. وفي قلبها كانت السراي. ودائرة الشرطة الرئيسة. وفيها كان مقهى “أبو عفيف” ملتقى القبضايات والوجهاء. ومقهى “الجمهورية” ملتقى العامة. وقرب موقف “الترام” في قلب الساحة، كان باعة الصحف يفرشون، الواحد إلى جانب الآخر، وبالاتفاق والتوافق، مطبوعات الصحافة اللبنانية: اليوميات والأسبوعيات والفنيات والدوريات، وتلك الصحف التي ينادي الباعة عليها أسبوعا ثم تغيب أسابيع. تظهر عند “التيسير”. أو عند توافر كلفة طباعة العدد. فتمدح المتبرع وتنتقد المحجمين وتتوعد. وتعد القراء “بقفزة جديدة” لا تأتي. ثم تغيب غياباً طويلاً. ومن ثم غياباً دائماً.

كل مدينة، أو عاصمة، أو بلدة، أو قرية، في العالم، لها ساحة مركزية، أو رئيسة. “ساحة البرج” لم تكن ساحة. كانت عالماً صغيراً ملوناً متعدداً، متدافعاً، يخرج منه ألف عالم آخر. من هناك تذهب الناس إلى أعمالها. وفي إحدى مداخل الساحة تحول شارع “الطيب المتنبي” من أجمل الشعر إلى مكان لأرذل الأشياء. وعند مدخل آخر “التياترو الكبير” الذي كان مسرح الأربعينيات ثم أصبح داراً للسينما تعرض الأفلام القديمة بأسعار زهيدة. وهذه الأفلام جميعاً كانت تبكي الرومانسيين والرومانسيات من أهالي القرى. وغالباً ما ظن بعضهم أن الممثلين الذين يحبونهم يسكنون خلف الشاشة الفضية. وتروي حنان الشيخ في “حكايتي شرح طويل” أن أمها كانت تهرب إلى دور السينما لتبكي حالها مع أغاني نجاة علي ومحمد عبد الوهاب. أما المغني ملحم بركات فيقول إن والده عندما رزق بابنة سماها “نوال” لشدة ما كان يحب عبد الوهاب وهو يغني “يا نوال فين عيونك” في فيلم “يحيا الحب”.

في هذه الساحة نفسها قامت أعرق المساجد والكاتدرائيات. وقامت المخازن الصغيرة التي لا تتسع لأكثر من بضع علب سجائر. ومن لم يكن يملك ثمن علبة كاملة كان في إمكانه، بكل بساطة، أن يشتري ثلاث سجائر “فلت” بربع ليرة. كل شيء كان ممكنا في ساحة الفقراء والأغنياء هذه. لقد كانت مقر الاعتزاز والتباهي والطرب واللذة والمعرفة. وحتى أوائل الستينيات كانت لا تزال أيضا موقع “القبضايات” الذين شكلوا جزءاً من المشهد الفولكلوري والسياسي، انقرض مع مجيء الحرب وظهور القتل الجماعي. فالقبضاي كان يحمل مسدساً لكنه لم يكن يقتل به. كان يكفي أن يلوح بعصا الخيزران الرفيعة لكي ترتعد فرائص من يريد أن يرعب. أو أن يرفع صوته. أو أن يزيح طربوشه إلى اليسار بعصبية. وكان يرتدي “القمباز” الحريري المذهب وليس البذلة الافرنجية، ويواكبه مواكبون، ويضحك مجالسوه لضحكته أو يغضبون، ويطيبون له عند الضرورة، وإذا طرح سؤالاً أجابوا في صوت واحد أو همهموا محذرِّين متوعِّدين.

مرة واحدة شاهدت “أبو عفيف”، شيخ قبضايات بيروت. وهو مشهد لا ينسى. لكن زمن “أبو عفيف” كريديه كان في بداية الستينيات قد بدأ ينحسر مع انحسار زمن ساحة البرج وطقوسها وأفلام يوسف بك وهبي الذي تزلزل المقاعد وتصفق الأكف وترتج الدار عندما يهتف “إليك عني يا خائنة” أو عندما يطلق ذلك الإفحام الشهير: “شرف البنت يا هانم، زي عود الكبريت، ما يتولعشِ غير مرة واحدة”.

لم يكن للبرج حدود لأنه لم يكن مساحة مستطيلة أو مربعة أو مدورة. كان فسحة وملتقى. أو كما يقول الكاتب نزيه خاطر “البرج، يومها، فسحة حرة للجميع، يختصر مدينة تحلم بالصعود إلى دور عاصمة لوطن فرح باستقلاله، مدينة أخذت ترى كيف أن القاهرة مقيدة وتتطلع إلى عالمية باريس وتسعى لأن تكون مختبراً طليعياً للضمير العربي الحديث. والبرج مكان هذا الفوران لمثقفين يتصرفون كما لو أنهم في حرب”.

حمل “البرج” ومقاهيه أسماء لا نهاية لها من الكتَّاب والرسامين والفنانين. وكان قد حمل من قبل أسماء الصحافيين الذين شنقوا في الساحة عامي 1916 و 1918: فريد الخازن، سعيد عقل، عبد الغني العريسي، محمد محمصاني، عبد الكريم الخليل، الخ! وفي الساحة قامت جريدة “حديقة الأخبار” العام 1858، ثم في العام 1921 أنشأ ميشال زكور صحيفة “المعرض” لتصبح ملتقى أرقى الأقلام. وبعدها توالت الدور على الساحة ومتفرعاتها، والمكتبات الكبرى والصغرى: وكان من ملامح ومعالم الساحة “صيدلية الجميّل الجديدة” التي كان يشغلها صيدلي شاب طويل القامة يدعى بيار الجميل، مؤسس حزب الكتائب، والذي حول الصيدلية إلى ملتقى يجتمع فيه باستمرار تقي الدين الصلح وزهير عسيران وسواهما. ومن هذه الصيدلية خرج الشيخ بيار ورفاقه يتظاهرون ضد الانتداب الفرنسي.

ذلك كان لبنان. وكل لبناني يريد إن يكون كاتباً أو صحافياً. “أنا أكتب، إذن أنا موجود”. وقد حاول احتراف هذه المهنة فقراء لا يملكون شيئاً ورؤساء حكومات يملكون كل شيء، مثل الدكتور عبد الله اليافي الذي وجد أنه لا يستطيع أن ينشئ حزباً ينافس به في نادي رؤساء الوزارات، رجالاً مثل صائب سلام ورشيد كرامي فأنشأ صحيفة “السياسة”. وتعلم درساً آخر: إن الصحافة أكثر صعوبة من العمل السياسي وأكثر كلفة كذلك.

واختلط العمل الصحافي بالعمل السياسي على نحو غير مألوف في أي بلد في العالم. وتنقل رجال مثل غسان تويني وجورج نقاش وعبدالله المشنوق بين الصحافة والنيابة والوزارة. وخاض كثيرون معارك خاسرة لدخول البرلمان.
ينمو لدى الزملاء، عندما يتقدمون في السن، الميل إلى تكبير أدوارهم الصغيرة. فالمراسل الشاب الذي كان يفرح إذا التقى برئيس دولة أو زعيم سياسي وطرح عليه سؤالاً ما، يستعيد تلك المرحلة ليقول لنا ماذا قال هو لذلك الزعيم. وكيف أشار عليه. وبماذا. ويمكن تسمية ذلك “بعقدة هيكل” أو “العقدة الهيكلية”. فقد تأتَّى للأستاذ محمد حسنين هيكل من التجربة ما لم يحدث لسواه، سواء في العالم العربي أو خارجه، إلا في حالات شديدة الندرة. لقد ربطت هيكل بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر صداقة بدأت يوم كان مراسلاً في حرب فلسطين وعبد الناصر ضابطاً في حربها. ومنذ وصول عبد الناصر إلى السلطة حتى وفاته العام 1970، كان هيكل أقرب الناس إليه. ونتج عن ذلك القرب مجموعة شديدة الأهمية من المؤلفات والمذكرات والوثائق التي ذاعت شهرتها حول العالم. ولم تتكرر تلك التجربة بين زعيم وصحافي. لكن عدداً غير قليل من الزملاء والصحافيين عادوا إلى مذكراتهم وكأنهم كانوا شركاء في الأحداث وصانعين لها وكتَّام أسرارها.
في 22 أيلول سبتمبر 2006 كتب الزميل العراقي المقيم في المغرب رمزي صوفية في صحيفة “الأسبوع” الآتي: “لقد سألني الكثيرون من الزملاء في المغرب عن الزميل سمير عطا الله وعن مدى صحة ما يكتبه في زاويته باعتبار أنه يكتب الكثير عن الشخصية الراحلة أو التي لا تزال على قيد الحياة، وعن ذكره لتفاصيل غريبة يكاد لا يصدقها العقل، أو على الأقل يدخلها في خانة المبالغات، سألوني هل يقصد الأستاذ سمير عطاالله من وراء ذلك الظهور بمظهر من زار كل بقاع العالم وفاز بالفوائد الخمس للترحال، وأنه من قرأ كل المطبوعات والكتب المنشورة بكل لغات العالم. فعقبت مؤكداً بل مقسماً بأن كل حرف كتبه الأستاذ سمير عطاالله صحيح وكل خبر أتى به هو مقدر، لأنه تعاطى مع الصحافة بمهارة العالِم وزهد الزاهد، بإخلاص الأب واحترام الابن. وقد ولد كاتباً صحفياً وزار جل مناطق العالم ليطور نفسه ويوسع اطلاعه ككاتب وصحفي وأديب وكقلم نادر الوجود”.

كم أنا مدين لقلم عريق لأنه قرر أن يؤدي القسم عني. لكن على ماذا يجب أن أقسم؟ ماذا حققت؟ ما هو التميز الذي عرفت به؟ من هم أولئك الذين التقيتهم دون سواي؟ ما هو ذلك السبق الصحفي الذي يدرَّس الآن في كليات الإعلام؟ ما هو المقال الذي أسقط حكومة أو جعل أديبا يفوز بجائزة نوبل؟

إنها مسيرة عادية. والذي يرفعها فوق المستوى العادي أن لها علاقة بالناس وأصحاب الأسماء الكبرى. وهذا ما تفعله الصحافة بالنسبة إلى كل من يحترفها: تفتح له أبواب المعروفين والكبار والمحترمين. ومع الوقت يعطيه المشاهير شيئاً من شهرتهم أيضا.

{{بيروت 1960}}

عاش إرنست همنغواي في غرفة صغيرة عتيقة في فندق قديم في شارع “الكاردينال لو موان” في الحي اللاتيني. وكان عليه أن يصعد ثمانية طوابق على قدميه ومعه حملة من الحطب ليصل إلى غرفته. وكان في كل طابق من الفندق حمام واحد يستخدمه النزلاء. وبعد سنوات سوف يتذكر همنغواي سنوات باريس في كتاب بعنوان “مهرجان متنقل”. ويقول إن من أسعده الحظ في أن يعيش في باريس لبعض الوقت، سوف يحملها معه إلى كل مكان يذهب إليه. أن باريس مهرجان متنقل!

مقابل الغرفة العتيقة والفندق البارد العتيق، كانت باريس تقدم ما لا يعطيه سواها. كانت مكتظة بالأدباء والشعراء والصعاليك والمكتبات والفرح المجاني والحرية وأصحاب المواهب وأصحاب الأحلام.

هكذا كانت بيروت، العام 1960 مدينة تقرأ في النهار وتكتب في الليل وتثرثر وتغني في الليل وفي النهار. وكان الفرح فيها مجانياً، أو يكاد. والعصر، أو العقد الذهبي في بداياته، بلا عِقد، وبلا حاسدين وبلا غضب. فيروز في بداياتها. “ومهرجان بعلبك” في أوائله. وعندما تترجل من “الترام” الصغير البطيء عند محطة باب إدريس، قد يطالعك على الرصيف شارل ازنافور أو بريجيت باردو أو أي نجم يسبقه اسمه إلى الأمكنة. ولكن هنا، في باب إدريس، عند “سوق الفرنج”، كنت تراه متمتعاً بالسير وحيداً. إنها مدينة تعرف كيف تدلل وتحتضن. والذين يأتون إليها، يأتون من أجل حكايتها الجميلة، هي والبساطة والبحر، وليس من أجل حكايات شهرتهم.

الأسماء التي أتت، لا نهاية لها. ولا فئة: كما جاءت بريجيت باردو جاءت سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر. وكانت بيروت قد اعتادت غزارة الأسماء ولعبة النجوم لدرجة أن صحيفة “الأوريان لوجور” قررت أن تشرك سارتر في “كذبة نيسان” السنوية، فجعلت عنوانها الرئيس (1965) “سارتر في المبنى غدا لعقد مؤتمر صحافي”. ولم يعترض سارتر. كان يتمتع بمقالب المدينة.

وفي هذه المدينة، بدأت العمل الصحافي. وخلال عام واحد انتقلت من “الأنوار” إلى “النهار” إلى “اليوم”، التي كان يصدرها نقيبـ، الصحافة، وأحد نبلائها الكبار، عفيف الطيبي. كان يكفي أن أسمع ملاحظة حتى أذهب ولا أعود. كنت أعتقد أنه لن يمضي عام أو عامان إلا وأصبح من شعراء الزمان وروائيي العصر، وأن الصحافة مجرد محطة قصيرة وعابرة قبل الشهرة العالمية! وكانت تلك سمة الجهل المطلق والغرور الصبياني المضحك. وكان يرافقها، كما رافق كل شيء آخر في حياتي، حساسية مفرطة وبلا حدود. ولذلك تنقلت في الصحف ذهاباً وإيابا، وكانت سعة الصدر تودعني وسعة الصدر تستقبلني من جديد. وكنت أعتقد أن الشهرة العالمية على الأبواب.

الراتب الشهري الرسمي الأول، كمحرر، كان في “الأنوار”. جئت إلى الزميل العزيز سليم نصار في “دار الصياد”، وقلت له، أريد أن أعمل. توسط لي مع سعيد فريحة. وقال سليم: دعنا نقدم له نموذجاً. خذ هذه الصفحة من جريدة انكليزية وترجمها وعندها نقدمها له.

تركني الزميل الطيب في مكتبه وطلب لي غداء من مقهى الدار، ثم ذهب إلى غداء في الخارج. وعندما عاد وجد أنني ترجمت أضعاف ما طلب. وفي اليوم التالي كنت عند سعيد فريحة. ولم يكن الأمر بسيطاً أو عادياً على الإطلاق. لقد كان سعيد فريحة، بالنسبة إلي، أسطورة من أساطير الصحافة. وها أنذا أمامه، يسألني باسماً: “أين تعلمت الترجمة”.
نزلت من مكتبه في الطابق الرابع لأنضم إلى أكبر أسرة صحافية في لبنان آنذاك. كان سعيد فريحة أول من بنى داراً بالمقاييس الحديثة وخرج بالصحافة من الغرف الضيقة والمكاتب الملاصقة للدكاكين. كانت الصحافة بلا مال وبلا إعلانات وبلا موارد دائمة. وكان توزيعها محدوداً ومقتصراً على لبنان. وأحيانا فقط على بيروت. لكن مع بداية العقد الذهبي سوف يبدأ عصر جديد. الصحف سوف تصبح ذات مدى عربي. والإعلانات سوف تأتي. والصحافة المستمرة سوف تخرج من الأزقة الضيقة إلى الدور.

بنى سعيد فريحة داراً في ضاحية الحازمية، بين الأشجار والبساتين. وجعل في الطابق الأخير منزله العائلي. وفي الأسفل المطابع. وكان يعود من كل رحلة إلى الخارج بفكرة لمشروع جديد. وبعد “الصيَّاد” التي كانت أول مجلة كاريكاتورية مستمرة في لبنان، أسس “الشبكة” كأول مجلة فنية. ثم عاد ذات يوم من القاهرة ومعه فكرة إصدار “الأنوار” على غرار “أخبار اليوم” في مصر. وكان سعيد فريحة هو التوأم الثالث لعلي ومصطفى أمين. تأثر بهما وتأثرا به. وعندما قرر إصدار “الأنوار” اختار أن تكون مختلفة تماماً عن النمط اليومي السائد. “فالنهار” و”الحياة” كانتا من النوع الشديد المحافظة. العنوان الرئيس هادئ ولا إثارة فيه. وكذلك بقية الصفحات. والمقالات خالية من الغضب. وكانت جريدة “الجريدة” لا تزال أيضا في الصف الأول، يزين صفحتها الأولى مقال يومي ممتع لرشدي المعلوف تحت عنوان “مختصر مفيد.”

نشرت في مجلة “المجلة” في 20-1-2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق