ســيلفي جرمــان: لا نكتــب إلا لأن آخريــن كتبــوا قبلنــا / اسكندر حبش

 

«العالم من دونكما»، العنوان الجديد للكاتبة والروائية الفرنسية سيلفي جرمان الصادر حديثاً عن منشورات «ألبان ميشال» في العاصمة الفرنسية، وهو كتاب، ولد من رحلة قامت بها مؤخراً في «القطار السيبيري»، انطلاقاً من فرنسا وصولاً إلى آخر الأراضي الروسية. بيد أن الكتاب لا يتطرق إلى الرحلة فقط، بل تستعيد فيه سيرة والدتها التي غيبها الموت قبل فترة وجيزة من هذه الرحلة، لتضيف إليه نصاً آخر، كانت كتبته بعيد رحيل والدها منذ سنوات، ليشكل النصان، قراءة مميزة في معنى الغياب والموت والحضور أيضاً.

رحلة، تستعيد فيها أيضاً مقاطع من كتاب قاموا بهذه الرحلة قبلها، إذ أن مسار هذا القطار، شكل بالنسبة إلى العديد من كتاب العالم، موضعاً أدبياً فريداً، فمن ينسى قصيدة الشاعر الفرنسي – السويسري، بليز ساندرار الفريدة «نثر القطار السيبيري» التي كتبها في بداية القرن العشرين، والتي لا تزال حاضرة لغاية اليوم، في تاريخ الأدب العالمي.

حول هذا الكتاب، التقت صحيفة «لونوفيل أوبسرفاتور» الكاتبة، التي أجرت معها حديثاً مطولاً، نقتطف منه هذه المقاطع التي تتعلق بفكرة الموت والكتابة.

حين صعدت إلى متن القطار السيبيري، بالضبط بعد وفاة والدتك، هل كنت تتوقعين أن تكتبي نصاً تحتل فيه، هذه المرأة التي كانت غادرت لتوها، مكاناً كبيرا إلى هذا الحدّ؟ أم أن الأمر فرض نفسه عليك، طيلة الرحلة التي أوصلتك إلى فلاديفوستوك؟

أبدا، لم أكن أتوقع بتاتاً أن أستدعي أمي في هذا النص، وبخاصة أنه لم تكن لها أي علاقة مع سيبيريا. ومن النادر جدا أن أدخل عناصر شخصية في كتاباتي، والأندر أيضا أن استعمل صيغة «الأنا». بيد أن هذه المرة، فرض ذلك نفسه عليّ – لا كبداهة فقط، بل كحاجة ملحة – طالما أن هذا الحزن الطازج ما زال يسكنني، محتلاً أفكاري باستمرار، وأحيانا كان يصعد لغاية أن يصبح مسنوناً، وباقي الوقت يبقى مخفياً.

تقولين في إحدى جملك الموجهة إلى والدتك: «سيبيريا، بلد لم تذهبي إليه أبداً ولم يكن يثير فيك أيّ رغبة. (…) سيبيريا – بلد جئت إليه أخيراً إذ طالما كان يلاحقني». يفرض الموت حضور والدتك في مكان كانت غريبة عنه كما أنه شوّش رؤيتك للمنطقة التي كنت تصبين إليها، منذ زمن طويل لكي تكتشفيها. ومع ذلك، ما من تمرّد على ذلك، ما من تحفظات تنبثق من النص. إنه نص مكثف، مشدود، ثقيل أحياناً، لكن ثمة انسيابية وقبولاً بالأمر ينطلقان منه في النهاية. تنسج الكلمات نفسها على طول مسار السكة الحديد حيث تحتفظين برتابة خطها أكثر من الانقطاعات العائدة لتوقف القطار: «يترنح القطار بهدوء وهو يكرّ سبحة غنائه الرتيب، المتساوية، المعادلة دائماً لإيقاعه ولدهشته». هل عشت الأمر بهذه الطريقة؟ أم أنك أحسست بتشوش مستمرّ، بعاصفة داخلية كنت تشعرين معهما، كلّما تقدم القطار، بتناقض مع هذه الأرض المسمرة تحت الجليد والثلج؟

أيّ شعور كان يمكن أن أحس به فعلاً، تجاه ماذا أو تجاه من؟ من العبث أن نبرهن عن شعور ضد حدث الموت الفج – ليس الموت «شخصاً» محدداً، شخصاً يضجركم، إنه ليس أبداً «شخصاً»، لا شيء، إنه بطلان؛ تماماً كما لو أننا نصارع الريح.

تضعين «الرتابة» في مواجهة «الانقطاع والتشوش»، ومن النظرة الأولى يبدو ذلك عبارة عن كلمات متناقضة. لكن، ولغرابة الأمر، عشت رتابة سير القطار – رتابة المناظر الطبيعية التي كانت متشابهة لساعات، وحتى لأيام – بمثابة سيرورة اضطراب خفية، خفية ولكن مؤثرة أيضاً. يمكن للتكرار أيضاً أن يثير اهتزازاً عميقاً، أعاصير كما التوقفات المفاجئة في الرؤية وفي التفكير.

الحزن والرجاء

تقولين «إن نحوّل ثقل الحزن إلى رجاء»، هل يملك السفر هذه السلطة؟ أم أن ذلك يأتي لاحقاً، حين نكتب النص؟ هل تحريك الجسد في الفضاء، الدخول إلى زمن آخر، وبخاصة عبر القطار، كما اللقاءات العابرة التي تتحدثين عنها قليلا، هل يمكن لذلك كله أن يمس القلب مثلما يمس الجسد؟

أي تحوّل مماثل لا يأتي بسرعة، لا يأتي عبر زمن رحلة فقط حتى وإن كانت طويلة وبطيئة، بل إنه يتطلب وقتاً أكبر بكثير – شهوراً أو سنوات، وأحياناً حياة بأسرها.

أما فيما يخصّ مسألة أننا في القطار، وأننا محمولون بهذا الانسياب المستمر، المشوب بسديم خفيف وببعض التوقفات، فإنه يشعرني بالانسيابية تقريباً، كما لو أن الجسد يصبح أكثر مسامية لأمواج الوقت الذي يمضي، كما أن ذلك يشعرني أيضاً بانعتاق وبهوات داخلية. إن الكتابة، التي ترتفع من دينامية السفر، تسمح لنا بتعميق هذه الأحاسيس، بأن نتبع خيوط (على الأقل بعضاً منها) المفككة، المهدبة.

أما اللقاءات مع المسافرين الآخرين، كما بالطبع مع أشخاص آخرين فيما بعد، فهي تمارس تأثيراً ما بالطبع، كل لقاء بطريقته الخاصة، وعلى مستويات مختلفة وعلى فترات طويلة نسبياً ومتباعدة.

هل للكلمات أيضاً هذه السلطة في «تحويل تثقل الحزن إلى رجاء»؟ إذ أنك تعطينها مكانة سامية، حين تحللين جميع المقاطع الصوتية لكلمة التايغا، وتسلسل أسماء الشعوب التي اجتازت سيبيريا، كما المدن التي اجتزتها. نشعر بأن رنين الكلمات تثقب صمت الأرض السيبيرية، وبشكل أقسى، أراضي الموت: إنها أساليب بشرية للمعرفة والمعرفة الذات. هل للكلمات أي سلطة على الموت؟

تملك الكلمات كل السلطات ولا تملك أيضاً أي سلطة، وسلطتها كلها تكمن تحديداً في لا سلطتها. أو أيضاً، يمكن لنا أن نحدّد بأن «سلطة» الكلمات ليست وفق نظام السلطة بل وفق سلطة الممكن.

ما من كلمة مناسبة قط لوصف ولاحتواء ما أصابنا للتوّ وشوشنا من الأعماق، أكان من جانب الفرح أم من جانب الحزن، من جانب الألم أم من جانب المتعة، لكن الكلمات كلها، من الأكثر عامية إلى الأكثر ندرة، تعطينا إمكانية أن «نعني»، على الأقل، شيئاً نحس به؛ بهذه الطريقة فهي تساعدنا على إعطاء معنى، اتجاهاً، تخطيطاً لهذه القوى الصامتة – (المريبة أحياناً بكثافتها) – التي ترهقنا.

ولكن كلمات الآخرين حاضرة أيضاً في كتابك. يأتي الأمر بمثابة رحلة في الفضاء الأدبي (ماندلشتام، باسترناك، آخماتوفا، تسيلان، ساندرار) كما هي رحلة في الجغرافيا. في أيّ حال هذا ما نجده في غالبية نصوصك، حتى الروائية (كما في «ماغنوس»). لِمَ تستشهدين بكتاب آخرين، لِمَ تنسحبين إلى الخلف، لماذا لا تقدمين تحية فقط بل تضعين حضور هؤلاء الكتاب الآخرين؟ إذ كما لو أن كلماتك الخاصة، جملك الخاصة، ترسم كلمات الآخرين في حركة من التفاخر، صدى آتياً من أعماق تجربتك الخاصة، حواراً فيما وراء الزمن، عبر الكلمات والكتب؟؟

لماذا أستشهد (بالآخرين)؟ للمتعة! لأني أجد، هنا وهناك، جملاً، أبياتاً، مكتوبة من قبل روائيين وشعراء، يتراءى لي أنهم عبروا جيداً، بصوابية كبيرة، وبروعة أحياناً، عما كنت أبحث عن قوله. لذلك، انمحي، قليلا، خلفهم، كي أفسح لهم في المجال، لتشريفهم. بيد أن ذلك لا يمنعني من القول، بل على العكس، نجد أن كلمتي تستعيد لاحقاً ثقلها واندفاعها على كلمات الآخرين المعجب بها.

لا نكتب إلا لأن آخرين كتبوا قبلنا، إننا موجودون دائماً في حركة واسعة بدأت منذ قرون، منذ آلاف السنين.. نكتب دائماً في حوار وصدى ونداء (مع الآخرين).

لَمَعَانات مدهشة

من هو سيرج ويلينز؟ تفردين مكانة خاصة لاثنتين من قصائده اللتين تستشهدين بهما في بداية الكتاب ونهايته. يخبرنا موقع «ويكيبيديا» بأنه توفي قبل رحيل أمك بفترة قليلة، في «لاروشيل» حيث كنت تعيشين؟ وبأنه أيضاً كان رحالة كبيراً.

حالفني حظ كبير بلقاء سيرج ويلينز في «لا روشيل»، حيث كان يملك مكتبة للكتب الدينية، مع زوجته آني، وهي كاتبة بدورها. أصبحنا أصدقاء. كان رجلا رائعا، مليئا بالكآبة والمرح في الوقت عينه، كان متوقد الذكاء وطاهراً، ذا نظرة وابتسامة لامعتين. كان شعره، الذي يفرد اهتماما وانتباها كبيرا للأشياء البسيطة، يقدم إلينا لمعانات مدهشة.

«يئن العالم من حوار الطرشان المستمر والمتبادل بين الأحياء والأموات. نادرون هم الذين يملكون سمعاً مرهفاً كي يشعروا بالأصوات الهاربة وبالصوت الواضح كي يستمعوا لصوت الأموات»، هذا ما تكتبينه. هل هناك لغة تسمح لنا بمتابعة الحوار ما بعد الموت؟

ليست هناك لغة خاصة «تسمح لنا بمتابعة الحوار ما بعد الموت». يمكن للكلمات اليومية أن تقوم بالأمر، والصمت بدوره يمكنه ذلك. بخاصة الصمت. لا يمكن «للحوار» بين الأحياء والأموات إلا أن يكون صامتا، وعاريا أيضا، هي كلمات تزهر بالصمت، محاطة بالصمت. إنه توازن غير ثابت، علينا أن نعيد تشييده بدون توقف، ما بين جهد الانتباه الداخلي وبين إهمال هذا المجهول المفتوح على الاندثار(…).

ثمة أصداء في النص المكتوب بعد موت والدتك مباشرة مع بعض المقاطع التي كتبتها بعد موت والدك. تصفين والدك بأنه كان «ممرر طفولة وذاكرة، ممرر كلمات ونظرات»، من هنا، فإن هذا الكتاب، هذا القبر الذي شيدته لوالديك يبدو بخاصة كتاب ذاكرة، هل تضطلعين بمكانك في سلسلة الانتــقال هذه: بم تشعـرين بأنك ممررة؟

إننا ممررون كلنا: واقع أن نتحدث فقط يشكل حدثاً انتقالياً، نمرر الكلمات، نجعل اللغة تحيا. تقوي الكتابة هذا الفعل الانتقالي والحيي للغة المعجونة بالذاكرة. حين نكتب، فإننا نزرع عناصر من ذاكرتنا الخاصة فوق ذاكرة اللغة.

في هذا الكتاب، «العالم من دونكم»، ثمة مقاطع حضور عن والديّ (بما كان يشكل بالنسبة إلي حضورهم في العالم) كما ثمة شذرات من امتناني لهما. لكي أترك أثراً مقروءاً بشكل أكبر، أكثر ديمومة، لمرورهما على الأرض.

 

عن ملحق السفير الثقافي – جريدة السفير البيروتية 22/4/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق