سفاح القربى في الدّراسات الانتروبولوجيّة

{{أنظمة المصاهرة الزّواجيّة :}}

لدى الجماعات في مجتمعاتنا الحديثة نزعة إلى التواري خلف الأفراد. أمّا المجتمعات التقليديّة فهي محكومة بواسطة قانون ذي اتجاه مختلف،(1) إذ أنّ الزّواج عندها هو عبارة عن مصاهرة بين الجماعات في المقام الأوّل.
إنّ الهيبة التي تمنح للجماعات هي من الأسباب التي تفسّر تحريم سفاح القربى، ومع ذلك فإذا كان هذا التحريم كونيّا، فإنّ الكثير من أنظمة التبادل التي ينبغي لها ضبط دراسة النّماذج البشريّة تحقّق ذلك.

{{أ ـ تحريم سفاح القربى:}}

تُحرّم العلاقات السّفاحيّة في كلّ المجتمعات وهي ظاهرة بذلت الكثير من النّظريّات جهدا لتأويلها.

{{ـ الدّافع إلى سّفاح القربى: }}

طيلة العقود الماضيّة وقع حظر عديد المحرّمات القديمة في مجتمعاتنا الحديثة. إلاّ أنّه على ما يبدوـ ما زال هناك احترام لمحرّم سفاح القربى(2) وذلك من خلال بنائه على أساس القوانين “الطبيعيّة” والبيولوجيّة، فالعلاقة بين الأقرباء قد تكون مخالفة للطّبيعة، والأطفال المولودون من هذه الزّيجات هم عرضة لعاهات وراثيّة. ومع ذلك فالعديد من البراهين قد تبدو مُظهرة لعكس العلاقات السّفاحيّة التي تتطابق مع رغبة طبيعيّة. ويؤكّد مثال “أزندي” أنّ الرغبة في المرأة تبدأ من الأخت” وهو يعرّفنا بالنصّ الشهير حيْث أدرجت “مارغريت ميد” شهادة لأحد “الأرابش”Arapesh (المحيط الهادي):” أتريد الزّواج بأختك؟ ولكن ما الذي يدفعك إلى ذلك؟ ألا ترغب في أن يكون لك أصهار؟ ألا تعرف أنّك إذا تزوّجت أخت رجل آخر وأنّ رجلا آخر يتزوّج أختك سيكون لك على الأقلّ صهران؟ في حين لو تزوّجتَ أختك سوف لن يحصل لك ذلك إطلاقا. ومع من ستذهب للصيد؟ ومع من ستقوم بزراعاتك؟ ومن سيزورك؟”. إنّ الدّرس واضح، إذْ ينبغي عليه أن يتخلّى عن الزّواج بأخته لأسباب تتعلّق بالنّظام الاجتماعي والاقتصادي. لقد حدس”بليتارك” Plutarque) ) ذلك و هو يعالج مسألة الزّواج عند الرّومان رغم أنّه كان يعبّر بطريقة بدائيّة ويتوقّع فرضيّات أخرى قائلا: “لماذا لا يتزوّجون نساء من أقارب لهم؟ فهل يرغبون من خلال الزواج في مضاعفة علاقات القرابة عندهم واحتضان عدد من الأسر، وذلك بتقديم النّساء لرجال آخرين وأخذ نسائهم منهم”.(3)

ويبدو علم النّفس التحليلي في نظريّة عقدة أوديب مؤكّدا أنّ الدّافع السّفاحيّ هو”الطبيعيّ” وليس تحريمه. وأنّ منعه وإن لم يكن طبيعيّا فهو لا يؤدّي إلى ضرر. وكيْ يقع الانفتاح على العالم فإنّ الطفل ينبغي عليه أن يتحرّر من الدّائرة الأسريّة مثلما أمره الكتاب المقدّس:”ستترك أباك وأمّك”. فهل سيتحوّل هذا التفسير إلى مستوى الفئات الاجتماعيّة؟ إنّ نظريّة ك. ليفي شتراوس تلمع إلى ذلك.

{{ ـ تأويلات تحريم سِفاح القربى:}}

تتراوح أهمّ النظريات بين قطبيْن: فهي ترجع التحريم إلى الأسباب المادّية أو إلى أثر الضوابط الاجتماعية الموجودة في الواقع، والتي تأسّست على الحاجة إلى التبادل كما يرى ذلك ك. ليفي ـ شتراوس. ويعتقد م.قولدييM.Goldier في الوقت الحالي أنّ التحريم يستند بشكل متلازم على هذين التأويـليْن.

أماّ بالنسبة إلى ر.فوكس (4) R.Fox فإنّ تحريم السّفاح هو ثمرة التطوّر والانتقاء الطبيعي. فزيجات ذوي القرابة الدّمويّة مضرّة من الناحيّة البيولوجية. ولتجنبها فإنّ الأنواع الحيوانيّة القريبة من الإنسان تلجأ إلى الاختلاط أو إلى التنافس بين الأجيال المفضي إلى إبعاد الكائنات الفتيّة خارج المجموعة. ولكن مع توصّل المجتمعات البشريّة الأولى إلى تشكيل مجموعات أسرية قارّة نسبيّا فإنّ توظيف هذه الوسائل بدا موحيًا بالخطورة اعتبارا إلى أنّ هذه المجموعات كانت في حاجة إلى التعايش فيما بينها. فكان من الواجب اختلاق تحريم السّفاح الذي كان يمنع زيجات ذوي القرابة الدّمويّة وينظّم التنافس بين الأفراد. أمّا المجتمعات البشريّة الّتي لم تتبنّ هذا الحلّ فإنّها قد أُقصيت من خلال الانتقاء الطّبيعي.

إنّ نظرية ك. ليفي ـ شتراوس مقبولة عموما في الوقت الحالي فهي تركّز على عوامل من نظام آخر. فعند هذا الكاتب لا شيء يبرهن أنّ زيجات ذوي القرابة الدمويّة ستكون ضارّة من النّاحيّة البيولوجية آجلا أم عاجلا،(5) فقد لاحظ في البداية أنّ الإنسان منذ نهاية العصر الحجريّ القديم استعمل في بعض حالات زراعة النباتات وتدجين الحيوانات أساليب لاستنساخ مولودات من تزاوج لُحمي(6) endogamiques قد أثبتت جدواها. فلماذا خلص إلى نتائج معاكسة على المستوى البيولوجي المحض في ما يخص تناسله هو؟ ومن جهة أخرى لاحظ ليفي ستروس أنّ إقرار حرمة سفاح القربى عامة من قبل البيولوجيا لم يظهر إلاّ في القرن السادس عشر. وهذا التفسير لا يمكن أن يكون أساس الحجج التي قادت المجتمعات البشريّة الأولى لتحريم سفاح القربى إطلاقا. وفضلا عن ذلك فإذا كان صحيحا أنّ زيجات ذوي القرابة الدمويّة ترفع من نسبة خطورة الإصابة بالعاهات الخلقيّة على المدى القصير فإنّها لا تمثّل إلاّ خطرا ظرفيّا. إذ أنّها تتلاشى في خضمّ تتالي الأجيال. وزيادة على ذلك ففي المجتمعات ذات الحجم الصّغير ليس لتحريم الزّيجات بين الأقارب إلاّ تأثير محدود على مستوى تناقل العاهات الخلقيّة. ففي كثافة سكّانية مكوّنة من ثمانين فردا لا يقلّل منع الزواج بين الأقارب في الأسرة من عدد الحاملين لميزات خلقيّة نادرة إلاّ بنسبة تتراوح من 10 إلى 15 بالمائة. إنّ ك.ليفي شتراوس ينقد بشكل محدّد تفاسير تحريم السفاح المرتكزة على مبرّرات جنسيّة إذ أنّ عامل العيش معا قد يقلّلٌ من بداية الانفعال الجنسي وهي ملحوظة قد تكون على صواب، ولكنّها تقدّم لنا دليلا على خلط بين التعوّد القائم بين أفراد مرتبطين جنسيّا(زوج وزوجته) وبين الأقارب. ذلك أنّ ما بين الأقارب لا يمكن أن يكون تأقلما جنسيّا بما أنّ العلاقات الجنسيّة من حيث المبدأ ممنوعة فعلا. ومن جهة أخرى فإنّ بعض الشّعوب( مثل التشوكتش في صربيا) تمارس أشكالا من الزواج يتمّ فيها تزويج الأطفال ولو كانوا صغارا، ثم يقع تربيتهم معا وهذا لا يمنعهم إطلاقا من الارتباط جنسيّا وإنجاب الأبناء عندما يكبرون. وفي الختام لاحظ ك.ليفي شتراوس أنّه إذا كان “رعب سفاح القربى” يرتكز على دوافع فيزيولوجيّة أو بسيكولوجيّة راسخة بعمق في الطبيعة البشريّة، فإنّه قد نفهم خطأ لماذا أقرّت كلّ المجتمعات البشريّة المعروفة وبدرجات متفاوتة ضرورة تحريمه، إذ لن نأتمن على أنفسنا إلاّ عندما نخشى ممّا يفاجئنا. إنّ العوامل الاجتماعية عند ك. ليفي شتراوس هي التي تفسّر بشكل أساسي تحريم السّفاح فيقع منع الزواج من القريبات ويُسمح بتقديمهن للزواج (7) إلى مجموعات أسريّة أخرى، حيث تتقبّل هذه المجموعات بدورها زوجات منها. إنّ هذا التبادل الزّيـجي (الزّواجي) l’échange matrimonial له تكلفة فرديّة، إذْ على كلّ فرد أن يسمح بـ”التخلّي” عن زوجة ممكنة له من قريباته. ولكنّه يحصل على فائدة جماعيّة، فدون هذه المبادلات قد تعيش هذه الفئات منطويّة على نفسها وهو ما يعدم الحياة في المجتمع. إنّ التبادل الزّيجي ينشيء المجتمع. وإضافة إلى ذلك فقد يُفاقم هذا الانطواء العلاقات العدائيّة بين المجموعات. فحينما تفتقد إحدى هذه المجموعات النّساء فإنّه لا يمكن لها إلّا اللجوء إلى الحرب كي تأخذهنّ من المجموعة المجاورة. إنّ البرهان الذي ينقض هذه الآلية(الحرب) يقدّمه لنا دائما التبادل الزيجي الذي يصلح لوضع حدّ للصراع ويعلن عن انتهائه.

فالميلانيزيون les Mélanésiens يقولون “لا تُسبى امرأة إلاّ من هؤلاء الذين تُشنّ عليهم الحرب”، ولعلّ ملوكنا الأوروبيّين قد فعلوا ذلك عدّة مرّات. وهكذا يرى كلود ليفي شتراوس Levi-Strauss أنّ تحريم سفاح القربى هو أحد المظاهر الأكثر بداهة للتّغيّيرات التي تحدثها الثقافة في الطّبيعة فــــ” جذور تحريم السّفاح ليست ثقافيّة خالصة ولاهي طبيعيّة خالصة، فهي ليست جرعة من العناصر المركّبة تُقدّم بشكل جزئيّ إلى الطبيعة وإلى الثقافة. إنّها تمثّل المسار الأساسي الذي بواسطته وبفضله وفيه، يتحقّق العبور من الطبيعة إلى الثقافة، وبعبارة موجزة فهي تنتمي إلى الطبيعة لأنّها حالة عامّة من الثقافة، ونتيجة لذلك لا ينبغي الاندهاش من رؤيتها تأخذ من الطّبيعة سمتها الّرسميّة أيْ الكونيّة. ولكن بعبارة موجزة أيضا إنّها الثقافة تتصرّف وتفرض نظامها داخل الظواهر التي لا تعتمد بتاتا عليها منذ البداية.” (8)

أما نظرية م.قولديي M.Goldier فتقف بدورها على نفس المسافة بين النّظريات السّابقة، فهي لا ترفض تأويل ليفي ـ شتراوس Levi-Strauss إلاّ أنّها تتفق معها بإعادة إدراج العوامل البيولوجيّة.(9) ويذكّر الكاتب بأنّه لا الأسرة ولا المجتمع مخصوصان بالإنسان فحسب، فبعض فصائل الحيوان تعرف أيضا هذه الأشكال من الوجود (الشمبانزي تعيش في شكل جماعات مؤلّفة من عائلات). وخلافا لذلك فبفضل الإنسان وقع إيجاد علاقات القرابة والعلاقات الأكثر تعقيدا بين الأسر، ذلك أنّ علاقات القرابة الإنسانيّة هيّ علاقات اجتماعية أكثر من كونها علاقات بيولوجيّة (إذ يمكن أن نكون أولياء لأفراد ليس لنا معهم صلات بيولوجيّة)، كما يمكن لها أن تمتدّ بعيدا في المكان وكذلك في الزّمان. ومن المحتمل أنّ هذه العلاقات كانت قد نشأت مع اكتشاف معنى السلطة الأبويّة، وبشكل أقلّ بداهة من التناسل الأمومي (فبعض المجتمعات البشريّة لا تقيم صلة بين العلاقات الجنسيّة والتناسل إذ يعتقدون أنّ النسوة لا يلدن إلاّ بواسطة القوى الغيبيّة). وفي كل الحالات فإنّ تحريم سفاح القربى أسهم في ذلك. ولكنّ التحريم بالنسبة إلى م. قودليي M.Goldier يرتكز على عوامل بيولوجيّة، فالأنثى البشريّة جذّابة جنسيّا بشكل شبه دائم (عكس الأنثى الحيوانيّة)، ومن ناحيّة أخرى فالبشر يدركون سنّ البلوغ متأخرين ويتعايشون في نفس الأسرة مع أفراد من مختلف الأجيال قادرين على ربط علاقات جنسيّة. إنّ التقاء هذين العامليْن كان قادرا على تدمير المجتمع، وذلك بزيادة التنافس بين أفراده، لذا وقع اختلاق تحريم سفاح القربى لإنقاذ هذا المجتمع. ومنذ ذلك الحين ظهرت روابط البنوّة والتصاهر وتعقّدت، ذلك أنّ منع اتخاذ أحد الأقارب زوجا يؤدّي إلى ضرورة تحديد المماثل ـ المحرّم ـ والمختلف ـ الشرعي من خلال التقاء مبادئ المصاهرة والتناسل. في هذا السّياق يكون تحريم سفاح القربى إجابة عن التغيّيرات البيولوجيّة وهي إجابة تؤسّس للتبادل باعتبارها صيغة من الانتظام السوسيو ـ عائلي. وفي الختام يلحّ قودليي Goldier بوضوح على أنّه حتى وإن قدّست المجتمعات البشريّة هيمنة الرجل على المرأة، فإنّ هذه الهيمنة ليست محايثة للقرابة الإنسانيّة التي تكتفي بتنظيم بنية التبادل. إنّ مصدر الهيْمنة الُّذكوريّة يوجد ضمن مجال آخر: في العوامل الاقتصادية والسيّاسيّة والفكرية التي”تطبع” ـ بالمعنى الفوتوغرافي للعبارة ـ علاقات القرابة.
ولعلّه بدراسة مختلف نظم التبادل الزّواجي التي تُجيز تحريم سفاح القربى هو ما ينبغي علينا الآن الشروع فيه.

{{ب ـ أنظمة التبادل الزّواجي:}}

يمكن التمييز فيها بين أنظمة ثلاثة: الأنظمة الأوليّة التي يُحّرم فيها عدد معيّن من الأقارب، وتشرّع لمن لهم الأولويّة في الزواج. ثم الأنظمة شبه المعقّدة التي تسنّ موانع الزّواج على أصناف كبرى من الأقارب وليس على أفراد محدّدين من حيث الجذور. والأنظمة المعقّدة التي تمنع الزّواج ضمن دائرة الأقارب دون تحديد واضح لاختيار الشّريك. إنّ الأنظمة المعقّدة هي التي تسم مجتمعاتنا الحديثة حيث يمنع قانون الزواج كلّ زواج يُعتبرسفاح قربى، لكن دون إجبار أحد على ذلك، مانحا للأفراد حريّة شبه تامّة للاختيار. وحينئذ ينبغي الاحتراس من كلّ تأويل تطوّريّ فإذا ما غيّرت مجتمعاتنا على المستوى السوسيوـ اقتصادي المحرّمات وإملاءات الأنظمة الأوليّة، وبدت حينئذ محرّرة للفرد من كلّ الضغوطات، فإنها لم تقم إلاّ بتعويض المقتضيات الجينالوجيّة(الأنساب)بالضرورات الاجتماعيّة.(10) فالمجتمعات التقليديّة يمكن أن تكون لها أنظمة معقّدة : إذ يكفي لإحداها أن تفرض الزواج خارج العشيرة دون أن تحدّد قرينا معيّنا. ومع ذلك فإنّ الأنظمة الأوّليّة هي الأكثر انتشارا في المجتمعات التقليديّة وحولها إذن ينبغي أن نركّز اهتمامنا.(11) فهي تمارس صنفيْن من التبادل : المحدود والمعمّم.

{{ الطرق الأوليّة للتبادل المحدود:}}

[* (أنظر أسفل النص: الرسم رقم1)*]
إن التبادل المحدود يقع عندما تباشر مجموعتان مقايضة للنساء وهو في الحقيقة تبادل بالشّقيقات، إذ تتخلّى مجموعة من الرّجال عن شقيقاتهم لفائدة مجموعة أخرى تهب بدورها الشقيقات في إطار المقايضة. إنّ هذا الصنف من التبادل يسمّى تحديدا “كارييرا” Kariera) عن عبارة للمجتمعات الأستراليّة حيث وقع وصفها بشكل واضح لأوّل مرّة) فهو يُمارس عموما من طرف المجتمعات التي يقال عنها “ثنائيّة” والتي توزّع أفرادها إلى نصفيْن متزوّجيْن زواجا خارجيّا وموحّدي النّسب. وهو نظام يعطي قيمة للجيل اللاّحق لتبادل الزّيجات بين أبناء العمّ المتقاطعين، ذلك أنّ هؤلاء هم أبناء الرّجال الذين قاموا بمبادلة شقيقاتهم ومنعوا الزّواج بين أبناء العمّ المباشرين.(12)

{{ ـ الأنظمة الأوّلية للتبادل المعمّم:}}

خلافا للتبادل المحدود المباشر، فإنّ التبادل المعمّم لا يعني تبادلا فوريا ضمن سلسلة انتقال الأزواج، فهو يسمح نظريّا بإشراك عدد غير محدّد من الأزواج كما تبيّنه الجداول اللاّحقة: (13)
وضمن هذا النّظام ليس نسب واهبي الزّوجة هو نفس نسب آخذيها إطلاقا، فكلّ فرد هو واهب للنسوة وآخذها في آن. فالمجموعة الواهبة لا تتقبّل إطلاقا ومباشرة أعضاء جددا محتفى بهم، ولكن تتقبل من مجموعة تقع على الطرف المقابل لها من سلسلة المبادلات.
لوحة للتبادل المعمّم. [*(أنظر أسفل النص: الرسم رقم2 )*]

اتجاه ملكيّة الزوجات. [*(أنظر أسفل النص: الرسم رقم3)*]

إنّ هذا النّظام الأقلّ تحقّقا من التبادل المحدود هو أكثر انفتاحا أيضا ويمكنه السّماح للتّمايز الاجتماعي والسيّاسي والاقتصادي بالظهور، وهو ما يعبّر عنه مثال “الكاتشين” Katchin (برمانيا).(14)
[*(أنظر أسفل النص:الرسم رقم 4)*]

في هذا المجتمع يتجه كل نسب من الفئات الثلاث الأساسيّة إلى عدم إنتاج زيجات إلاّ من صلبه. ومع ذلك فداخل كلّ فئة تتصاهر بعض الأنساب مع أنساب أخرى تنتمي إلى مجموعة أقلّ شأنا منها. إنّ المصلحة المتبادلة بديهيّة. ففي تبادل النّساء اللاّئي يقع التخلّي عنهنّ لفائدة أنساب متواضعة لها رغبة في الحصول على زوجات من رتبة أرفع تحصل الأنساب الشريفة على تعويضات زيجيّة تكون أهميّتها متناسبة مع مرتبة الّزّوجة. وكذلك فإنّ قسما من النّساء يطوف حول نفسه نحو الأسفل في حين أنّ مدّا معاكسا من الثراء يصعد نحو الأعلى نحو الأسياد الذين ينظمّون إليْهم وذلك قبل إعادة توزيعهم في محيطهم في شكل احتفالات أو أغذية.

إنّ التبادل المعمّم يمكن إذن أن يكوّن التمايز الموجود في المجتمعات التي تنزع نحو الانقسام السّوسيوـ الاقتصادي والسيّاسي ويدعمه. فهو أكثر تواترا في الأنظمة المعقّدة حيث تُمنع بعض الارتباطات الزوجيّة شأن القانون الوضعي الفرنسي لكن لا شيء مفروض مؤسساتيّا.

إنّ هذه المعالجة السّريعة لأنظمة التّصاهر تؤكّد لنا مدى الانجازات التّي كانت المجتمعات التقليديّة قادرة عليها. وفي الحقيقة إذا ما قارنّاها بنظام القرابة لديْنا فإنّنا لا يمكن إلاّ أن نصطدم بفقره المعنوي الذي يوحي به.(15)

ومع ذلك فلا ينبغي لنا أن نستنتج من هذه البيانات أنّ الممارسات تطابق آليّا القواعد : فعند الأستراليين حيث التنظيم الأسري مثاليّ ومصطنع تُعقد الكثير من الزّيجات من خلال خرق القواعد، وعند البوروم Purum( الهند) تطابق نسبة 62 بالمائة من الزيجات فحسب القواعد، وعند العرب فإن الزّواج المرجعي بين أبناء العمّ الموازين للنسب الأبوي لا يمثّل إلاّ نسبة 30 بالمائة تقريبا من الحالات. إنّ توفّر هذه الهوامش المرتفعة نسبيّا يبيّن أنّه ليس العوامل الماديّة فحسب هي المحدّدة، كما أنّ القرابة لا تستطيع أنّ تدعي أنّها هي التي تحدّد بنفسها المجتمع برمّته. إذ ينبغي لها أن تتلاقى مع قوى أخرى (اقتصاديّة، سيّاسيّة، دينيّة، إلخ…)والتي لا تخضع دوما لتوجّهها. وعلى النّحو ذاته نلاحظ أنّ المجموعة العائليّة مهما كانت قويّة فإنّها تسمح دوما للأسرة الزّوجيّة القيام بدور ما في صلبها.

{{نوربار رولان: الانثروبولوجيا القانونيّة:
ص:237 ـ 245.
Norbert Rouland : Anthropologie juridique
P:237- 245.

سفاح القربى inceste : اعتمدنا في الترجمة على معجم الاثنولوجيا والانتروبولوجيا لمصباح الصمد : من تأليف بيار بونت وميشال ايزار وآخرون. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع “مجد”. بيروت ـ لبنان.}}

{{الهوامش:}}

1 ـ كذلك هل من الممكن التمييز بين الفئات في المجتمعات الحديثة فالقرويون مارسوا لعهد طويل زيجات كان فيها الاتفاق بين المجموعات العائليّة حاسما ففي القرن التاسع عشر لم تجد الطبقة الاجتماعيّة لأرباب الصّناعة تماسكها من خلال المبادلات والمساهمات الماليّة والصّناعيّة فحسب بل ومن خلال تبادل الزّيجات أيضا، فجذور العائلات الكبرى المهيمنة تثبت ذلك بوضوح.

2 ـ حول دلالة الإصرار على تحريم سفاح القربى في مجتمعاتنا الحديثة انظر أسفله ص 238.

3 ـ بليتارك ,مسائل رومانيّة .Plutarque, Quaestiones Romanae,108,Mor,289d.e

4 ـ انظر ر.فوكس انتروبولوجيا القرابة.باريس. غاليمارد,1972,ص.66 ـ68. Cf. R.Fox, Anthropologie de la parenté ,Paris ,Gallimard,1972,p.66-68.

5 ـ انظر كلود ليفي شتراوس : البنى الأوّلية للقرابة ,باريس ,موتون,1967,ص.5ـ29.Cf. C .Levi Strauss, les structures élémentaires de la parenté, Paris, Mouton,1967,p.5-29.

6 ـ انظر أعلاه .ص 140.

7 ـ قلّما نرى في مجتمعاتنا شابّا قد اتّجه لطلب يد خطيبته من صهره المستقبلي الذي يهبها له : إنّ العبارات لها دلالة.

8 ـ كلود ليفي شتراوس. ص 28 ـ 29.

9 ـ انظر أعلاه في الهامش ص 236. م.قولديي: M.Goldier ,Inceste : l’interdit original, Propos recueillis par G.Plessis – Pasternak, Le Monde 26 août 1987,p.12

10 ـ سنرى ذلك ( انظر أسفله ص 237) أنّ الحريّة في المدى البعيد محدودة جدّا في الواقع، فنحن لا نقترن على المستوى الإحصائي والاجتماعي إلاّ بأصناف معيّنة من الزّوجات.

11 ـ سنقدّم بعض التدقيقات حول الأنظمة شبه المعقّدة في إطار دراسة القرابة الإفريقيّة.( انظر أسفله 173).

12 ـ انظر أعلاه 136.

13 ـ مقتطفات من ف. زوناباند F . Zonabend مرجع مذكور ص.39ـ 40. De la famille) ).

14 ـ مقتطف من ف. زونابند F. Zonabendمرجع مذكور ص 40.

15 ـ ومع ذلك يمكن الافتراض أنّ مجتمعاتنا الغربيّة قد كانت منذ القديم أكثر تجدّدا. وهو ما يقدّمه نصّ للقديس أوغسطين حول عادات الزّواج عند الرّومان في العهود الغابرة حيث كان هؤلاء يمارسون الزواج التفاضلي بين أبناء العمّ المتقاطعين.(أوغسطين .مدينة اللّه ,478, 66ـ 75). ولتفاصيل أعمق حول التحليل الاثنولوجي لهذا النصّ انظر ب.مورو P.Moreau و بليتارك Plutarque و أوغسطين Augustin و ليفي شتراوس: lévi-Strauss تحريم سفاح القربى والزّواج التفاضلي في روما البدائيّة. المجلّة البلجيكيّة للفيلولوجيا والتاّاريخ.LVI-I (1978),ص 41 ـ 54.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق