سفر الخروج

التأريخ والجغرافيا في العراق أكبر من كلّ المقولات الأخرى، فهما أكبر من التيارات والأيدلوجيات والفلسفات وأوسع وأوعى. ومعظم التيّارات الداخلة والأيدلوجيات تتهاوى أو تغيّر مسارها، أو يكون العنف (التعبير الدموي للصراع) هو الوسيلة التي تعيد التوازنات وتنظم الأحقيّات، بعد أن يحصد هذا العنف الكثير من أبناء هذا البلد، ويشكّل كمّا لا بأس به من النتوءات والجيوب والمسالك وفقا لمنطق هذا الصراع وإفرازا له. وتكون الغلبة دائما لحسابات التاريخ، إلا في فترات النقاهة بعد الصراعات الدموية أو استراحات المحاربين، حيث تكون الصورة لبعض الوقت، لواقع فاسد أو دخيل أو مستورد.

ومن الداخلين إلى العراق (العمائم ) بكلّ ما تمثّله من نمط ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ، وبكلّ ما تحمله من وصايا ورسالات وطموحات، وكانت من الداخلين المثيرين للجدل والحفيظة والمستفزّين الدائمين للتاريخ والمحفّزين للجغرافيا مدّا وجزرا. وكثيرا ما استهوت هذه الأرض أصحاب العمائم، وظنوا بها وبأهلها خيرا، واستسهلوا دخولها وحسبوها لجّة، وحسبوا التبشير بها أيسر من الفتح في غيرها، وكان الطريق صعبا وشاقّا للغاية، وهكذا صعب عليهم الخروج، فمنهم من لم يخرج ومنهم من خرج بلا عمامة ومنهم من غيّر عمامته بعد الخروج ((حتى أنّ الملك فيصل الأول ملك العراق دخل العراق بالكوفية والعقال وخرج منه بالقلنسوة ويسمّيها العراقيون الفيصلية نسبة إليه حينما أراد أن يتجنّب سيّئات العمائم وايحاءاتها)). كما أنها دفعت ثمنا باهظا لتذكرة الدخول. ولازال المجتمع العراقي يدفع ذلك الثمن الباهظ أيضا من دمه ودم أفراده كلّما عّن لإحدى هذه العمائم أن تنشط لفترة من الوقت، وسواء كانت هذه العمامة حيّة قائمة أو كانت ميّتة راقدة، فإنّ أقوالها حيّة وإيحاءاتها وهي راقدة تحرّك الجدل والسجال من جديد فتلتهم من القرابين البشرية ما لم تلتهمه الحروب الضروس.

وطريقها في العراق واستقرارها فيه غير ذلك الذي ترسمه الفضائيات، وتتولى كبره الدوائر الثقافية للمحتل. حيث العمائم تسرح وتمرح في أروقة البرلمان وفي الوزارات والمفاصل المهمة بالدولة، وحيث الشوارع والساحات العامّة مطرزة بصور الشهداء والقديسين من أصحاب العمائم، كما أنّ هذه الصورة المرسومة والمروّج لها بعناية، إنما تأخذ طريقها في الوجدان،عندما تكون العمامة مظلة للبداوة وشرعنة لها تنقل نظمها وتقليعاتها إلى حيز متحضّر نوعا ما ثمّ تأتي العمامة مرّة أخرى لتستظلّ بها في حركة سجالية طالما تكرّرت في التاريخ وفسّرت جدلية الارتباط بينهما.

وهذا الرواج الكثيف للعمامة (وخاصة العمامة الشيعية) هو من قبيل الرواج السياسي، وردّ فعل دعائيّ وإعلاميّ على حصول الفئة المهمّشة على الحرية والسلطة، على افتراض أنّ النظام القديم كان سنّيا ومقفلا على هذه السنّية ومحتويا لها بالكامل، على مستوى الهوية والممارسة التعبدية (رغم أن النظام القديم حمل العمامة في أواخر سنيه ونفخ فيها من روحه فأسقطته في طروحاتها البدائية وأسقطها هو كذلك في انتكاساته)، حيث لا سبيل لإعلان هوية هؤلاء المضطهدين إلا عبر هذه الصورة الرمزية (العمامة).
وروّج لهذا الحضور كذلك فشل الولايات المتحدة الأمريكية في إيجاد مبرّر قانونيّ وأخلاقيّ لعملية احتلال العراق، فاستعانت بهذه الصورة واعتمدتها كإنجاز حضاريّ وتاريخيّ متحقّق من الاحتلال أو هدف له .

والحقيقة أنّ حشر العمامة وما ترمز إليه في العراق كتاريخ أو كجغرافيا هو حشر سياسيّ أعمى، وإنّ وجودها ليس بتلك اللازمة الضرورية، بل ربما كانت على العكس؛ تخدم حالة الفوضى وعدم الوضوح وتضفي على الأحداث طابعا دراميا متميّزا.
ومن مجموع الشهداء الذين سقطوا في العراق في السنوات التي تلت إسقاط النظام بعد 2003، نجد أن المعمّمين من شتى التيارات يشكّلون النسبة الأكبر من الضحايا. وأنّ التفجيرات التي تطال المناطق المدنية إنما تستهدف الرمز الديني في تلك المنطقة، أو تستهدف الامتداد الجغرافي والتاريخي للعمامة، ناهيك عن التفجيرات التي تستهدف دور العبادة مباشرة والتي تكون فيها الضربة للعمامة القائمة. وأن الذي يستهدفهم (وهذا من سخريات القدر)عمامة أيضا تريد أن تخلو الساحة من عمامات منافسة.

فنحن إذن أمام وهم تاريخي لم يتأكّد إلى الآن أنّه وهم. كما لم نستطع أن نتحرر منه ولم تستطع حتى العمائم أن تقي نفسها شرّ هذا الوهم، وقد ذهبت جميعها ضحية محاولتها نشر المبادئ التي تحملها وتبشر بها، وذهبت أيضا ضحية هذا الوهم. لذلك نجد في العراق كثرة المراقد والعتبات وأضرحة الشهداء والتي تحمل جميعها طابعا دينيا.

وأمام فشل العمائم ترويج الفكرة كاملة والسيطرة بها على الناس واستلام السلطة عبرها، قامت مقولة ((يا أهل العراق يا أهل الشرك والنفاق )) المشهورة جدا والمنسوبة إلى علي بن أبي طالب، في تبرير أخلاقيّ وإيمانيّ للأزمة، والتي تفسّر إلى حدّ ما عملية الفهم المضادّ لكلّ التيارات الموجودة، وكالعادة فإنّ نعوت (الكفر والنفاق )من الأسلحة المفضّلة في المعركة.

لم يدخل العراق تيّار فرض نفسه دون أن تبدي الثقافة العراقية ـ المتنوعة والمتراكمة والمترسبة من مجموع الحضارات التي قامت فيه ـ رأيها في هذا الداخل وتؤثر عليه، فالعراق بلد ينتج الأديان والتيارات ولا تنتجه مهما كانت سعتها، لأنها تضيع في مساحاته المعرفية الواسعة.

فاليهود كتبوا التلمود والتعاليم اليهودية في فترة الأسر البابلي. والكثير ممّا استقرّ في الديانة اليهودية والذي يعبّر عن حالة متقدّمة في الفكر الديني، كان من نتاج تلك الفترة أو متأثرا بما عايشوه في تلك الفترة. والمسيحية وجدت نفسها بعيدة عن اليهودية والبيئة اليهودية الحاضنة لها عند التأسيس، ووجدت نفسها تنفرد بلغة هي السريانية امتزجت مع العقيدة بشكل عضويّ، وهو ما باعدها كثيرا عن الملل المسيحية التي انتشرت في أماكن أخرى، ورسخ لفكرة الثنوية في المسيحية وهي الفكرة انفردت بها المسيحية في العراق متأثرة بذلك بالديانات الشرقية القديمة مثل الزرادشتية،(على أنّ هذا الوضع أصبح الآن من الماضي بعد أن تأثر مسيحيو الشرق بطروحات الغرب).

أما المسلمون فقد واجهوا تحديا كبيرا وخطيرا في العراق أثّر في البنية والتركيبة العقائدية التي حملوها، وأفقدتهم جغرافيا العراق البشرية والثقافية النوعية بعضا من السيطرة على المتغيرات السريعة والجوهرية في البنية، كما أقحمتهم في نظم اجتماعية وسياسية لا عهد لهم بها، وزاد من حرج الموقف، أنّهم دخلوا فاتحين ومهيمنين، لم يأتوا مثل اليهود أسرى الملك نبوخذ نصر ولا مثل المسيحيين مبشّرين ودعاة سلام. ممّا فرض على الفاتحين بهذه الصفة الإجابة على تساؤلات كثيرة وإيجاد الحلول لمعضلات حضارية، خلقت فجوات كثيرة بدأت مع الانتشار الإسلامي تتوسع، ردمتها التيارات والفلسفات الموجودة التي لم تتجانس فيما يبدو، وأخذت منحى آخر، فبدأت أول فصول الصراع.

واجه الإسلام عملية كشف حساب لاختبار النظريات والمثل المطروحة على أيدي الخوارج، الذين طرحوا فكرة الخلود في النار لمرتكب الكبيرة مع وجود الإيمان الذي أصبح مظلة نظرية تقبع تحتها زمر من البرجوازية والانتهازية التي أوصلها المدّ المفاجئ للجاه والسلطان.

وواجه عملية (علمنة) سريعة ومبكرة على أيدي المعتزلة، الذين طرحوا بكثافة فكرة العدل وأوجبوها، في مسعى كبير لسيادة القانون وتحديد الحقوق، كما واجه عملية (لبرلة) نسبة إلى الليبرالية هي الأولى في التاريخ عندما طرح المعتزلة فكرة الحرية والتأكيد على مسئولية الفرد عن أفعاله باعتباره خالقا لها، في فصل واضح بين ما هو غيبيّ وما هو بشريّ يخضع للإجراءات القانونية، وفي نسف واضح كذلك لجهود البعض ممن يستظلون بالحق الإلهي لاغتصاب السلطة، أو أولئك الذين يريدون ترحيل ملفات الظلم والتعسف إلى السماء وإبقاء الأمور معلقة لتمرير الوقت.

كما واجه عملية ارتدادية لانتقال الدولة من طابعها المدني الذي أخذ يتشكّل إلى نموذج ملكيّ كسروي وراثي عبر طرح مفهوم الوصاية والنيابة عن النبي، وساهمت تيارات وافدة من فارس في إذكاء هذه النعرة واللعب على هذا الوتر، وقد ترسخ فيما بعد هذا الترتيب.

لقد خرج الإسلام من مكة والمدينة دينا واحدا وطريقة واحدة ونمطا واحدا، ليصل إلى العراق شكلين وأربع طرق وعشرة أنماط. سنّة وشيعة وخوارج ومعتزلة، ثم لتتشظّى القائمة من الشيعة إلى زيدية وإسماعيلية واثنا عشرية ومن الخوارج إباضية وأزارقة. وعقائديا ذهبت السنّة إلى أشعرية وماتريدية .

وخرج الإسلام من مكة والمدينة عبارة عن نصوص حكيمة من قرآن وسنّة واجتهادات صحابة منقولة شفاها وعلى الثقة، ليقنّن في العراق ويدوّ{ن وتستحدث بقية العلوم لتشرح هذه النصوص بدءا من قواعد النحو العربي إلى مباحث الفلك، مع إيجاد أرضية فلسفية جدلية مستحدثة بالكامل لحماية العقيدة من الاختراق، وتعزيز المناعة الفكرية وسدّ الثغرات التي تركت مفتوحة في مجتمعاته الأولى التي كانت فيما يبدو غير معنيّة ولا متوقّعة لهذا الامتداد .

لذلك فإنّ الدين في العراق ليس هو الدين في مكّة والمدينة، ومتعلقاته البيئية المترابطة معه في مكة والمدينة تخلّت عنه في العراق قسرا وليس عن اختيار. وإن عادت إليه في السنوات الأخيرة مع طغيان التفسير السلفي للإسلام والذي وجد له تربة خصبة مع طغيان المد العربي وطرح النموذج العربي البدوي بكثافة في العراق.

ومن هنا فإنّ محاولة إقحام نماذج دينية في العراق تفصّل الحياة على مقاس قديم لمجتمع أحادي التوجه والقومية والمعرفة، تبدو محاولة قسرية، وإن مكّنت لها الظروف الشاذّة لتعيش بعضا من الوقت، كما أنّ شدّ العراق بجانبه السنّي إلى محور وهّابيّ صحراويّ، ومحاولة استنساخ النموذج الإيرانيّ الباطنيّ الكهنوتيّ لجانبه الشيعيّ، تبدو عملية ساذجة ومهينة للعراقيين ولتاريخهم، وتثير تقزّز الكثير ممّن عرفوا العراق وتاريخه وحدّدوا إمكانياته وموارده البشرية. ثم إنها عملية الرجوع بالبشرية إلى عهد ما قبل المنطق .

هذا ما يجعل المجتمع العراقي أكثر ميلا إلى النسق الحياتي العملي منه إلى الرؤية الغيبة للأمور والتعاطي معها، وبشيء من التوسّع في الآمال والخيالات يمكننا القول، إنّه إلى العلمانية أقرب منه إلى الثيوقراطية التي لم تنجح فيه على مرّ التاريخ إلا في حالات كانت السيادة فيها للجنون وليس للمنطق، مما سهّل فكرة الفصل الدقيق بين المفاهيم والحدود، وأنزل الكثير من المفاهيم من حيز السماء إلى أن تصبح أرضية وتخضع لبرنامج الجدوى وإمكانية التعديل والمواءمة.

فهل نستطيع القول إنّها أوّل محاولة في تاريخ الإسلام للفصل بين الغيبيّ والحياتيّ، أو أوّل مبادرة علمانية (إذا جاز لنا أن نستخدم هذا المصطلح) من نوعها، وإذا كان لنا ذلك فنستطيع نسبة ذلك إلى المعتزلة الذين ذهبوا بعيدا في تأطيرها وتقنينها واعتمادها معرفيا. ونستطيع القول إنها محاولة باكرة جدا لسبب أو لآخر، وقد انتشرت أقوالهم بسرعة في العراق، لأنها أجابت عن تساؤلات الرعيّة في معاني العدل والحرية وتنزيه الذات الإلهية التي استنجد بها الظالمون لترحيل ملفات الحقوق والعسف والجور .

وما سهّل رواج هذه الفكرة ولْنُسمِّها (العلمانية)، هو استعداد الناس للمقارنة بين الأفكار واستعدادها لتقبل الأصلح دون النظر إلى الضغوط الاجتماعية الأخرى التي تعيق التطوّر. كما أنّ الفكرة راقت للخلفاء العباسيين ذوي التوجّه المدنيّ والعلميّ، وخاصة المأمون الذي ساند طروحاتهم ورأى فيهم أو عن طريقهم إزالة الفكر الثيوقراطي الذي لبسه العلويون لإزاحته عن الخلافة. إلى أن تم القضاء عليهم على أيدي الواثق الذي احتاج إلى جرعات دينية يستر بها عوراته ويشرعن بها نفسه ويجدّد بها عهده، وكان الفريق المعارض الجاهز والمعبّأ هم الحنابلة (الأرثوذكس الإسلامي ) مما مهّد لعودة العمامة من جديد.

العلمانية تعني فيما تعني تحييد الدين وإبعاده عن الحياة السياسية قدر الإمكان، وخاصة تأثيراته السلبية المربكة للإبداع والاجتهاد الشخصيّ، وإيجاد أطر ومحددات اجتماعية وسياسية جديدة نابعة من الواقع ومتحللة من سلطان الفكر التاريخي والرأي المسبق.
بهذا المعنى كانت العلمانية سريعة الظهور في المجتمعات الدينية (الإسلامية منها خاصة) كما كانت سريعة الظهور في ديانات أخرى كالمسيحية مثلا، حيث مثل (بولس الرسول) خطّا علمانيا مبكّرا كذلك في المسيحية، سرعان ما طغت عليه المظاهر الغنوصية وغطته الروحانية ليصبح هو وتعاليمه جزءا من المسيحية، وضاعت آثارها في زخم الاضطهاد الكثيف للمسيحية زمن بولس الرسول.

لسنا في معرض الحديث عن استعراض مبادئ المعتزلة وأفكارها الكثيرة الصالحة للبعث مرة أخرى، وأردنا أن نستشهد بهم في استعراض مسيرة التقبّل الديني في العراق والتعامل مع الفكر المعمّم، فهناك أفكار أخرى لهم حريّة بأن نجري دراسة خاصة بها تفيد الموضوع ذاته، فعندهم مسألة التحسين والتقبيح اللتين طرحهما المعتزلة لاعتماد أسس حسّية معقولة للحكم على الأشياء تناقض تماما مسألة التقولب في الماضي الذي نشهده الآن، والذي عطّل لدينا كلّ الملكات حتّى الحواسّ الخمس .

على ضوء هذه الأرضية الفكرية والحضارية في العراق، لا تجد العمامة من يرحّب بها رغم المظاهر المعلنة للتبنّي والاتخاذ، والعراقي (غير الوافد) لا يلبس العمامة إلا مدفوعا لها أو ليعبر جسرا مخصصا لعبور المعممين. ولم يترسّب من إفرازات الفكر المعمّم في العراق شيء يتجذر في هذه الأرض، لأنّ العمائم كانت تأتي العراق بمجرّد العمامة، فما أن يطاح بها حتى تذهب ويذهب أثرها، بخلاف التيارات التي وفدت وكان معها متعلقاتها، ونؤكد القول مرّة أخرى إن ما طفا على السطح في السنين الأخيرة من سيادة المظاهر التي تمتّ إلى العمامة أو تنطلق منها، نابع من سيناريو سياسي مطلوب يقتضي رواج مثل هذه المظاهر، كما يغذّيه عامل آخر ينشط فترة ويخبو فترة أخرى حسب حالة البلد السياسية والاقتصادية، وهو الجهل؛ لا بمعناه المهني أي عدم القدرة على القراءة والكتابة، إنما بالمعنى الاستيعابي له، فما هو رائج الآن من حجاب كثيف وتدين وتنسك ولا يقابله انجاز على المستوى السلوكي والإنتاجي والمعرفي يغذيه الجهل أكثر من الرغبة في التدين، وهو عدم قدرة الأفراد على التواصل مع الأفكار والتيارات الحديثة السائدة. وإن هذه المعرفة محجوبة بحاجات أهّم منها الفقر والبطالة وتدني الاهتمام الاجتماعي بمواضيع تعد من قبيل الترف.

لقد كان لتدني مستويات التعليم وضعف المشاركة الاجتماعية للمرأة خاصة، وتوجه الدولة المحموم بعد أن طرحت برنامجها الإسلامي لمنافسة البرامج الدينية المعارضة والتي تتسابق معها في أسلمة الحياة كطريق للشرعنة وإثبات الإيمان. وللإبقاء على حالة الخدر والسكون الذي يعطيه مثل هذا التوجه أمام معضلات حياتية واجتماعية كبيرة. دورا أساسيا في سيادة هذه المظاهر السلوكية المتضخمة.

في العصر الحديث كانت التيارات والأحزاب والأيدلوجيات التي تظهر في العالم سرعان ما تجد صدى لها وقبولا في العراق على اختلاف انتماءاته. فقد ظهرت الشيوعية في العراق في وقت مبكّر بعد سنوات قلائل من قيام الثورة البلشفية، وامتد هشيمها بين الطلبة والشباب والطبقة المثقفة. وظهر الفكر القومي باكرا في العراق ووجد له أرضية خصبة، وبدأت حركة التحديث في العراق بمجرد أن سادت العالم موجة التواصل، يضاف إلى كل هذا ما في العراق من تنوّع عرقيّ ودينيّ يمنعه أن يكون تحت وصاية فكر أحادي يقصي الآخر ثم لا يقدم شيئا بديلا، بعد سقوط النظام في العراق مباشرة خرجت دعوات من شخصيات عراقية بارزة تنادي باعتماد العلمانية كنظام سياسي في العراق، وكانت هذه الدعوى لسان حال أغلب العراقيين إلا أنها لم تجد آذانا صاغية من قبل الحكام الجدد، لأنها رأت أن الوقت لم يحن بعد لهذه الوصفة المترفة، وأنه يجب أن يكون هناك وقت كاف لعمائم محتقنة تريد أن تحكم، وبدون أن تحكم فلن يتسنى للعالم والشعب استهلاك، كما انه يجب أن يجرب العالم حلوى العمائم هذه المرة. وربما كان من اقترح هذا على حقّ فقد شهدنا أخيرا تذمّرا واضحا لدى الشعب من العمامة.

فبلد مثل العراق أكبر من أن تحكمه العمائم أو توجّه مصيره أو تسرق تاريخه وجغرافيته وامتداده الحضاري، وهو قادر أن ينهض من جديد، ويقوم بدوره مجددا في ترويض التيارات الوافدة إليه، داخل أراضيه على الأقل، وسوف يزيل كل هذا الركام المتخلف من هذه المعركة الطويلة والنتوءات الشاذة في الفكر الإنساني. أو يذهب هذه المرة إلى فكر جديد ….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق