سقطات غربية / ياسر عبدالعزيز

احتجبت الصحف، وتوقفت محطات التليفزيون والإذاعة عن البث، ولم تجر مواقع الإنترنت الفورية أى تحديث لأخبارها، فيما تظاهر آلاف الصحفيين والإعلاميين والناشطين السياسيين، احتجاجاً على صدور قانون يقيد حرية الصحافة، ويمنعها من نشر أى معلومات تأتى من مصادر نتجت عن عمليات تنصت خلال تحقيقات قضائية. إنه استهداف خطير لحرية الصحافة، ومحاولة لحماية رئيس الوزراء وبعض المسؤولين الفاسدين، الذين بدأت مصالحهم تتضرر، جراء نشر تسجيلات وأفلام فيديو توضح تورطهم فى أعمال غير مشروعة، بعد تسريبها إلى الإعلام من مصادر أمنية وقضائية.

حدث ذلك، أمس الأول الجمعة، ولم يكن فى عالمنا العربى أو إحدى دول العالم الثالث، بل فى إيطاليا.. إحدى دول أوروبا، والعضو فى مجموعتى الثمانى الكبار والعشرين، والدولة القطب فى الغرب.. الذى زادت سقطاته الأخلاقية حيال حرية التعبير، فى الآونة الأخيرة.

قبل ذلك بيوم واحد كانت هناك سقطة أخلاقية أخرى، جاءت تلك المرة من المملكة المتحدة، موطن الحريات والديمقراطية العريقة؛ فقد نشرت السفيرة البريطانية لدى لبنان فرنسيس جاى مقالاً على مدونتها، تشيد فيه بمناقب المرجع الشيعى العلامة حسين فضل الله، الذى غيبه الموت الأسبوع الماضى، تاركاً ميراثاً من التوافق والاعتدال والسمعة الحسنة بين أوساط عديدة، لكن الخارجية البريطانية، التى تُبث المدونة على موقعها، لم تحتمل وجود مثل هذا المقال، فسارعت إلى حذفه.

لم يكن هذا كل ما فجره غياب فضل الله؛ إذ يبدو أن الأثر الذى تركه الرجل فى محيطه كان عميقاً، بحيث ألهم أنصاره التسامح والاعتدال، بقدر ما ألهم مناوئيه التغول والاستبداد. فلم تكد الإعلامية الأمريكية من أصل لبنانى «أوكتافيا نصر»، محررة شؤون الشرق الأوسط فى شبكة «سى.إن.إن» الشهيرة، ترثى الرجل، فى رسالة بثتها على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر»، حتى تلقت جزاءها، وفُصلت من عملها.

تبرر «سى.إن.إن» قرارها بفصل «نصر»، التى خدمت المحطة على مدى عقدين، بأن ما أقدمت عليه حين عبّرت عن احترامها لفضل الله، «لا يتفق مع المعايير التحريرية للشبكة»، بل تأسف لـ«أى إزعاج سببته الرسالة»، متجاهلة أن المعايير التحريرية للشبكة يجب ألا تسرى على حياة العاملين الشخصية، ولا على آرائهم السياسية والاجتماعية، طالما أنهم يعبرون عنها بشكل شخصى، وبعيداً عن العمل، ولا ينسبونها للمحطة أو لصفاتهم الوظيفية.

لم تُقِم «سى.إن.إن» وزناً لسنوات الخدمة الطويلة التى أمضتها «نصر» فيها، ولا لبرنامجها المميز «أصوات عربية»، والأهم من هذا كله أنها لم تقم وزناً لحرية التعبير، ولا لحقوق العامل، ولا لمنظومة القيم التى تعلقها على كل جدار فى المبنى الذى تشغله.

لا يبدو أن حرية التعبير، التى صدعت وسائل الإعلام الغربية رؤوسنا بها طويلاً، قادرة دوماً على أن تتقبل رأياً مناوئاً لإسرائيل، أو تحمى صاحب رأى قرر أن يغرد خارج السرب، وينطق غير الكلمات والعبارات المحفوظة ذاتها عن «شر فى الشرق يطارد خيراً فى الغرب»، وعن «الحرية والحداثة فى مواجهة التخلف والإرهاب».

حدث هذا أيضاً مع المراسلة الأقدم فى البيت الأبيض هيلين توماس، حين تجرأت تلك الصحفية ذات الـ ٨٩ سنة، وردت على سؤال عن الأوضاع فى فلسطين، بدعوة اليهود إلى ترك البلد لأهله والعودة إلى البلدان التى أتوا منها.

فُتحت النيران على المراسلة العجوز ذات الأصل اللبنانى، وتضامنت جمعيات مهنية وسياسية فى حملة شعواء عليها، ووُصمت بأبشع الصفات العنصرية، وطالب صحفيون وسياسيون بطردها من عملها، حتى اضطرت إلى الاعتذار والتراجع، وهو الأمر الذى لم يشفع لها، فأعلنت تقاعدها، ليكون يوم الاثنين الماضى آخر يوم تجلس فيه على مقعدها المختار، فى الصف الأول، أمام الرئيس أو الناطق باسمه، منذ عهد الرئيس الأسبق جون كينيدى.

كان قرار المجلس الأعلى للإعلام السمعى والبصرى الفرنسى قاسياً وغير عادل بحق قناة «المنار»، حين أوقف بثها على القمر الاصطناعى الأوروبى «هوتبيرد»، بدعوى أنها تشجع على «العنف والكراهية والإرهاب». وكذلك كان مشروع القانون الذى أقره مجلس النواب الأمريكى نهاية العام الماضى، بأغلبية ساحقة، والذى يهدد بفرض عقوبات على مشغلى الأقمار الاصطناعية فى الشرق الأوسط، إذا سمحوا لقنوات تحض على «الكراهية والعنصرية واستخدام العنف» ببث ذلك النوع من المحتوى.

لكن هذين القرارين كانا صادرين عن دولتين، يمكن تفهم الاعتبارات السياسية التى تحكم عملية صناعة القرار فيهما، وطبيعة الضغوط والمؤثرات التى يواجهها صانع القرار خلالها، خصوصاً فى أجواء وتفاعلات ما حصل منذ ١١ سبتمبر وغزو العراق وأفغانستان، أما ما جرى بحق جاى، وتوماس، ونصر، والحريات الصحفية فى إيطاليا، فإنه أمر يتعلق بقدرة تلك المجتمعات على تقبل فكرة حرية التعبير وصيانتها، مهما تناقضت مع رؤى الأغلبية الكمية أو الكيفية.

ظل الغرب لعقود طويلة يلهم أغلب أبناء تلك المنطقة بما يجب أن ينزعوا نحوه فى مجال الحريات العامة، وفى القلب منها حرية التعبير، وهو اليوم، بدوله وحكوماته ونخبه، يخرج من سقطة ليقع فى أخرى، بحيث لم يعد قادراً على إلهامنا إلا بأننا قادرون على التفوق عليه.. على الأقل أخلاقياً.

 

عن جريدة المصري اليوم 11/7/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق