سقط الطاغية … فأين “المقاومة”؟ / وضاح شرارة

أوقع انهيار “جماهيرية” معمر القذافي بعد نحو خمسة أشهر من قتال مركب اختلط فيه المقاتلون الليبيون، المرتجلون والمتفرقون أهواء ومصادر ومصالح، بقوات الأطلسي الجوية واستخبارييها الأرضيين ومموليها الخليجيين وبـ”قوات” الإعلام المتلفز واليقظ شطراً من الآراء العربية “العامة”، ومذاهبها وتياراتها، في حيرة تتفاوت شدتها بين قطاع رأي وآخر. فلم يشك بعض الشطر هذا في أن جموع الليبيين، من نفوسة غرباً إلى بنغازي شرقاً وبينهما مدن الشمال النفطية، لم تكن إلا وقود حرب “الأطلسي”، الأميركي ولم لا الإسرائيلي من وراء الستارة، على جزء من الوطن العربي أو جزء من المسلمين وأمتهم. وذلك تمهيداً لاستكمال نهب ثروات الشعب المنكوب، وزعزعة هويته. وعليه، فحال الأمة في أفغانستان وعلى الحدود الأفغانية الباكستانية وفي العراق وفلسطين ولبنان وسوريا، والخليج أو ضفته الغربية، واحدة. وتدعو إلى المقاومة والممانعة والتصدي للاستعمار في حلله المتجددة.

ولا يحمل هذا الرأي أصحابه على تخفيف حكمهم في معمر القذافي، أو على التردد في نعته بالطغيان والانحراف والتبديد والجنون والإجرام. وبعضهم يمزج هذا كله بعمالته للأميركيين وتآمره وإياهم ومشورتهم. فينتهي أصحاب الرأي المترجح، وهو رأيان متفرقان، إلى حال يرثى لها (إذا كان ثمة من في وسعه أن يرثي): فالسلطان الذي يستحق ألف مرة أن يُطاح إنما يطيحه من تحوم عليهم ألف شبهة، ليست أولاها قاعديته البن لادنية ولا الأخيرة أطلسيته المعيبة والفاضحة. وهذا دور يدور ولا يُخرج منه. والحق أن أصحاب هذا الترجح يستطيبون الدوران في حلقة الزار هذه. ولهم أجران عظيمان على بكاء مزدوج: واحدٍ يندب الاستبداد ولعنته وتناسله، وآخر يسيل دماً على هجنة الأمة المخدوعة والمغدورة من بيت ابيها وعترتها.

وما كان كامناً في الموقف من الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية العربية سوغت له الحركة الليبية المتعثرة والمترجحة في أعقاب نيف وأربعين سنة من مساعي نفي الليبيين من ليبيا، وإخراجهم وطردهم منها مادياً ومعنوياً (على وصف أحمد ابراهيم الفقيه النفَّاذ، في “الحياة” اللندنية، 22 آب الجاري) الظهور إلى العلانية قبل أن يفتضح مع الحركة السورية. فتصفيق بعض ضباط الباسدران، وحجج المعممين على منبر جامعة طهران، المعتدل والموارب للحركة المصرية (وهم لم ينتبهوا للحوادث التونسية البعيدة والراطنة بلغة وطنية ومدنية) دعاهم إليه إسقاطُ الحركة طغياناً داخلياً متعسفاً وثقيلاً يرتدي حلة جغرافية استراتيجية “أميركية”، أو غربية، ومناوئة حكماً للسياسة الإيرانية العسكرية والإيديولوجية المذهبية والتوسعية. وزعمت دعاوة الضباط والمعممين بإيران، و(بعض) لبنان والعراق وسوريا (حيث الضباط والأهل آيات وألوية معاً)، أن السبب في الخروج على الوالي الظالم ليس ظلمه وفساده واستبداده بالأمر و”الحال” وحده وقهره “الرعية” وإذلالها، بل مسايرته بعض السياسات الخارجية الفظة، وتصديه لمطامع إقليمية (إيرانية) تفوق فظاظتها فظاظة السياسات الأميركية؛ وتورث اقتتالاً مدمراً لا تُرى خاتمته.

وتذرعت السياسة الايرانية الحرسية والمذهبية بالوجه الثاني الذي سماه متظاهرو ساحة التحرير بالقاهرة “كره الاميركان” (في هتاف أول هو “لا مبارك ولا سليمان/ احنا كرهنا الاميركان”) إلى غمط الوجه الأول والبارز الذي عاد إليه المتظاهرون المصريون، وصدروه حركتهم، وسموه “إسقاط الطغيان” (ولخصه هتاف نسخ السابق “لا مبارك ولا سليمان/ يسقط يسقط الطغيان”). ويندرج التذرع في صنيع سياسي لا يمت الى التحري عن حقيقة الحركة المدنية الديموقراطية والوطنية، وعن منازعها العميقة، بصلة أو بسبب. فما يسعى فيه قادة الباسدران وخطباء الجمعة في طهران وقم، ويريد جمعَ فُتاته وأكله أركانُ الأجهزة الخاصة الأسدية وعصبيتهم، هو الاستيلاء على رافعة أو عقدة مسالك ومحاور تخولهم مد نفوذهم إلى الجماعات القريبة من مركز السلطان والبعيدة. ومناهضة القوى والدول الكبيرة والنافذة، وحمل النزاع (الفعلي) معها على نزاع واحد ثابت ومطلق، هي رافعة مجربة، متناسلة ومتصلة منذ الحروب الصليبية (أو فتح خيبر، على ما يهتف بعضهم) إلى هبوط طائرة جيفري فيلتمان بمطار بنغازي في طريقه الى القاهرة.

وتمييز إسقاط الطغيان، أي الحركة الديموقراطية الساعية في لجم السلطة المتعسفة والمرسلة وتقييدها بهيئات الدولة التمثيلية والدستورية القانونية وبمصالح المجتمع والجماعات المتفرقة وكياناتها التاريخية الموروثة والمتجددة ،من كره الاميركان، وهو الكناية الظرفية عن المطالبة بالاستقلال الوطني والندية الدولية الكريمة والعادلة والمسؤولة، لا ينفي علاقة التبعية بالاستبداد السياسي. ولكن المثال الايراني الخميني، والسوري الأسدي قبله، والليبي – القذافي، يكذب صيغة العلاقة في حلتها أو حللها الإيرانية والسورية والليبية وغيرها. فالحلل هذه جمعت وتجمع نزعة قومية “استقلالية” وعدائية متطرفة الى استبداد سياسي وبوليسي لا قيد عليه لا من داخل ولا من خارج. والمفاضلة بين النازعين، على ما لا ينفك يصنع التخيير الإيراني الحرسي والسوري “الجمهوري” والمدرع بين الانصياع وبين الخيانة، تتحول عبثاً ولغواً حين يختصر الاستبداد المذهبي العصبي والجهازي البيروقراطي السياسة، والحياة السياسية كلاً وجميعاً، في “مقاومته”. ويترتب على “مقاومته” وعلى مكانتها، في المركز وفي الأطراف والولايات، تصديع أبنية الحكم والدولة المدنية والقانونية، ومصادرة الحريات والحقوق الشخصية والعامة، والتحريض على الحرب الأهلية، وترسيخ تفاوت حاد وملح بين جماعات السكان والأهالي والأفراد، والانقطاع من أطوار العلاقات الدولية ومكتسباتها، وإناخة القوة المتسلطة العصبية على المجتمع وعلاقاته وحاجاته.

وتعريف الحياة السياسية على هذا النحو، وإرساؤها على هذه الأركان والمباني، قادا إلى الموقف من انهيار القذافي ورهطه. وقادا من قبل الى الموقف من انهيار سوريا الأسدية، على صورتها القاتمة الموروثة من نظام الوحدة الناصري ففصول البعث الثلاثة أو الأربعة (إذا عد حكم الوارث فصلاً مستقلاً). فتسويغ اجتثاث السياسة، وخلافاتها ونزاعاتها ومداولاتها وتحكيمها ومساوماتها، بضرورات الاستقلال والانكفاء والمناعة القومية، لا يُخرج منه إلى أفق زمني أو إلى سياسة إصلاحية يعلق عليها المواطنون آمالهم وتوقعاتهم. واليسر النسبي الذي غلب على التغيير الديموقراطي في تونس ومصر، والبلدان خضعا طويلاً للنفوذ الغربي، قياساً على استعصاء هذا التغيير في ليبيا وسوريا وإيران، قرينة ربما على قوة أثر العصبية القومية المنكفئة والعدائية في تغذية الاستيلاء الأهلي والبيروقراطي الجهازي والتمكين له.

فالنعي على الخارج وعلى تدخله وسيطرته، و”تشويهه” الأبنية الداخلية، يتوسل بحقائق ينبغي ألا تنكر الى أكاذيب لا راد لها، ولا سبيل الى ردها إلا بـ”ثورة”. وهذه لا تتفادى الحرب الأهلية، إذا أفلحت في تفاديها، إلا بعسر شديد. والترتيب السياسي الذي يقدم طلب الاستقلال القومي والأهلي والعصبي في رعاية سلطة بيروقراطية مركزية على طلب السياسة المدنية والديموقراطية والوطنية ومعيارها، وعلى إنشاء الدولة في كنفها وعملاً بموجباتها، هذا الترتيب ليس مرآة طبيعة الأمور وسننها في مجتمعات الأمم المستعمرة سابقاً، والمهددة الهوية. فهو مطية “الطبقة” الحاكمة ومصلحتها في احتكار السلطة والموارد، وإقصاء الجماعات والطبقات الأخرى من هذه وتلك. وهو، أي الترتيب، جزء من حرب أهلية غالباً ما تشنها الطبقات والجماعات الضعيفة والطرفية على كيان الدولة وبنيانها الحقوقي القانوني الضعيف قبل بنيانها الاجتماعي والاقتصادي. وهو جزء من استراتيجية استيلاء هذه الطبقات والجماعات على السلطة، والاحتفاظ بها في منأى من النزاع السياسي والاجتماعي السلمي.

وقد تكون الحروب الداخلية اللبنانية، وهي فصول نزاعات داخلية وإقليمية أهلية واجتماعية وبلدية معلقة على أدوار ومصالح خارجية وملبننة، المثال الجليّ والحاد على مفاعيل الترتيب هذا. فما أنجزه اللبنانيون، وفي مقدمهم جماعاتهم المسيحية، غداة الحرب الثانية، أي قبل ثلثي قرن تقريباً، يفوق ما تسعى في بلوغه الحركات الوطنية والمدنية والديموقراطية العربية في حقول الحريات المدنية والسياسية، والحقوق الانسانية، وتقييد سيطرة الدولة والإدارة والقضاء. وحُصِّلت هذه من طريق روابط وثيقة وقديمة بالغرب الرأسمالي الاستعماري والليبرالي الديموقراطي، من غير انفصال. وبدا هذا في نظر المنظمات الفلسطينية المسلحة، وشطر من اللبنانيين العروبيين، والشارع العربي الناصري والإسلامي، ضئيلاً، ولا يقارن بالمكاسب القومية المتوقعة والمقدرة، وسرابها القاتل. وجاز إنكار قيمة الأبنية السياسية والاجتماعية الديموقراطية والليبرالية، وتأخيرها عن معيار العصبية الأهلية وحصادها “القومي” الاستبدادي والمدمر، جراء إدراجها المجتمعات الوطنية ودولها في سياقات عالمية مشتركة، مدنية وزمنية، ومجيئها من طريق جماعات محلية مسيحية.

وتستر إنكار “الطائفية” (المسيحية دون غيرها، و”اللبنانوية” دون الطائفيات العربيات والاسلاميات) إنكاراً عنيفاً قومياً ومذهبياً وثقافياً، على نازع ساحق إلى إنكار استقلال المجتمع وجماعاته عن الدولة والسلطة، وغمط الجماعات حقوقها في كياناتها وتواريخها غير الانفصالية بالضرورة. وتستر أولاً على ازدراء مكانة الديموقراطية والليبرالية ومحلهما من مصائر المجتمعات والدول العربية. وها يعود ما طُرد وحطم معظمه في الباب اللبناني، وقبله في باب “التنظيمات” العثمانية، بذريعة غربيته ونصرانيته أو رأسماليته وامبرياليته، من أبواب عربية (وإسلامية) وشعبية مشرعة.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 28/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق