سقوط أسوار القداسة.. بابا مات / محمد شعير

يسأل المذيع يسري فودة واحداً من قادة جماعة الإخوان المسلمين بعد اشتباكات الجماعة مع المتظاهرين أمام القصر الجمهوري الاتحادية: إنت عاجبك الدم اللي بيراق ده؟! أجابه القيادي: وإنت عاجبك الكلام والرسم على جدار الاتحادية دي!

واحدة من رسومات الجرافيتي التي تركها المتظاهرون على حوائط القصر كانت بعنوان “إختر سلاحك”. قد يكون السلاح: ريشه رسم، أو كيبورد كومبيوتر، او آلة موسيقية… أو بندقية. الثورة لم تمتلك ما امتلكه أعداؤها “السلاح”.. وإنما امتلكت سلاحاً آخر: الأغنية والرسم والشعار والهتاف والفكاهة واللغة الجديدة التي لا تعرف الرطانة، لغة تقول كل شيء في أقل عدد من الحروف. واكتفى الديكتاتور بسلاحه، ومليشياته ورجال أمنه.. واكتفى الثوار بسلاحهم الأكثر تاثيراً.

الجرافيتي أحد أسلحة الثورة المصرية، روحها المتوهجة، الفن المطارد دائماً رغم إدراك أصحابه أنفسهم أنه فن “للزوال”.. لا يحزنهم على الإطلاق أن تمحوه السلطة أو كارهو الفنون، هم أنفسهم يدركون أنه فن “للمحو” لا للتثبيت.. ولكن روح الثورة التي تنتقل الى كل مكان تقريباً تجعل من إصرارهم على تثبيته نوعاً من تحدي السلطة. منذ أسابيع قليلة وفي مساء شتوي قامت قوة أمنية بمحو كل رسومات الجرافيتي في شارع محمد محمود (أحد أشهر شوارع القاهرة المتفرعة من ميدان التحرير، وشهد أحد أكبر معارك الثورة)، وطلاء الشارع من جديد، ولكن بعد دقائق كان الشباب في الشارع نفسه يعيدون رسم ما محته السلطة، وأضافوا شعاراً جديداً ساخراً (مبروك البويه الجديدة)، و(تعيشوا وتدهنوا)… تنسى السلطة في مطاردتها لفناني الجرافيتي أن تميز وتفرد الجرافيتي ينبع من كونه فناً زائلاً. يحصل على خلوده واستمراريته لا من بقائه بل من استمرار عمليات الكشط والشطب للأعمال القديمة على الحوائط وإبدالها بأعمال جديدة. تماماً كما يحرص الفنانون على أن تصبح أسماؤهم مجهولة، كلٌ منهم يحمل اسماً مستعاراً: جنزير، موفا، التنين.

بدأ الجرافيتي في العالم في عشرينيات القرن الماضي، وعرف بأنه فن الطبقات المحرومة، وبدا تحديداً في نيويورك (حسب ويكيبيديا)، ولكن بعد سنوات قليلة أصبح فناً لكل الطبقات وأصبح فناً متاحاً للجميع لا تحتاج لزيارة غاليري أو قاعة عرض لرؤيته، بل يتحقق معناه والهدف منه مع رؤية الجمهور العادي له والمشاركة فيها، بحيث يتحول الحائط إلى ساحة حوار بين كل من يرغب، حوار فني مختلف الأفكار والتوجهات يؤدي في النهاية إلى عمل فني متكامل يعكس روح سكان المدينة وقيمهم الجمالية. في مصر بدا على استحياء قبل ثورة 25 يناير، في الإسكندرية والقاهرة والأقصر في جنوب مصر، وتميزت رسومات الجنوب تحديداً بطابع فرعوني يفسره الفنان (مجذوب)، وهو اسم حركي لواحد من أهم فناني الجرافيتي في مصر: “الجرافيتي موجود لدينا٬ قبل أميركا وأوروبا، والدلائل موجودة في المعابد الفرعونية والبيوت في الصعيد والريف المصري”. في كتاب عن الكاريكاتير المصري يشير الكاتب احمد عبد النعيم إلى أن الفراعنة عرفوا فن الرسوم المتحركة، حيث توجد العديد من الرسومات الساخرة من الأوضاع المقلوبة في المجتمع، خاصة في عصور دول الضعف، ففي إحدى البرديات هناك صورة لأسد يلعب الشطرنج مع ظبي وهو ما يصور الأوضاع المتردية للسلطة في ذلك الوقت، حيث يلعب الأسد مع فريسته مما يدلل على ضعفه، كما يستخدم الفنان المصري القديم العديد من الرموز كالقط الذي يعمل على خدمة فأر أو مجموعة فئران تهاجم قلعة قطط.

يشير مجذوب: “في الصعيد لدينا حتى هذه اللحظة شخصية جدارية تدعى “أبوالسكاكين”، وهذا الرجل يعبر عن كل الناس، حتى الستات تقوم بتلبيسه الحريمي٬ وهناك بيوت الآن منذ آلاف السنين في شغل جرافيتي٬ هذا الفن الشعبي بألوان طبيعية”. مجذوب ولد في الجنوب، حيث يتوافر “الجرافيتي” بدون أن يكون معروفاً بهذا الاسم، يتعايش معه الناس بشكل طبيعي، مجذوب بدأ قبل خمس سنوات من الثورة في النزول الى الشارع، كان الأمر في البداية بمثابة رسالة احتجاج ومعارضة لقمع السلطة، بل كانت رسوماته تحمل رسالة تحريض أيضاً ولكن فيما بعد تطور الأمر ليصبح الجرافيتي رمزاً للفن وتجميل الشوارع بدون أن يكون هناك هدف سياسي واضح خلفه، مستخدماً رسومات معبرة في مواجهة القبح، خصوصاً في مدينة مثل الأقصر. الجرافيتي ليس رسماً فقط، قد يكون عبارة، أو جملة شعرية لشاعر شهير مثلاً، عبد الرحمن الأبنودي، أو أمل دنقل أو أحمد فؤاد نجم، كانوا نماذج باهرة لذلك. بعد الثورة كان الجرافيتي بمثابة “الصحافة الحرة الوحيدة الموجودة داخل لمعركة”، حسب تعبير مجذوب، وكان محاولة لكي ينهي الخوف بداخل الإنسان العادي غير المشارك في الثورة لينزل الى الميدان ويدرك أننا سلميون”. يوضح فكرته أكثر: “في أيام الثورة الـ 18 كان يعنيني أكثر إسقاط النظام وحتى لا يشعر من كانوا في الميدان بالملل، كنت أريد أن تحمل رسوماتنا رسالة “هانت” إسقاط النظام في أسرع وقت هو السبيل الوحيد لعدم تراجع الملايين الذين شاركوا في ميادين مصر”.

 

ليس تخريباً

بالتأكيد لا تزال العقليات القديمة ترى في رسومات الشوارع نوعاً من تخريب الممتلكات العامة، وخاصة أن جدران الأماكن العامة، مستهدفة دائماً بالرسم وهو ما لا يستوقف رسامي الجرافيتي الذين يعلنون على إحدى الصفحات الرئيسية لهم في موقع التواصل الاجتماعي: “ده مش تخريب ممتلكات عامة، مش جريمة في نظرنا، ده فن وفكرة.. والأفكار لا تموت، في ظل إعلام كاذب، سوف ننشر إعلامنا في شوارع مصر، في ظل مستبدين يحكمون البلاد.. سنظل نحن نناضل، إرسم ضد الحكومة”..ضد السلطة هم دائماً يختارون الأماكن التي يتركون فيها رسوماتهم بعناية أن لا بد أن يكون المكان مرئياً، فالجرافيتي مثل الإعلان، لا بد أن يصل لأكبر قدر من الناس بسرعة وبلا التفاف، لذا فالقطارات والباصات وجدران الشوارع الأساسية أماكن مستهدفة، وكل مكان له ما يناسبه من رسومات، في الجدران القريبة من وزارة الداخلية (كان الاقتراب منها قبل الثورة عملاً محفوفاً بالمخاطر) تبدو الرسوم التى تسخر من الداخلية أكثر وضوحاً، شعارات الألتراس جملتهم الشهيرة (ABAC) الذي يعني “كل رجال الشرطة أوغاد، وأغنياتهم الشهيرة “بالواسطة خلاص الباشا اتعلم” لا تزال محفورة، بالقرب من جدران المؤسسة الأمنية المتوحشة وعلى جدران وزارة الدفاع ترك رسامو الجرافيتي شعار “يسقط حكم العسكر”.. وعندما تعلق الأمر بالدعوة إلى عصيان مدني نزل الرسامون إلى محطات المترو، ورسموا على جدران الاتوبيسات وفي المناطق الشعبية، الأمر ذاته عندما وصل الإخوان الى السلطة.. ترك الثوار على جدران قصر الرئاسة ومكتب الإرشاد صور حسن البنا، مؤسس الجماعة، مرتدياً “طربوشاً.. وأذنين كبيرتين”.. يعلق الباحث عمرو غربيه على هذه الصورة: “الثورة دي ثورة عيال بيلعبوا فيديو غيم. كل مرحلة فيها في الآخر وحش لازم نموته. دا وحش المرحلة”. لم تكن الثورة إذن ثورة ضد نظام فاسد، بل تعنى بالأساس “سقوط أسوار القداسة” عن أفكار وشخصيات وكتابات قديمة تعفنت، تعزز قدرة الفرد القادر على السخرية من جبروت مؤسسة، إنها لعبة تفكيك العالم وكسر منطقه لبناء منطق أقوى أكثر صموداً يمكن هدمه وبناؤه من جديد. الثورة تعني سقوط الوصاية أو “بابا مات”، حسب تعبير الروائي عز الدين شكري فشير. ورسوم الجرافيتي تفعل ذلك بامتياز…تكسر الأسوار حتى تشعر بالفعل أنها ليست موجودة، لهذا: “إنزل وارسم في شوارع بلدك، فكر، ابتكر، ناضل، إرسم…”، وهذا هو شعار الجرافيتي الآن!

 

عن ملحق السفير الثقافي

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق