سقوط النظام المالي.. على رؤوس مَن؟ / المرأة في مصر نموذجاً

إنها الأزمة. صور لكبار رجال الأعمال ينزفون عرقاً، يترقبون بحذر أحوال البورصة، يتابعون بدقّة سقوط النظام المالي العالمي وإعادة النظر في مؤسساته وسياساته النيوليبيرالية. إنه السقوط وفق النظام الفيزيائي للتفسير، من أعلى الى أسفل، من أهم مراكز القرار، من كبرى العواصم، فيتناثر قطعاً في أيدي الأكثر فقراً وحرماناً في العالم.

للأزمة وجه أنثوي. يشير تقرير مؤتمر منظمة العمل الدولية سنة 2009 الى أن هذه الأزمة أضرّت بالرجال في الاقتصادات المتقدمة، بقدر ما أضرّت بالنساء، إن لم تكن أشد وقعاً على الرجال لأن فقدان الوظائف تركّز في قطاعات العقارات والإنشاءات والسيارات، وهي قطاعات ذات غالبية عمالية ذكرية. لكن الأمر مختلف في مصر على سبيل المثال، حيث المرأة العاملة ليست فقط الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً بالأزمة الاقتصادية، بل لأن وضعها في الأساس غير مستقر في سوق العمل. ألقت هذه الأزمة الضوء على وضع موجود، تتسم به المجتمعات العربية، وهو التمييز بين الرجل والمرأة في عالم العمل وسوقه.

القطاعات “النسائية” الأكثر تأثراً

الأرقام تفرض نفسها في شأن التأثير المباشر للأزمة الاقتصادية على المرأة العاملة في مصر، من ناحية فقدان وظيفتها: ففي الوقت الذي شهدت فيه معدلات البطالة انخفاضا بصفة عامة بين الذكور من 5.8 في المئة أواخر عام 2007 إلى نحو 5.4 في المئة أواخر عام 2008، نجد أن معدل البطالة بالنسبة الى الإناث شهد ارتفاعاً بصفة عامة من 18.7 في المئة في الربع الأخير من عام 2007 إلى 19.6 في المئة خلال الفترة نفسها من عام 2008، وفق دراسة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. تطرح الأرقام إشكالية تتخطى موضوع الأزمة وتأثيرها خصوصاً على المرأة العاملة: لماذا يقتصر عمل النساء على قطاعات محدودة بينما قطاعات عمل الرجل ووظائفه أكثر تنوعاً؟ ما سبب تمحور الأعمال “النسوية” في المجالات الخفيفة والمساعِدة، التي لا تحتاج الى مهارات عالية، في ظل أجور متدنية وغياب الضمانات الاجتماعية، وهي أعمال ومجالات من السهل التخلي عنها عند حدوث أي أزمة؟!

ما إن ضربت الأزمة المالية العالم، حتى سارع رجال أعمال في مصر – نتيجة تقلّص مبيعاتهم أو بحجة الأزمة – إلى تسريح عدد من عمالهم تعسفياً، من دون صرف حقوق مستحقة، أو في أفضل الأحوال، إلى الانتقاص من أجورهم ومستحقاتهم، وفق دراسة أعدّتها دار الخدمات النقابية والعمالية في أيار 2009. وكان لقطاعات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والمفروشات، التي تغلب عليها العمالة الأنثوية، الحصة الكبرى من استغلال العمال والقضاء على مكتسباتهم نتيجة الأزمة. للدلالة، قام صاحب مصنع “السلام لإنتاج الملابس الداخلية” (تشغل النساء نسبة 62.5 في المئة من العمالة فيه، يتقاضين رواتب من 250 جنيهاً إلى 400 جنيه شهرياً، أي من 45 إلى 70 دولاراً أميركياً)، بإعطاء 37.5 في المئة من إجمالي العاملين كلهن نساء إجازة مفتوحة مع دفع نصف الراتب الشهري، باقي العمال يعملون بنظام دوامين للعمل 12 ساعة من دون صرف أي أجر إضافي. كذلك، أصدر صاحب مصنع “جلود النايل للكتان” (عدد العمال 300 منهم 200 عاملة) قراراً بالعمل لدوام واحد، وفصل 250 عاملاً دفعة واحدة، ولم يصرف حافز الإنتاج لباقي العاملين.

هذا في ما يتعلق بالقطاعات النظامية، فماذا عن باقي القطاعات؟

في القطاعات غير النظامية

دخلت المرأة سوق العمل الذي شهد ارتفاع نسبة مشاركة المرأة المصرية لتصل عام 1999 إلى 21.4 في المئة من قوة العمل المصرية، وهي نسبة مضاعفة عما كانت عليه في منتصف السبعينات. وهذا من شأنه أن يشكل تطوّراً في غاية الأهمية. فاستقلال المرأة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، مدخله واحد: تمكين المرأة اقتصادياً. لكن ما حصل أن المرأة بقيت الحلقة الأضعف، حتى في عالم العمل. فغالبية النساء يعملن في القطاعات الاقتصادية غير النظامية. ومع بداية عصر “الانفتاح الاقتصادي” وسياسات الخصخصة على حساب الضمانات الاجتماعية، المسؤولة في الأساس عن هذه الأزمة، تلاشى قطاع يضم نسبة كبيرة من العمالة النسائية، ما أدى إلى ارتفاع مشاركة النساء في القطاع الخاص إلى 56.5 في المئة من مجمل عدد العاملات في مصر. وهنا بيت القصيد: 62 في المئة من هذه النسبة في القطاع الخاص غير النظامي، أي الخارج عن نطاق الحماية التي توفرها قوانين العمل وآليات التنفيذ، وفق دراسة للبنك الدولي حملت عنوان “تقويم النوع الاجتماعي في مصر”. من هنا، فإن معظم النساء لا يتمتعن بحقوق كفلتها قوانين العمل واتفاقات منظمة العمل الدولية، من أجر عادل وإجازات وتأمينات اجتماعية وتحديد ساعات العمل، إلى الحق في الالتحاق بالنقابات والمفاوضة الجماعية، وصولاً إلى الحق في معاش تقاعدي. في ظل هذه الظروف، من السهل تسريح المرأة تعسفياً من العمل عند نشوب أي أزمة.

لم يعد العصر عصراً للحقوق بل للبحث عن سبل لسدّ الأفواه الجائعة. الأزمة أزمة سياسات اقتصادية معيارها الوحيد تراكم رأس المال على حساب تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الحقوق والمساواة بين الجنسين. والأزمة ضحاياها كثيرون، لكن ضحايا أسفل الهرم الاجتماعي، هؤلاء الذين يعتمدون على مرتّبهم هرباً من الموت جوعاً، هم الأكثر تأثراً.

بتسريح آلاف العاملات اليوم، تفقد معظم الأسر المصرية المعيل الأساسي لها، وتفقد معها استقرارها الاجتماعي ¶

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق