سقوط صخرة المقطم : الانهيارات ليست جديدة… لكنها متواصلة

في السادس من رمضان ”عبَرتْ” صخرة من جبل المقطّم المطلّ على القاهرة إلى الأسفل و”سقطت ” فنالت من فقراء ” عزبة بخيت” وخلّفت قتلا ودمارا وهدما وعويلا ولم تنفع أنّات المنكوبين تحت الأنقاض ولا استغاثتهم بواسطة الهاتف الجوّال في ردّ ” القضاء ” أو تلطيفه وقد استلهم الدكتور سليم العوا (الذي اخترقت شهرته الآفاق هذه الأيام وهو المفكر الاسلامي الشهير والأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) من كارثة انقطام المقطم عبرة غير عابرة مؤكّدا انّ : ”الحوادث المتكررة للأمّة- وتحديدا سقوط المقطم على ضعاف الحال – هي غضب من الله ”.

”غضب من الله ” : نال فقط الفقراء المعْدمين من سكّان ”منازل” الطوب الأحمر بضاحية الدويقة الشعبية والذين يفتقدون الماء والكهرباء والدقيق ورماهم بحجارة تزن 500 طن الواحدة .

”غضب من الله ”ولا علاقة له بسياسات التعمير العشوائية ولا بتهميش آراء العلماء والجيولوجيين الذين حذّروا تكرارا من خطر الضغط المعماريّ وطرق صرف مياه السيلان على الجبل الأجرد المتداعي للسقوط .

لا تهتمّ هذه الخاطرة بحادثة سقوط صخرة المقطم مباشرة رغم ما رافقها من ألم وفزع وانكسارات وتضامنات بل بتداعياتها غير المباشرة .

وما كُتب هنا لا علاقة له براهنية الحدث واستتباعاته التي حرّكت الساحة المصرية هذه الأيام وهو في غير علاقة بسياسات الانشاء والتعمير أو الاسكان والتجهيز ولا بالجيولوجيا ”الطبقية ” فأنا لست مصريا وقد رأيت جبل المقطم مرة واحدة في غمار زيارة ”القلعة” ولم يكن منظرالجبل جذّابا أو في حجم ما اكتنزته ذاكرتي حول المدلول الوهّاج للمقطم وتاريخه الزاخرالذي قرأت عنه في مطاوي التاريخ

والمقطم حسب المظنون هو اشتقاق من القطم أي القطع وهو جبل أجرد منقطع الشجر والنبات يعود تكوينه إلى العصرالايوسيني وعمره أكثر من 30 مليون سنة وهو متكون من صخور الجير والطّفل ( المارن) كما انّه جبل محدود العلوّ تحوّل بمرور الزمن وتكاثر الانجراف إلى مجرد هضبة مطلّة على القاهرة تحاصر تاريخها وتراثها حتى انّ ذاكرة الجبل هي ذاكرة المدينة ذاتها.

كان المقطم منعزلا للنسّاك القبط والزهاد المتصوّفة من المسلمين وكان مزارا وملاذا للمستجيرين والصلحاء ومن حجارته شُيدت معظم المعالم الاسلامية والقبطية الخالدة بل انّ قلعة صلاح الدين بنيت فوق تلاله وابتدع نظمها بصخوره البديعة.

وقد رافقت هذا ” الطبونيم” عدة أساطيرعجيبة وحكايا غريبة تبدأ من عصر الفسطاط وعمرو بن العاص وتتواصل إلى اليوم ولعّل أشهرها تلك التي ارتبطت بالمعزّ لدين الله الفاطميّ والتي وردت في كتاب تاريخ الكنائس القبطية لألفريد بتلر والقائلة ”بانتقال الجبل بكرامة من افرايم من شرق القاهرة إلى غربها وهي المعجزة التي أبهرت المعزّ وجيّشت عاطفته للمسيحية… ”.

لن نتوقف عند هذه الأسطورة أيضا رغم ما فيها من دلالات انتروبولوجية وافرة بل ينصبّ اهتمامنا فقط عند ظاهرة الانهيارات المتواصلة للمقطم وسنعدّد بعضها .

{{انهيار عدد 1:}}

سقوط 40 صخرة من زُبية المقطم في شهر رمضان على الغلابة القاطنين ” تحت ” الجبل هو حدث دوريّ تكرّر عدّة مرات وهو سقطة روتينية من سقطات سياسة الاسكان الخاضعة لجشع الاستثمار العقاريّ فقد أدّى الاستئثار بعقارات ”الأعالي” وتكثيف البناء المستحدث فوقها إلى تصدّعات وسقطات جلمودية نالت من ” الأسافل” فلم تعرف القاهرة حسب الخبراء يوم السادس من رمضان 2008 زلزالا ولا هزة أرضية ولا رجّة جيولوجية حتى يسقط صخر المقطم فجأة على ”الأوفياء” من سكانه .

ما جرى في القاهرة حدث ويحدث في كلّ مدن ”التّيه” التي انهزم فيها رأي العالم والخبير أمام جشع الباعث ونهم المستثمر ودعك من الضحايا وشأنهم فسيقام لهم نصب تذكاريّ لائق وتنظّم في ذكراهم قصيدة معبّرة مجلجلة.

{{انهيار عدد 2 :}}

الاتّجار السياسيّ بـ”دماء” الفقراء المنكوبين هو انهيار سحيق وتطاحن الكتل السياسية والبرلمانية المعارضة والمساندة والمحايدة، الخضراء والسوداء والصفراء على استثمار الحدث وتوظيفه انتخابيا هو أيضا انحدار مذهل بل أمرمقرف يتكرّر كلما حلّ ببلداننا زلزال أو طوفان أو حرب.

زمن هذه الشدائد تحضر الأغطية الصوفية والخيام والطعام الساخن وعلب المصبرات ويغزو الحنان كلّ القلوب فتصبح ديارنا فاضلة كالمدينة الأفلطونية المنشودة.

ولا أدري سبب تذكّري لمثلنا العامّيّ ” عاش يتمنّى في عنبة مات جابولوا عنقود ”. أي تمنّى طوال حياته كرمة عنب وعند مماته أتوه بعنقود لقد كانت جدّتي تكرر دائما وصيتها : ”لا تتصدّقوا فوق قبري ومن يريد أن يمنّ بعطيّة فلينقدني في يدي مباشرة ” .

{{انهيار عدد 1429:}}

عندما يقوم مفكّر وأستاذ ضالع وشخصية اسلامية عمومية وشهيرة مصنّفة في خانة” المستنيرين” بتفسيركارثة اجتماعية وانسانية مثل كارثة المقطم بغضب الله على الأمة يكون الانهيارقد بلغ منتهاه تماما مثل السيل الذي بلغ زبى الجبل.
هل امتد مجال الأمة الى لويزيانا وكنتكاي وميسيسبي والكاراييب …. فهذه المناطق وغيرها من الأصقاع تعيش اليوم الكوارث والأعاصير والنكبات مثلما عاشتها بالأمس سنغفورة والهند والنيبال … فهل انّ هذه ”الشعوب والقبائل ” من شتات الأمّة المغمور والمغضوب عليها – وأسّلم عندها بضعفي في مادّة ” الجغرافيا الإسلامية” – أم هي من زمرة ” الكفّار” ” الضّالين” فعساهم يتّعظون بعد بلواهم ؟؟

{{انهيار عدد 1889:}}

سنة 1889عندما كانت مصر تحت الانتداب البريطانيّ وباقي أقطار المشرق العربيّ ترزح تحت وطأة الاستبداد الحميدي: أنشأ فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس وغيرهم من مستنيري ذاك العصر جريدة ” المقطم ” وكانت الصحيفة أدبية وسياسية وثقافية نشّطها اللبنانيون والشاميون الفارّون من ” السلطان الأحمر ” وجواسيسه وروّجوا فيها لفكر الحرية والانعتاق وصاغوا فيها بعض أحلام العرب وحاربوا فيها الجمود والتقليد والتزمّت كما انفتحت الصحيفة على مشاغل القاهرة وأهل مصر رغم التضييقات الانجليزية وكانت مثلها مثل: المؤيد والمقتطف وابونضارة والعروة الوثقى والوقائع واللطائف والحقوق والشفاء ونزهة الأخبار … كانت جميعها أُسّا لبنيان حركة صحفية ناقدة ملتزمة منفتحة رغم محدودية الامكانيات زمن مطبعة بولاق ومشتقاتها من المطابع الحجرية العتيقة أما اليوم وفي عصر الثورة التقنية والرقمية تفيض بلداننا بالآلاف من عناوين الصحف والمجلات لكن أغلبها غير جدير بتصنيفه ضمن الصحافة.

ليست الحركة الصحفية الا نتاجا لحركة النهضة العربية التي ظهرت منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وقد تحوّلت بعد أكثر من قرن إلى مجرد كتلة جرائد ورقية تستعمل للّف والتعليب لا للنقد والفكر والتهذيب لقد انبعثت الجرائد السيّارة مكان الصحف البنّاءة والفرق بين الصحافة والجرائد بيّن يِؤشّر على الانهيار أيضا.

فاتني أن أستثني بعض الصحف العربية الناجية من هذا التصنيف المتشائم وأغلبها بالتأكيد انتعش من نعمة ”الديمقراطية الطائفية ”أو من حرية عواصم الضباب والنور.

أما في بلدان الشمس اللافحة فقد تحوّلت صحافتنا إلى خليط من القراطيس السوداء والصفراء وهذا انهيار إضافيّ وتحوّل مستنيرونا من ” العروة الوثقى” إلى توثيق عرى الغضب الالهيّ في حضن الفقراء المحرومين فقط وتحوّلت قلاع صلاح الدين إلى زنازين ياسين وتحوّل المقطم إلى ”عزبة بخيت” .

وإذا زاد بختكم وطال عمركم فستواكبون مزيد الانهيارات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق