سلاح كصاعق للاحتراب الأهلي / جان عبدالله

لا تصبحْ في صراعكَ مع الوحشِ وحشاً

دعْ أسنانهُ تصدأْ في جسدِك

دعهُ يختنقْ بدمك

ليقتُل غضبكَ ثأركَ وثأركَ غضبك

الأرضُ اختنقتْ بالقُبور

والأكتافُ ملَّت الأكفان

والقتلةُ أكثرُ من القتلى

حذارٍ…المجرمُ يريدكَ مجرماً

 

حقيقتان واقعيَّتان (مواجهةُ الثانية لاحقاً أصعبُ من مواجهةِ الأولى راهناً) تظهران لحظةَ اكتشافِ الشعوب ذواتها المسحُوقة ودواخلها الوطنية، إذْ أنَّنا نواجه أنظمة استبداديّة عدميَّة شرسة، ونواجهُ نسجاً اجتماعيََّة مُتهتِّكة مُتخمةً برضوضٍ عموديَّة في العمق، إثرَ تسيسٍ سلطويٍّ نفعيٍّ للتنابذ الأهليّ والمذهبيّ الكامن بداخلها. وهنالك سببان أساسيَّان يفسِّران كون المجتمعات المشرقيَّة هشَّة متصدِّعة قابلةً للتفجُّر، أوَّلها عنفٌ سلطويٌّ مطبق ضاغِط، يحتكرُ الفضاءَ العامّ والنقاش العلني، كدَّس كلَّ المشاكل الاجتماعيَّة والعِقد التاريخيَّة بحيثُ تتراكمُ في الخَفاء وتتعفَّن، لتبدو لحظةَ انكشافها المفاجئ على ضوءِ العلن، مسائلَ ناضجةً مُنجزةً عصيَّة على الحلّ، بالإضافة إلى ثقافةِ تبريرٍ ذاتيّ متنُها عِنادٌ ثقافيُّ مُكابر، تقسِّم العالم مانويَّاً بين نحنُ “الأخيار” وهم “الأشرار”، تشيطنُ الآخرَ البعيد جوهريَّاً وتلحقُ نكوصَنا المستمرّ “بمُؤامراتهِ الدقيقة”، فمُنَِع إثر ذلك “اشتغالُ الذات على الذات” على حدّ تعبير الراحل محمّد أركون.

المجتمع السوريُّ يمرُّ بمرحلة انتقالٍ عصيّة تمسّ صميمَ وجوده، جعلت الفرد فيه يرتدُّ نحو المذهب كونه الملجأ الآمن الوحيد في مراحل التحّول القلقة، وكأيّ مجتمعٍ بشريّ ” طبيعي ” يستفحلُ فيه العنفُ وتتفعَّل نوازعُ الدفاع عن النفس وغرائزُ البقاء، تصبحُ السياسة ترفاً فكريّاً وممارسةً كماليَّة فائِضة (فلا صوتَ يعلو فوق صوت الرصاص).

ويستشف المتمعن للحالة السورية استقطاباً طائفياً حاداً تشهده الساحة السورية، أفرزه بشكل أساسي التوازن السلبي الشال المفضي إلى استعصاء مزمن حاد أدى إلى انسداد الأفق السياسي في الأزمة السورية الملتهبة، ويتمظهر ذلك بعدم قدرة النظام على إخماد الاحتجاجات وعدم قدرة الكتلة المنتفضة بمكونيها المدني والعسكري على إسقاط النظام، وعززَّ هذا التباعد الوطني مُناخٌ إقليميُّ عام يعاد فيه ترتيبُ الأولويَّات ونحت الاصطِفافات تبعاً للتَّموضع المذهبيّ، فليس التحالف الإيراني السوريـ العراقي اللبناني المُغلَّف بأيديولوجية” الممانعة” سوى مُسوَّدةً لمشروع مذهبي معيّن.

وهذا ما حول الثورة السوريّة إلى أزمةٍ سوريّة، ويرشَّح تحوُّلها إلى “مسألة سورية”، مما يجعل الوضعيَّة السورية مفتوحةً على مآلاتٍ خطيرة، ستكون مفاعيلها غير محمودة على النطاقين القطري والإقليمي. خصوصاً بعد تضخُّم الملمح العسكريّ الجزئيّ في الانتفاضة السورية وتحوُّل العُنف من متقطِّع مبُعثر، إلى متَّصل مُمنهج..

من هنا تكمنُ الخطورةُ الحقيقيَّة في عسكرةِ الانتفاضة السوريَّة، لشدّة تعقيدِ العلاقة بين النظام السوريّ والتركيبة الأهليَّة الرخوة أصلاً والمليئة بعناصرَ متكارهة تتأفف من بعضها بالسرّ، لذلك فإنَّ التفكيكَ المسلّح للمركَّب السلطويّ السوريّ المتماهي بشدَّةٍ مع كتلٍ أهليَّةٍ من الصلب الاجتماعيّ، ليس فقط تهديداً للوحدةِ الترابيَّة السوريّة، وإنما هو مَساسٌ مباشر بحدود التعايش الأهليِّ وتوازُناته، وإصابةٌ للجسدِ الوطنيّ بجروحٍ غائرةٍ في العُمق يصعبُ اندمالها عند إعادة بناء الدولة وطنياً، علماً أنَّ حاملي السلاح سيكونون من لونٍ مذهبيٍّ معيّن، وبالتحديد أكثر سيكونون إسلاميين جهاديين يمتلكون عقيدة استشهادية مقاتلة (للتذكير هؤلاء لا يقاتلون “أعداءهم” بسبب عدم تمثيلهم شرعية الشعب، وإنما شرعية الله!)، وللسلاح شهوةٌ وعدوى وقدرةٌ على إثارة الذاكرة خصوصاً في مجتمعات لم تعرف التمدّن والتحديث (أغلبُ المدن هي عبارة عن قرى تحولت إلى “مُدن” بفعل سلطويّ خارجيّ وليس بفعاليتها الذاتيّة الاقتصاديّة والاجتماعّية والثقافيّة، فرأس المال والقوة والاسمنت المسلح لا تكفي للتمدن !)، بالإضافة إلى احتمال تحوُّل السّاحة الوطنية عُشَّاً للتنظيمات المتطرِّفة التي تقتنصُ أمكنةً تمتزجُ فيها ضعف تراكم الحداثة وتقاليد العلمنة مع هشاشة الدولة، وحتى إن تمكنت تلك الفصائل المسلحة من إسقاط النظام (وهذا غير مضمون طبعاً)، فإن احتكامها بعد ذلك إلى الطاولة السياسيَّة ومنصَّة الصراع السلمي سيكون صعباً فكيف يستوي من “جاهد” و”استشهد” مع من “تفرّج” و”نَظَّر”. وفي لبنان حزب الله نموذج حيّ عن ميليشيا مسلحة داخل دولة، حيث إصبعه جاهزة دوماً على الزناد يلوّح به ويوجهه إلى الداخل في القضايا الشائكة.

بالتأكيد السلطة السورية هي من تتحمل مسؤولية التجاءِ الناس نحو العُنف ولذلك لا تدعي هذه السطور معالجة نظريّة متعففة وتنظيراً استعلائيّاً، ولكن من حقَّنا أن ندلي برأينا أمام أصوليي الثورات الذين يقومون بكم الأفواه باسم الشرعية الثورية وأن نضع الثلج في رأسنا قليلاً ونخرج من ضجيج وهيجان اللحظة الراهنة الحاليّة ونفكّر قليلاً باللحظة التأسيسية المقبلة..

 

عن جريدة المستقبل البيروتية 4/3/2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق