سلالةٌ منتخَبة هم الانتحاريون العرب / فاروق يوسف

للروائي الصيني مويان الحائز جائزة نوبل عام 2012 رواية عنوانها “جمهورية الخمر”. لا يحتاج المرء إلى خيال متّقد لكي يهتدي إلى مكان تلك الجمهورية، إذا ما أضيفت كلمة “الحوريات” إلى اسمها. فالحكاية الدينية لا تخفي ميلها إلى أن تتخذ من الخمر والحوريات عنصرين أساسيين في البناء اللامرئي لـ“جنة” عرضها السموات والأرض، أعدّت للمؤمنين.

واضحٌ أن نبرة الخطاب الذكوري لم تتسع في غوايتها للنساء المؤمنات إلاّ باعتبارهن مادة للإغراء، وهذا ما تفعله اليوم الكثير من شركات الدعاية. فحتى معجون الحلاقة الرجالي لا يذهب إلى المستهلك إلا من خلال العطر الذي تشمّه امرأة جميلة وهي تمدّ يدها إلى وجه رجل حليق.

خلاصة الوعد الإلهي

غواية الأنوثة المتاحة في كل لحظة والمتحررة من شروطها الواقعية، لم تكن يوماً محط استفهام لدى رجال الدين، فهي تمثّل خلاصة الوعد الإلهي الذي تنتهي إليه حياة صالحة يمضيها الرجل في العبادة، في انتظار ما تبقى. بعكس الاستفهام، تماهى الشيطان مع تلك الغواية لتكون وسيلة لنشر الشر على أرض، هي في حقيقتها حاضنة لفساد، لا يمكن القضاء عليه إلا بظهور المهدي، الإمام الغائب لدى الشيعة، الذي يدعو الكثيرون منهم ربّهم أن يعجّل بظهوره، ما يؤكد رغبتهم في أن تحلّ القيامة سريعا، ليكونوا شهوداً على يوم القيامة باعتبارهم آخر البشر الفانين.

لم تكن الرغبة في الموت إلاّ صناعة فقهية، اجتهد الكثيرون عبر القرون في صوغ الأسباب التي لا تجعلها ممكنة فحسب، بل وميسرة. فالطريق إلى الله كما يزعم فقهاء الظلام لا يمكن أن يكون سالكاً من غير تضحيات، لا يبذلها المرء من أجل إصلاح ما فُسد من طريق الحوار والاقناع، بل من طريق الاستدعاء العاجل للموت. وهو موت لا يعترف بمفهوم الضحية، ذلك لأنه يؤسس لعلاقة سرمدية جديدة تتخطى الدنيوي إلى فضاء آخروي رحب بين انتحاري أو استشهادي أو فدائي، لا فرق، وبين عدد من القتلى الذين تقوم الملائكة بمهمة إحصائهم والتأكد من هوياتهم من أجل ترحيلهم إلى الجنة.

وإذا كان النبي العربي قد قال “مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة” (هو نفسه رفض الصلاة في حياته على مسلم أقدم على الانتحار)، فإن الانتحاريين العرب وقد قرروا الانتحار بنا وبمستقبل أجيالنا كانوا قد وجدوا في الفكر التكفيري ضالّتهم التي تنجّيهم من ذلك العقاب الذي تنبّأ به محمد. بل الأدهى من ذلك، أن اللعبة لم تستثنه، أقصد النبي، لأن كل شيء يمر من خلاله. وكل شيء يجري من أجل أن يرضى. ذلك لأن الطريق إلى الله لن تكون موجودة إلاّ من خلال شفاعته.

خفة الكائنات اللغوية

“الأخوان المسلمون” مثلهم مثل أفراد كل الجماعات الدينية المتشددة يعرفون الطريق إلى الله. وهو طريق من هواء. لم يخترع “الأخوان” ذلك الطريق، بقدر ما عبّدوه بحجارة لغوية، كان المرء المغرر به ينزلق عليها بخفة واستسلام أخوي. فهذه الحاجة مجلوبةٌ هي الأخرى من عالم غيبي، خفّته تبشر بأجنحة من ورق شفّاف، ورق لم تستخرج عصارته من مادة أرضية. عجينة خيالية من رؤى الجنّ تسيل على جباهٍ إنسية.

بعد ثمانين سنة من تأسيس جماعة “الأخوان المسلمين” في مصر صار من المؤكد وفق أدبيات تلك الجماعة أن هناك اليوم مئات من منتسبيها قد استقرت الحال بهم في الجنة. هم اليوم ينعمون بشرب الخمر وممارسة الجنس المباح مع الحوريات وقطف الفواكه التي تتدلى من الشجر، فلا يحتاج المرء إلى الوقوف من أجل قطفها. كسلٌ متخيَّل يليق بصحراويين متأملين كانت تدمّرهم لحظة سراب غير منصف، هي في حد ذاتها خيانة شعرية.

لم يبعث أحد من الميتين “الأخوانيين” برسائل من عالم الآخرة تنبئ الأحياء عن أحوالهم في ذلك العالم المتخيل، ولم يستفهم أحد من أولئك الأحياء عن مصير المغادرين الذين صاروا بمثابة ارقام بعد أن شحبت صورهم. يبدو أن قدرا هائلاً من الاطمئنان هو ما يجعل ذلك السكوت أمراً مقبولاً.

الانتحاريون سلالة منتخَبة

الانتحاريون، وهم سلالة “أخوانية” منتخبة، يعرفون أنهم سيتناولون مباشرة طعام الفطور أو الغداء أو العشاء مع النبي، أو على الأقل مع زوجته السيدة عائشة، وفق توقيت وصولهم المباشر إلى الجنة. وإن حضروا بين الوجبات فما عليهم سوى أن يقوموا بغسل الصحون. وهي مهمة تشرّف مَن يقوم بها. يتذكر الشيعة في هذا الصدد قنبراً وهو خادم الإمام علي.

لن يمرّ الانتحاريون بالقبر ولا بعذابه المرير. لكل واحدٍ منهم ملاكه الطيّب الذي سيكون واقفاً في انتظاره، ما إن تنفضّ جموع القتلى والجرحى والإطفائيين ورجال الشرطة والعوائل المفجوعة التي لن تسمح لها فجيعتها بالإنصات إلى أصوات رفيف أجنحة الملائكة التي ستحمل الانتحاريين مثل كذبة مباشرة إلى عالم، لن يكونوا فيه إلا خدماً لفكرة “أخوانية”، يصونها الولاء من كل دنس دنيوي.

بفضل “الأخوان” والمرجعيات الشيعية أيضاً، اكتشف المسلمون أن الصلاة والصوم والزكاة والحجّ أفعال لا قيمة لها في الآخرة، من حيث قدرتها على تحديد المكان الخالد الذي يذهب إليه المرء بعد الموت. فلا الجنّة مضمونة لمن يؤدي تلك الفرائض، ولا الذهاب إلى النار سيكون مصيراً مؤكدا لمن قضى حياته ممتنعاً عن ادائها. هنالك شرط اقترحه ذات يوم حسن الصباح، صاحب قلعة آلموت، وقيّد به حشّاشيه، صار اليوم بمثابة فرضية معتمدة من أجل التطهر من نجس هذه الحياة الفانية.

فالقتل الذي نصّت على تحريمه كل الشرائع، من ضمنها شرائع ما يسمّى بالأديان التوحيدية، صار مسموحاً به وموضع ترحيب وإقبال، بل إنه صار الأسلوب الوحيد من أجل الوصول الآمن والمؤكد إلى الجنة.

“اقتل” وليس “لا تقتل”.

لقد حدث تغيير جذري في التعاليم الإلهية. لم تعد مسلّة حمورابي قادرة على أن تقول ما هو مطلق في عدالته الانسانية. حمورابي، الملك البابلي رفع يده مذ وضع الله يده على الوجود. كان الله اختراعاً إنسانيا مذهلاً، بسببه توقفت الساعة عن الحركة مئات السنين. صار الانبهار بلحظة الخلق الساحرة يجسّد حقيقة الوجود الإنساني كله. صار الإنسان ملحقاً بآلية خلقه المفترضة. بسببها صار علينا أن نصدّق كل ما يمكن أن يقال عن أسباب وجودنا العبثي باعتبارنا كائنات وجدت لكي تعبد خالقها الموجود في كل مكان. وهي كذبة، لم يتفاعل معها الإنسان إلا في حدود ضيقة، ذلك لأن خياله لم يكن مؤهلاً للخضوع لها وطاعتها إلى العمى. لقد خلقنا الله أحراراً. حرّيتنا لا تقبل التجزئة بين ما نريده وما يريده الله. سيكون لدينا خيارٌ واحد: أن نقتل أو لا نقتل.

لقد اخترع كهنة الديانات التوحيدية (الفقهاء) طريقاً وحيداً للوصول إلى الله، وهو الطريق الذي لا يمكن التأكد من وجوده إلا من طريق الايمان بالغيب. إنه موجود في مكان ما من هذا العالم، غير أننا لا نستطيع الوصول إليه إلا إذا كنا مغيَّبين.

ملك الحشّاسين حسن الصباح طرحها مجسدةً قبل ألف عام.

كل الأحزاب الدينية تسعى إلى تأسيس مملكة آلموت، بالطريقة التي تنسجم مع رؤيتها لمستقبل عالم أحادي. عالم لا يمكن المرء أن يرى فيه الآخر المختلف إلاّ ميتاً. إنكم ميتون وهم ميتون. صيحة يمكنها أن تكون موجودة في كل لحظة عيش متداع. لغة الموت تسبق كل لغة ممكنة. لا معنى لهواء يخلو من رائحة الموت. كان علينا أن نكذب من أجل أن نصدّق أننا كنا في لحظة ما، أحياء أو رهائن في حياة لم نفهم معانيها. الحياة الحقة لا تتحقق إلاّ هناك. في الموت الذي يقترحه علينا موت الآخرين باعتبارهم هبات يقدّمها الممكن إلى المستحيل. بما يعني الإنسان إلى الله. وهذا ما يعني تفوّق الإنسان على الله، وهو المقيم في لحظة استغنائه عن كل ما يملكه الآخرون. بالنسبة إلى الله، لن يكون هناك آخر. وهو سؤال لا يمكننا الاستغناء عنه في ظل ازدواجية المعنى: إما أن تكون موجوداً من أجل أن تَقتل وأما أن تُقتل من أجل أن تكون موجوداً؟

القاتل والقتيل معاً إلى الجنة

في هذه الحال، يذهب القاتل والقتيل معاً إلى الجنة.

لذلك يصرّ “أخوان” مصر، ومعهم أتباع كل الحركات الاسلاموية (شيعية أكانت أم سنية)، على أنهم كانوا على حق، ولا يزالون على هذه الحال، وسيبقون كذلك. لا مكان للصواب والخطأ في فلسفتهم. هناك دائماً ضفتان: ضفة الحقّ التي يقفون عليها، وضفة الباطل التي يقف عليها الآخرون. هناك، ما بين الضفتين، نهر، ستكون نتيجة عبوره مضمونة. قاتلاً أم قتيلاً، مَن يعبر ذلك النهر من المجاهدين (وهي تسمية فيها الكثير من التضليل) سيكون طريقه سالكاً إلى الجنة.

وفق هذا المنطق، كل الجماعات الدينية، بغض النظر عن مظاهر الاعتدال التي يتزيّن بها البعض منها، لا تتوانى عن تبنّي الفكر الانتحاري، الاستشهادي، من أجل أن تصل إلى أهدافها السياسية الوعرة. هي في ذلك، لا تجد نفسها ملزمة شروطاً معينة تحدد من خلالها هيئة العدوّ الذي يستحق القتل شرعاً، بل هي تخترع تلك الشروط انطلاقاً من صورة عدوّها الحاضر أمامها.

فقد يكون شعباً بأكمله هو ذلك العدوّ. هذا ما جرى في الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وهذا ما تشهده مصر اليوم. لا بدّ أن يكون ذلك العدوّ هو عدوّ الله، وفق التصنيف الذي دفع جماعة مسلحة في لبنان إلى أن تطلق على نفسها تسمية “حزب الله”، وهذا ما وجد له صدى في العراق. فهناك في ذلك البلد المنكوب، الكثير من الأحزاب التي يدّعي كل واحد منها أنه الأقرب إلى الله. وهي تسمية تستند إلى وعد قرآني بالانتصار. مَن يَقتل ومَن يُقتل من تلك الجماعات، لا بدّ أن يكون تلقائياً، فرداً في الفرقة الناجية التي تذهب إلى الجنة من غير أن يفتح الملائكة دفاترها الملوثة بآثام القتل.

محنة العالم العربي اليوم

ألا يعني هذا كلّه أن العالم العربي يعيش اليوم محنةً هي أشدّ هولاً من محن القرون الوسطى التي عاشتها أوروبا في ظل محاكم التفتيش الكنسية؟

كانت الكنيسة يومذاك تحارب الهرطقة. أما إسلامويونا فإنهم يتوجهون بحربهم ضد مجتمعات أشبعتها أنظمة الاستبداد قهراً وفقراً وذلاً وجهلاً واضطهاداً وقمعاً. إنهم يكملون المسيرة بنا في اتجاه عمر مديد من العبودية. وهي عبودية صار حجاب (نقاب) المرأة هويتها والمتاجرة بـ“الله” عنوانها الصريح الذي لا يقبل التحدي أو الالغاء.

فالعراق الذي صارت الملايين من شعبه تذهب مشياً إلى أضرحة الأئمة (المعصومين) مذ حلّت نكبة الاحتلال به، لا يخلو سنتيمتر منه من مصيبة يرعاها أتباع آل البيت بأدعيتهم ويحرسها تنظيم “القاعدة” ببنادقه الموشّاة بالشهادتين. بعد أكثر من عشر سنين من الاحتلال (التحرير من وجهة نظر إسلامويي الحكم) غرق البلد كله في طوفان ما إن أنزلت السماء أمطارها، فكان ذلك الطوفان بالنسبة إلى أهل الحكم الفاسدين بشرى بقرب ظهور الأمام الغائب.

يقال إن نوحاً يبني سفينته من جديد في إحدى مدن العراق ليقود العراقيين إلى مكان آخر. مكان لن يكون فيه للعراق وجود يذكّر بمآسيه. ولكن نوحاً لن يغادر عصرنا إلا وقد أصطحب في طريقه عدداً من السوريين واللبنانيين والمصريين ممّن أبلوا بلاء حسنا في تدمير فكرة الحياة ليكون كل شيء خالصاً في خدمة الموت.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق