سلسلة كراسات الأوان: الجدران اللامرئية

{{ شارك في كتابة هذا الكراس:}}

رجاء بن سلامة، محمد نور الله، توماس آنجر Tomás Unger، هاشم صالح، محمد يوسف، نبيل فياض، حميد زناز، فريد العليبي، العادل خضر، سامي العباس، نيكولا جورنه Nicolas Journet، سعيد ناشيد، بيار ثوبي Pierre thuillier، حسن أوزال، عبد السلام بنعبد العالي، جون فرانسوا دورتيييه، هاشم صالح، شارلز إلوود Charles A. Ellwood، صلاح بو سريف، وديع الشامخ.

الترجمة:

إياس حسن، سليم سلامة.

{{[*
من المقدمة*]}}

كانت الفكرة فتح ملفّات مختلفة عن «الجدران اللاّمرئيّة» التي تفصل، داخل مجتمعاتنا، بين مجموعات تتعايش في المكان نفسه، ولا تعيش معاً (لا يتزاوج أفرادها أساساً) كأنّ جدراناً وحواجز لا مرئيّة تفصل بينها، تفصل بين الآخر والآخر القريب المجاور: آخر الدّاخل، أو عدوّ الدّاخل، الذي يشار إليه بالبنان، في صمت، وبنوع من الإجماع الغريب.
وابتدأنا هذه السّلسلة بالحديث عن شتّى أنواع العنصريّة، التي نعيشها في مجتمعاتنا، ولا نتحدّث عنها في الغالب، لأسباب أوّلها، عدم وجود قوانين تمييزيّة ضدّ مستهدفيها، مع وجود حواجز تضعها العقليّات والممارسات الواعية أو اللاّشعوريّة. وثانيها، أنّنا مهتمّون دائما بالعنصريّة الموجّهة ضدّ العرب أو ضدّ المسلمين.

نحن لا ننكر وجود هذه العنصريّات التي تستهدفنا أفراداً ومجموعات، ولكنّ اعتقادنا الرّاسخ هو أنّنا يجب أن نسائل أنفسنا أوّلاً، في الوقت نفسه الذي نسائل فيه الآخرين. فطالب الحقّ يجب أن يعترف بحقّ الآخرين في هذا الحقّ نفسه، والطّامح إلى تغيير العالم يجب أن يبتدئ بتغيير نفسه أوّلا، حتّى يثبت شرعيّة مطلبه، ويضمن عدم غدره بمبادئه.
وحتّى نتجنّب العموميّات الخشبيّة، رأينا ألا نغيّب العنصريّات المختلفة في ملفّ واحد، وأن نشرع أوّلا في الحديث عن العنصريّة ضدّ السّود كما نعيشها نحن.

من منّا لا يعرف فرداً من أفراد أسرته لا يجاهر باحتقار السّود، ومن منّا لم يسمع الجملة التي يتندّر بها بالفرنسيّة: «لست عنصريّاً.. لكنّني لا أحبّ السّود»، في صيغة واضحة أو مبطّنة؟ من منّا لم يشهد وقائع منافية للحقّ في الكرامة والمساواة، تعرّض لها أشخاص ليس لهم من ذنب سوى لون بشرتهم، فهي سوداء أو سمراء، أو أكثر سمرة من «المعتاد»؟ لماذا تغيب في بلداننا القوانين التي تجرّم الاستهزاء العنصريّ أو التّحريض على العنصريّة؟ ولماذا لا نرى في العالم العربيّ مسؤولين، في أعلى الهرم السّياسيّ، من ذوي البشرة السّوداء، على الرغم من وجودهم في مجتمعاتنا؟ ولماذا لم تحرّك مجازر دارفور ساكناً في شعوبنا؟ ولماذا نشهد بعد نجاح أوباما في الانتخابات الأمريكيّة المرحّب به عموماً تدفّقا لأدبيّات أشراط السّاعة، التي تتحدّث عن «ذي السويقتيْن»، يأتي من الحبشة ﻟ «يخرّب الكعبة»؟ من أين خرجت هذه الأدبيّات، إن لم تكن قابعة في أعماق ذاكرتنا، من دون وجود تراكم ثقافيّ وحقوقيّ يجعلنا نتركها، على أنّها إرث ابتعدنا عنه ولم نعد نريده؟ وماذا عن تواصل الرّقّ التّقليديّ الصّريح أو المقنّع في بعض ربوعنا؟ وماذا عن الاعتراف بدور العرب في تجارة العبيد، التي أسرت النّفوس، وأزهقت الأرواح، وأسهمت في مسار تفقير القارّة السّوداء ونكبتها؟

ماذا فعلنا في منظوماتنا التّعليميّة، من أجل مناهضة العنصريّة والحديث عن ماضي العبوديّة التي كرّسها «أجدادنا»؟ وهل اجتهدنا في تغيير لغة تخاطبنا، التي لم تختف منها كلمة «عبد» (في الخليج والمشرق) وكلمة «وصيف» (في بلدان المغرب)، لتسمية الذين ولدوا سوداً؟ أيّ رواسب ذكورويّة وأيّ دوافع عميقة تفسّر وجود هذه العنصريّة واستمرارها؟
ليست العنصريّة ضدّ السّود قضيّة مفتعلة أو ثانويّة، لأنّها تتسبّب في الكثير من الآلام، وتتسبّب في تواصل عمليّات النّسيان والكبت الخانق. جميع القضايا العادلة تتساوى، وكلّ أنواع الجور واللاّمساواة يجب أن تحظى بالاهتمام نفسه.
فتحنا هذا الملفّ للشّهادة والذّكرى، والبحث والتّحقيق، حتّى نتّخذ المسافة الإبداعيّة النّقديّة من ثقافة «لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه»، وهي ثقافة ما زالت تسكننا، وحتّى نوسّع مجال تسمية العنف الهادئ، الذي يسحق النّفوس، من دون أن يسيل الدّماء. إنّه مجال آخر من مجالات ما لا يحتمل، أو ما لم يعد بالإمكان احتماله.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق