سلسلة كراسات الأوان: الشرف وجرائمه

{{ شارك في كتابة هذا الكراس:}}

رجاء بن سلامة، رزان زيتونة، عمر قدور، غسان المفلح، ميشال شماس، محمود عبد الله، منى أسعد، نبيل ملحم.

{{[*من المقدمة*]}}

{{بقلم: رجاء بن سلامة}}

أرقام مخيفة، لها لون الدّم المهرق، تقول إنّ حوالي 5000 فتاة وامرأة تقتل سنويّا في ما يسمّى بالعربيّة وباللّغات الأوروبّيّة «جرائم الشّرف». لا يهمّنا الآن مصدر هذه التّسمية وتاريخ ظهورها، بل يهمّنا أنّ هذه الأرقام تشمل أغلب القارّات، وأنّ لبعض البلدان العربيّة والإسلاميّة نصيب الأسد فيها..

جرائم يقترفها الذّكر، الأب أو الزّوج أو الأخ، أو الأسرة مجتمعة ضدّ فتاة أحبّت شابّا، أو تحدّثت في الهاتف، أو تزوّجت من خارج طائفتها، أو رفضت إكراهها على الزّواج، أو ضدّ زوجة أقامت علاقة مع رجل آخر أو خيّل لزوجها الغيور ذلك.. الأمثلة والشّواهد والمشاهد المفزعة كثيرة، تنطق بها مقالات هذا الكرّاس، ويضيق عنها هذا التّقديم..

المشكل الأوّل في هذه الجرائم مدنيّ، فمقترفوها يغيّبون القانون والعدالة، ويرفضون الثّالث الضّروريّ في كلّ تكوين بشريّ حضاريّ، بحيث يشتغل منطق الانتقام في أبشع صوره بين طرفين اثنين لا ثالث لهما يفتح مجال منطق آخر. القاتل يكون خصما وحكما، ومنفّذا للعقوبة بيده.

المشكل الثّاني مدنيّ حضاريّ حقوقيّ، وهو أنّ هذه الجرائم تقوم على تصوّر عتيق لتبادل النّساء: جسد المرأة ملك لأهلها أو لزوجها، ولا يحقّ لها التّصرّف فيه بإرادتها.

المشكل الثّالث أخلاقيّ، فجرائم الشرف تنتمي إلى نظام أخلاقيّ يحصر معيار الشّرف في السّلوك الجنسيّ للإناث. فالّرجل يكون شريفا إذا كانت إناثه ممتنعات عن إقامة علاقات جنسيّة لا يريدها ولا ترتضيها الأعراف. يكفيه هذا النّوع المريح من الشّرف، ويُعفيه من شرف العفّة عن أموال الآخرين وأعراضهم وشرف احترام حقوق الآخرين، وشرف النّهوض بأعباء الأسرة أو بواجبات المواطنة.. هذا المشكل أثارته الأدبيّات النّسويّة العربيّة منذ عقود، ولا بأس من إثارته مجدّدا.

المشكل الرّابع قانونيّ قضائيّ وهو تواطؤ أجهزة الدّولة وتواطؤ القضاء في بعض البلدان، عندما تخفّف عقوبة القاتل.. وينظر إليه بعين العطف والحنين، وكأنّه بطل يذكّر بمآثر الماضي ونقاوته، إلاّ أنّ عيبه الوحيد هو التّهوّر وعدم التّريّث…

المشكل الخامس إيطيقيّ-أخلاقي مفتوح على الأسئلة الرّاهنة: فهل من مبرّر لوجود الوسائل العتيقة في مراقبة أجساد النّساء، في عصر تأكّد فيه افتراق الجنسانيّة عن الإنجاب، وافتراق الأنوثة عن الأمومة، وأصبحت فيه موانع الحمل متاحة، وزال فيه شبح اختلاط الأنساب الذي كانت ترهبه المجتمعات القديمة، بعد أن غدت الصّناعة الطّبّيّة قادرة على معرفة ما كان محلّ شكّ وهوس: من أين جاء هذا الطّفل؟ كان الآباء يجيبون: ابني إن صدقت أمّه. الآن يجيب الطّبّ، إذ بات هو الأقدرعلى طمأنة نفوس المتشكّكين ممن يحرصون على القرابة البيولوجيّة أكثر من حرصهم على التّبنّي والتّآلف والعلاقة الإنسانيّة الرّوحيّة الباقية رغم تعدّد الرّغبات والعلاقات..
ولكنّ جريمة الشّرف المقترفة يجب ألاّ تحجب عنّا جرائم الشّرف التي لا ترى رؤية العين.

فلا يفوتنا أن نشير إلى وجود جرائم شرف لا تعدّ جرائم لأنّها ترتكب باسم الشّرائع المنزّلة، منها عقوبة رجم الزّانية التي تطبّق إلى الآن في بعض المناطق العربيّة والإسلاميّة، رغم ما فيها من ضراوة وقسوة ووحشيّة يرتجف لها القلب.
ولا يمكن أن يفوتنا وجود جرائم شرف تقترف ضدّ النّفوس والأجساد دون أن يصل الأمر إلى القتل الواقعيّ: الجرائم التي تمنع من اختيار الشّريك والقرين، ومن التّزاوج بين حاملي الأديان والمذاهب المختلفة، وتحرم الفتيات الرّاشدات من حقّهنّ في حياة جنسيّة كريمة. كريمة بمعنى أن تكون المرأة فيها ذات كرامة: أي غاية في حدّ ذاتها، لا وسيلة للإنجاب أو لإثبات شرف الذّكور من حولها. ذات كرامة بمعنى أنّ لها الحقّ في منح جسدها لمن تختار وتحبّ وتصطفي.. وذات كرامة بمعنى أنّ جسدها لا يقايض بالمال، سواء تعلّق الأمر بالدّعارة أو بالدّعارة المقنّعة من زواج متعة أو مسيار أو غير ذلك من الصّيغ العلائقيّة التي تؤبّد النّفاق الأخلاقيّ الدّينيّ، وتؤبّد الزّيف والكذب وعدم نهوض البشر بأعباء بشريّتهم: أعباء الرّغبة والنّقص والحبّ والافتقار إلى الآخر..

لم نفتح ملفّاً حول جرائم الشّرف في الأوان، إنّما أردنا جمع هذه المقالات التي نشرناها قصد المساهمة في نشر الوعي بالظّاهرة، والمساهمة في بناء تصوّر آخر للشّرف، غير التّصوّر الذي تكرّسه التّقاليد البالية: بالية لأنّها تبلي الأجساد والنّفوس، وتنتج آلاماً لا مبرّر لها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق