سلطان الــ Big Brother؟ – واسيني الأعرج

إن الروائي العربي كغيره من كتاب العالم، منشغل بالعالمية التي تدفع بجهده الإبداعي من دائرة الضيق إلى دائرة أكثر تعقيدا وانفتاحا وإنسانية. قد يبدو هذا الكلام بسيطا وربما مسطحا في شكله، ومع ذلك فهو يقدم مجموعة من المحددات المسبقة. فسؤال العالمية الذي تطرحه الرواية العربية على نفسها بشكل متواتر، أمر مشروع؛ لأنه محاولة أولية لتحديد وضعها في سياق الرواية العالمية وأي مسلك عليها أن تسلكه لتصبح جزءا من الذاكرة الجمعية الإنسانية؟ أي جهد عليها أن تقدمه لكي تصل إلى الاعتراف بها كمنجز إنساني وليس كمجهود فردي أو جماعي مرتبط بمحلية تضيق الخناق أكثر مما تدفع بالرواية نحو وضع اعتباري يليق بها.

السؤال إلى هذه اللحظة مشروع، بل وطبيعي ولا تتفرد به الرواية العربية وحدها، بل كل الروايات في البلدان المأزومة، التي تنتظر اعترافا خارجيا. لكن السؤال سرعان ما ينزلق عن حدوده الموصوفة عندما يفترض العالمية كحل لكل المعضلات الأدبية وكمآل ضروري وإجباري لكل نص يتوخى الانتشار وكأن العالمية، كما يفترضها النقد العربي والكاتب نفسه، خاضعة فقط لغنى النص وحده ولقيمته الرمزية والأدبية. أي أن النص الروائي هو المحدد الأساسي للقيمة الإبداعية وبالتالي للاعتراف. تأمل بسيط يعيدنا إلى الاعتبارات الخفية التي تتحكم في القيمة المفترضة، تتجاوز القوة النصية المحتملة. يمكن اختزال هذه الاعتبارات في أهم تجلياتها الظاهرة على الأقل:

أولا: تمركز الاعتراف وشرعيته في يد قوة واحدة نسميها اليوم أمريكا، أوروبا أو العالم الغربي بشكل عام. يقع النص الروائي العربي بين تقاطبين، قوة تمتلك كل شيء بما في ذلك سلطة القرار السياسي والإعلامي، وتابعهما القرار الثقافي، وجهة أخرى، التي هي نحن أي الشرق، الذي خطط له في زمننا الحديث، منذ اتفاقية سايكس بيكو، أن يظل في دائرة التخلف والتقسيم المتواتر. شرق لا يملك شيئا يذكر بالمعنى الحاسم، الكاتب فيه منشغل بحروبه الأهلية وحروب الإخوة والجيران وقهر أنظمة متهالكة لا شيء فيها يطمئن، تعيد إنتاج صورها القديمة بقليل من الذكاء وكثير من الفتك حتى أصبح حلم التغيير أمرا مستحيلا في ظل ما يحدث في المحيط من حروب أهلية فرضت كبدائل وحيدة.

ثانيا: الإمبريالية الإعلامية أصبحت سلطة متعالية على كل شيء وفوق أية سلطة نقدية وعابرة للقارات عن طريق الصورة التي أصبحت في يدها بامتياز. فهي المحدد الأساسي ليس فقط لمساحات النقاش Les Espaces de Débats، كما يقول محمد أركون، ولكنها صارت أيضا محددة للقيمة بما في ذلك الأدب، وهذا أخطر شيء. القيمة هي ذات دلالات رمزية أكيدة، وعندما يسجن الرمز داخل إرادات أخرى، فكل ما يحيط بنا من رموز قيمية بما في ذلك الأديان والتاريخ والماضي والحاضر يجد نفسه في عمق الدائرة نفسها. عندما يتم التغلغل في عمق الرمز أي في داخل المنتَج الحميمي، فهذا يعني أن قنبلة داخلية يتم التحضير لها ولا أحد يعلم توقيت انفجارها إلا الذي خطط لها مثلما حدث ويحدث في العراق. فعندما يتم احتلال الرمز ويتم تأويله بحسب الرغبة والحاجة، لن يحتاج الاستعمار الحديث لأي تدخل لأننا سنأكل أنفسها بوسائلنا الأكثر فتكا وندمر الرموز التي تجمعنا ونتفكك لنصبح قبائل وشيعا متقاتلة متذابحة.

ثالثا: قد لا تكون المسألة لدى بعضنا بكل هذه القتامة، لكننا عندما نقرأ الأعمال الروائية العالمية التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة على الثقافة العربية وعلى أكثرنا حذرا وصرامة، ويتحول نقدنا إلى وسيط مثالي لتمرير خطاباتها بكثير من الإصرار، ندرك إلى أي حد صارت المخاطر الثقافية في عمق الرمز نفسه أي في صلب النظام الذي يحدد القيمة كانتماء للعالم ليس بالمعنى الإيجابي ولكن بمعنى فرض النموذج الذي كثيرا ما يرتبك أمام الخصوصية الثقافية. لا يتعلق الأمر ههنا بالأعمال الإنسانية الكبيرة والمتميزة ولا بالكتاب الكبار الذين اختاروا صف نقد الطاحونة الكبيرة التي يسهر على مراقبتها باستمرار الأخ الأكبر The big brother (كما في رواية لجورج أورويل 1984) الذي يتتبع كل الأنفاس والحركات ويخفي ما يشاء ويدفع إلى الواجهة بما يشاء كذلك، ولكن بالأعمال الروائية خصوصا التي تفبركها وسائل الإعلام وتعلبها وتقدمها كبدائل فعلية للأدب الكبير والإنساني. قد يكون للتجارة سلطانها في مثل هذه العمليات، ولكن من قال إن التجاري مفصول عن السياسي بشكل دائم؟

نشر في الخبر في 3/4/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق