سلطة الموتى: جثث ممتعة وأحياء قلقون!

اعتمدت قصص الرعب في كثير من الأحيان على ثيمة واحدة، هي رفض الموتى(أرواحهم) الخروج من هذا العالم، ولذلك يتحولون إلى أشباح تعيث فسادا في المكان وتزعج الأحياء حتى تجبرهم على الخضوع لها أو إنهم يفارقون الحياة، لكن حالة الشبح اللامرئية لا تنجز الأثر التشويقي في حقل السينما كما فعلت في النص الحكائي المقروء، بسبب هيمنة الوجود المرئي في هذا الحقل الحديث من الإبداع، لذلك تفنن مخرجو الأفلام وخاصة الهوليودية، في ابتكار الأجساد المتعفنة والمتآكلة لتصوير الموتى الذين يرفضون الانسحاب إلى العالم الآخر، وتكرار هذه الثيمة في القصص والسينما ومن ثم في التلفزيون يحرض على تأويل أهميتها في الفكر والمخيلة المعاصرة للغرب، نفسيا واجتماعيا وثقافيا.

قد تفسر صراعية الابن_ الأب الفرويدية، ثيمة أشباح الموتى في فعالية الكبت الذي يحول الوجود الأبوي إلى صيغة كابوسية، يمثل الحلم فيها برزخا بين العقلانية والجنون، مثلما يمثل الشبح أو الجسد المتهدم وضعا برزخيا بين الحياة والموت، إن رفض الأشباح(الآباء) للموت في فن الرعب، هو تعبير انعكاسي عن رغبة الأبناء (الأحياء) في التخلص من السلطة الأبوية، عبرعملية الإقصاء أو القتل الذي يضع نهاية لوجود الشبح- الصورة العنيدة للأب الذي يرفض التخلي عن سلطته حتى بعد مغادرة الحياة ويبقى ماكثا في لاشعور الابن.وبالمثل قد يفرض التأويل الفلسفي، فهما صراعيا لعلاقة الحداثة بالسلفية، في موازاة صراع الأحياء_ الموتى، لتغدو ظاهرة الموت ضرورة وجودية للعبور نحو الجديد، فالتأكد من قتل الماضي عبر تفتيته ودفنه شرط أساسي لإنتاج المستقبل، وفعل التأكد يتحقق عبر عملية النبش لتٌظهر(علنا) الجسد الميت وقد نهشته الديدان وروائح العفن والتحلل تنبعث منه، حينها لا يخضع الغياب لأي نقاش سفسطائي، وربما لهذا السبب تعمد بعض المجتمعات إلى حرق الموتى، فهي بذلك تحفظهم من فضيحة التحلل والعفن، ويسمح اللهب والدخان المتصاعدان بطرح تصورات متعددة عما سيؤول إليه الشخص الميت، فعملية النبش وإخراج الجثة تطيح بالهالة المقدسة التي يمكن أن تلصق بأي إنسان، لذلك كان نبش القبور أقسى انتقام يمكن إلحاقه بجماعة ما وبتراثها، ولكن ستكون تلك القسوة موجهة أساسا إلى الأحياء من خلال تدمير صورة أسلافهم الموتى، وهكذا يكون نبش القبور عملا عنصريا في الفهم المعاصر أكثر مما هو عمل انتقامي يائس ضد شخص افلت من العقاب ولهذا السبب دفن بعض الأشخاص سرا.
لكننا نجد مجتمعات أخرى تقدس الموتى إلى حد العبادة باعتبارهم يسكنون مع الآلهة، أما النمط الشرقي من التقديس القائم على مكوث الروح إلى الأبد فهو يعني استمرارية تأثير هؤلاء الموتى في الحياة بفعالية تفوق قدرة الأحياء، لأن تحررهم من الجسد يتيح لهم حرية اكبر في الحركة وقدرا اكبر من المعرفة باعتبارهم على تماس مع عالم الغيب الذي يدير شؤون عالم الحضور.

الواضح أن الطريقة الغربية في تحويل الموتى الذين يرفضون مغادرة الواقع إلى ثيمة إمتاع وتسلية عبر فن الرعب، هي طريقة ناجحة شعبيا في إحداث الفجوة المناسبة والضرورية لتمكين الأحياء من إدارة أمورهم بعقول تنظر إلى الأمام أكثر مما تلتفت إلى الخلف، رغبة في إشارات دالة توضح الطريق، أو نصائح وحكم تحدد المسارات المستقبلية للمجتمع، فعملية قتل الأب التي أسست للفعل الإبداعي( حسب فرويد) هي بداية التحرر من سلطة الموتى وكل السلطات الأخرى التي تركوها ورائهم، وبداية المغامرة في المجهول ـ العالم، بما يسمح للذات بالتجلي في أوسع مدياتها، بالخلاص من سلطة ووصايا السلف، الذي يتم عبر إصدار فهم علمي دقيق يرى في الإنجاز السابق، انجازا قاصرا ومحدودا، بدليل عجزه عن توفير إجابات نهائية وصالحة على أسئلة الحياة، وأي تذرع بإنسانية تلك الإجابات يعني أن للإنسان الراهن نفس الحقوق والمصداقية في توفير إجاباته الخاصة، وهي في كل الأحوال لن تكون بأقل احتمالية ومصداقية من إجابات الماضي، إذا ما أخذناها بصيغتها العامة، لا كما تحتفل بها الكتب المدرسية.

من بين ما يسببه الاحتفاء المزمن بالموتى في الشرق الأوسط من معرقلات لحركة المجتمع، هو رفض أي فكر الاعتراف ببلوغه سن اليأس ومن ثم الاستعداد للموت مفضلا احتضارا طويلا وداميا، على الدخول الهادئ إلى تأريخ الفكر وتراث الإنسانية، كشيء حدث وانقضى، كما هي سنة الحياة، مما يشكل احترافا مزمنا لتقنية الأحياء، منذ الغزالي في (إحياء علوم الدين) وحتى الفكر القومي الراديكالي الشمولي الذي يفضل إحراق المنطقة على الرضا بلقب الحاكم السابق ويسعى بجهد سيزيفي لإنتاج أصول مميزة لها ارثها الفريد الذي لا يموت وله الحق في إدارة الحياة إلى الأبد لأنه تراث الأمة _ الرسالة الخالدة، وبالمثل فأن الفكر الطائفي يبقى محتفظا بالجثث في الهواء الطلق للسياسة والمجتمع مطالبا بحقوقها كاملة في صيغة تعويضية تمنح الأحفاد والأتباع حق التمتع بالتركات، التي تؤول إليهم ليس باعتبارهم الورثة بل على أنهم الامتداد الحي.حتى ابن خلدون الذي أسس فكرة الموت في بناء ووجود الدولة، وبالتالي في النهج السياسي وفي الحضارة تحاشى تمديد فكرة الموت إلى حقل الفكر، حيث ابتكر هيجل هناك، الفكرة المضادة التي تفتح الطريق إلى موت الفكرة الأولى من خلال عملية الصراع والتزاوج ـ الاغتصاب لتولد الفكرة الجديدة، ليكون الإنسال الفكري في موازاة الإنسال البشري، مما يهيئ لتقبل مشهد انسحاب الأفكار وبالتالي انسحاب البشر الموتى من الفعل اليومي.

إن إصدار قرار الموت بحق الأفكار وبالتالي تغييب صناعها يبدو أحيانا أمرا مستحيلا، بل تستدعي محاولة المساس بأي رمز(شخص ميت) سيلا من حالات العنف، ليبدو إصدار حكم الموت على الأحياء أسهل وأخف وقعا من الإقرار بموت بعض الأشخاص، لتبدو الحياة هنا أمرا مشوشا، بتأثير ما بعد الحياة الذي يكون اشد تأثيرا في صياغة الواقع من خلال قدرته التحشيدية، لتنتج صورة مضادة للأسطورة الرافيدينية التي اعتبرت منطلق الصراع هو إقلاق الأحياء للموتى، أو للغائبين في العالم الآخر، حيث تستيقظ تيامت بسبب الضجيج الذي يسببه أبناؤها فتحاول قتلهم لإعادة الهدوء إلى العالم، هنا يتم تدمير الصورة التي أشاعتها الديانات بعد مرحلة الأساطير. بل وتسجل علاقة مختلفة بين الأحياء والموتى، وربما تشير إلى أن محاولات الأحياء لاستخدام الموتى في صراعاتهم هو إيذاء وإقلاق للموتى أكثر مما هو تبجيل لهم.

إننا محاصرون الآن بجثث من مختلف الاتجاهات، الكثير من الجثث التي تطالب بحقوقها وتضغط على الأحياء بطريقة تقنعهم أن الموت هو الخلاص الوحيد، بل إن الموت (كوصف) هو مصدر قوتها، فهل تكمن هنا قوة الفكر الانتحاري ـ الاستشهادي، الذي تفوق على كل خطاب يحتفي بالحياة مهما كانت درجة إقناعه؟

الرعب الحقيقي الذي يسببه الموتى في وقتنا الراهن أنهم نجحوا، كما يحدث في قصص وأفلام الرعب، في السيطرة على عقول وأرواح الكثيرين من الأحياء بطريقة تدفعهم إلى إشاعة الموت كنمط يومي، حتى تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، ويصير التراسل بين الطرفين امرا محتملا وربما عاديا حيث تندلق المثيولوجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق