سلمى طراد… التماعة بيروتيّة

في إحدى ضواحي باريس، وفي زاوية منسية من مرقد سالف الأيام، انغلقت نوافذ حسّ سلمى طراد بالعالم في الثاني والعشرين من كانون الأول سنة 1909. تتلامح من صورتها المنشورة في صحيفة قديمة تحولاتُ نظرةٍ ساهمة، ومرتسمُ ابتسامة على وجه عارٍ من نقب وحجب نساء تلك الأحوال.

بشكل عام، يمكن القول أنّ المراجع التي عنيت بسير أعلام النهضة العربية أسقطت من حساباتها الأغلبية الساحقة من النساء الفاعلات في ذلك الزمن. أما تلك التي خصصت صفحاتها للأعلام النسائيّة والنسويّة فلم تولي عنايتها بالناشطات اللواتي توفين في أوان الصبا كسلمى طراد، أو لم تبذل جهدها مع اللواتي كتبن دون توقيع، وتركن بصمات ودلائلَ هويتهن بين السطور وهنَّ يعدن صياغة الذات.

رغم ضياع معظم الصحائف التي خُطّت عليها أفكار سلمى طراد، تتناثر شظايا من الذكرى هنا وهناك بين طيّات الورق في الدوريات الصحفية، تركز عليها ككاتبة ورائدة للخطابة من بين النساء في “الديار السورية”.

ولدت سلمى طراد في بيروت شباط عام 1891. تلقت تعليمها في مدرستي “ثلاثة أقمار” و”زهرة الإحسان”، تميزت بالتفوق واشتهرت مبكراً بموهبة التمثيل، فمارست نشاطها الفني على الركح المدرسي لهذه المؤسسات التعليمية، أما ولوجها الفضاء المسرحي للجمعيات الأدبية فهو احتمال لم يتم تأكيده بعد؛ وكان لموهبتها هذه إضافة لأفكارها النهضويّة، وحس التحدي الذي عرفت به على حداثة عمرها، تأثير عميق في مقدرتها على مواجهة الجموع، ورفع صوتها النسوي تطالب بالمساواة في الحقوق من على منبر الجمعيات التنويرية المتنوعة، كجمعية “شمس البر” التي عرفت سدتها حواراً اجتماعياً وأدبياً ونسوياً مهماً في تاريخ مثيلاتها من الجمعيات.

على الأغلب كانت سلمى طراد أول فتاة بيروتيّة تكتب كلماتها وهي تفكر بتناهي وقع الحروف وارتجاف النبرة في سمع المتلقي، وهو يتطلع لامرأة خطيبة تغرس في العقول علامات المختلف المفارق لعصره، وتكوّنُ أسباب النماء والنهوض.

من جانب آخر، من المحتمل أن عزفاً موسيقياً، خاصة على الآلات الوترية، كان يسبق أو يلحق بالخطب الملقاة في الجمعيات والمنتديات الأدبيّة، وهنا يبدو أمر التكهن بأن سلمى طراد كانت تفكر بانبثاق حضورها السافر بالتناوب مع صوت الموسيقى أمراً ممكناً، وكأنّ المرأة فيها تؤكد على تغلغل المكاني والزماني في الجمالي.

تركت سلمى طراد، على قصر عمرها، أثراً في نساء بيروت من الفئات الاجتماعية الوسطى مطلع القرن الماضي. وآن أُبرق بخبر وفاتها بداء السل إلى “سلالم الشرق”، كانت مجلة “الحسناء” في انتظار وصول صحائف محبرة بخط يدها للنشر، فكتب جرجي نقولا باز: “ورد إلى الحسناء نعي هذه الفتاة البيروتيّة الكريمة في حين كانت ترجو لقاء شيء منها تزين به صفحاتها أسوة برصيفاتها الكاتبات فساءها أن يكون اسمها مذكوراً فيها للمرة الأول مطوقاً بالسواد. أحزنها أن تكون كلمتها عنها أكليلاً للوداع لا باقة للاستقبال. كدّرها أن تحرم من بنات أفكارها شيئاً تنشره لها وهي حية. عزّ عليها أن تخسر الأمة فتاة ترجو منها خيراً عميماً. آلمها أن تثكل الأم ويلتاع الشقيقان وتحزن الصديقات ويتكدر المعجبون. أثّر بها موت الذكية الجرئية المطالبة بحقوق النساء بجرأة الرجال”(1). وبناء عليه أقامت إدارة “الحسناء” حفل تأبين لها في شهر كانون الثاني 1910 في النادي العائلي ببيروت(2).

وللأثر القوي الذي تركته سلمى طراد في معاصراتها، لم يكن من المستغرب أن الشابة سلمى صايغ (1889-1953)، التي تقاسمت معها الاسم الأول وتوجه المرحلة النسوي نفسه، حين أطلت على منصة “شمس البر” في كانون الثاني عام 1911، لتلقي خطبتها المعنونة “الأرواح النائمة” بدأتها قائلة: “منذ ثلاث سنوات وفي مثل هذه الليلة ناجتكم من على هذه المنبر روح طاهرة سامية، تلك كانت سلمى طراد. ربما تسوؤكم ذكرى الأموات بين رنات الأوتار الموسيقية ولكن ألا يجدر بي قبل أن أبتدئ أن أحيي ذكر أول بيروتيّة فتحت طريق الخطابة للبيروتيات؟ تلك التي كانت من مؤسسات النهضة النسائية في بيروت، والتي لا يزال صدى صوتها يرنُّ في آذانكم إلى اليوم، فألف سلام على روحك يا سلمى”(3).

وبمناسبة مرور مئة سنة على وفاة سلمى طراد تفسح ذاكرة حداثة “موقع الأوان” المجال لاستعادة مادتها المعنونة “فتاة سورية”، والتي خطتها فيما يبدو أثناء وجودها في عاصمة النور بعد استعادة الحياة الدستورية في الإمبراطورية العثمانيّة، وفيها تعقد أواصر التفاؤل وصلاته بين حاضرها والمستقبل:

{{[*فتاة سورية

لفقيدة الآداب المرحومة سلمى طراد*]}}

ألبسوا جسدك الأطلس والحرير وكللوا رأسك بالجواهر وطوقوا معصمك بالماس والياقوت وأغرقوا رجليك في السجاد الناعم وملأوا جوفك بالمآكل الشهية وأقاموك على بسط الراحة محاطة بالخدم والحشم وجعلوك في شرعهم أسعد المخلوقات، ولكن كل هذه المظاهر الغرارة والسعادة البراقة لم تمنع دمعةً سقطت من مآقيك وبللت نقابك الجميل وقد تلتها دموع وتنهدات.

لعينيك يا فتاة سوريا ما الذي يبكيك ويثير أشجانك؟ إن تكسر أجفانك يغشي ما تخبئينه من الأحزان.

وما معنى هذه الدموع التي تنحدر لؤلؤاً من عينيك الجميلتين؟ أتبرد هذه القطرات القليلة حرارة فؤادك المشتعل؟

تتأوهين من ظلم البشرية الفاسدة ويحق لك أن تفعلي. ولكن مهلاً يا فتاتنا اللطيفة ولا تحزني. إن الدمعة التي تذرفينها اليوم ستتحول إلى نار يندفع سعيرها إلى قلوب من أحرقوا فؤادك ودفنوك في ظلمات الشقاء.

أنتِ مظلومة ومقيدة وظالموك هم أنصار الاستبداد وأعداء العلم.

حجبوك ضمن قفص مظلم وختموا على أفكارك وأماتوك وفيك روح النشاط ونشاط الحياة وحرموك لذة العلم والعرفان فقضيت شهيدة ظلمهم وضحية استعبادهم.

كل ذلك وأنت لا تزالين راقدة في أحضان الخمول لا عزاء لك غير البكاء ولا نصير غير التذلل، ولكن دمعك وتذللك لا يفيدانك شيئاً، فانهضي وسيري إلى الأمام بقدم ثابتة وفؤاد غير هياب ولا وجل، فذلك هو الضامن الوحيد لفوزك ونجاحك.

سيري إلى الأمام بكل قواك وأطلقي لفكرك العنان فالجرائد تفتح لك صدرها ترحيباً. تشجعي ولا يهولنك أعداء العلم فكل يعمل لمصلحة نفسه.

يهمني كثيراً يا سيدتي أن أراك سائرة على طرق الإصلاح. إن لك من قوة ذكائك وعلو مداركك ما يضمن لك الفوز، فلا تتقاعدي عن العمل واذكري بأنك خلقت لتكوني حرة وآسرة لا مقيدة وأسيرة.

أملي منك أن تعضدي صوتي الضعيف وتجيبي ندائي، فغايتي الوحيدة أن أراك مساوية في الحقوق ريثما يجتمع شملنا فلا تطيلي عليهن الانتظار واذكري بأن أيديهن ممدودة لمعونتك وانتشالك مما أنت فيه من البؤس والشقاء فالله ينيلنا وإياك الغاية التي نسعى إليها ويكلل أعمالنا بالنجاح.

أنتِ يا فتاة سوريا حياة الوطن وروح الأمة جددي بنشاطك هذه الحياة وأحيي ميت الآمال واستعيضي في المستقبل عما خسرته في الماضي المظلم لقد أنالك بنوك الحرية فلا تضني بها على بناتك بل ساعديهنَّ كما ساعدنك وشجعيهن على تأليف الجمعيات المفيدة لصالحهن.

نتوقع الإصلاح منكِ وليتنا نحيا لنعلم ما يجيء بهِ الغد

(الحسناء، مج2، ج1، بيروت، تموز 1910)

{{الهوامش:}}

(1) الحسناء، مج1، ج8، بيروت، ك2 1910.

(2) في حفل التأبين ألقى الياس حنيكاتي قصيدة نذكر منها الأبيات التالية:

لا تسل عن مدامع الحسناء كيف تجري بل عن دموع السماء

وما نعتها أنباء باريس حتى راعت السمع كهربا الأنباء

زهرة غضةٌ أريج نهاها كان مسكاً معطرَ الأرجاء

قد تلاشت في شهر كانونَ لكن بات كانونُ محرقَ الأحشاء

أين عيناها تنظران العذارى كيف أمسين بعدها في بكاء

يتشاكين رزءها صائغاتِ من دموع الأسى عقود الرثاء

نائحات كالورق حزناً عليها جازعات لفقد ذات الوفاء

أين ذاك اللسانُ ينشي التعازي في مصاب أضاع كل عزاء

أين بل أين غادة العلم أمست بعد إنفاق عمرها في العناء

ذهبت في سبيل من قد تولوا قبلها من أمثالها الأدباء

سيما أختها حنينةُ من قد قصفت مثلها بشرخ الصباء

(3) الحسناء، مج2، ح7، بيروت، ك2 1911.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق