سمــر على ضفاف نهر السان

هرول صاحبنا الشيخ بعد أن وضع حقيبته في فندقه المعتاد بشارع سان ميشال إلى مقهاه المفضل بساحة السوربون بالحيّ اللاتيني، وأخذ يمعن النظر في خصائص الصيف الباريسي القايظ، وبعد المتمتعين بسهراته عن هواجس الأزمة الاقتصادية العالمية، فالمقاهي والمطاعم مكتظّة، وترى بعض روّادها يقفون صفوفا في انتظار شغور بعض الموائد، وتبحث العين الفاحصة عن الباريسيات الحقيقيات فلا تعثر لهنّ عن أثر يذكر في موسم الصيف، يتوارين لتبرز ظاهرة السياحة الدولية بعد أن أسقطت العولمة الحدود والمسافات، فالشارع الباريسي يصبح يتكلّم الصينية واليابانية، والهندية والعربية، ولغات شرق أوروبا، وهذا الصنف الجديد غيّر طقوس اللباس، وخاصّة في فصل الصيف، فصل تبرّج المرأة، فأصبح من النادر أن ترى إمرأة أنيقة فيما عرفته من مقاهي البورجوازية الباريسية، فجلهنّ تحرّرن من الملابس الأنيقة، واكتفين بالحدّ الأدنى الضروريّ، بل تحرّر البعض حتى من هذا الحدّ الضروري بشتى الحيل.

فاجأ صاحبنا صوت أحد المغنّين الشيوخ، مترنّما بأغاني حقبة الخمسينات، متّخذا من ساحة السربون مسرحا له ذكرته بتقاليد عريقة تنتشر في فصل الصيف أمام المقاهي الشهيرة في الحي اللاتيني، وسان جرمان بصفة خاصة، وهكذا رجعت به الذاكرة إلى منتصف الخمسينات مقارنا الصورة الباريسية التي شاهدها لأوّل مرّة بصورتها اليوم، وقد مرّ عليها أكثر من نصف قرن مليئٍ بالأحداث الكبرى وطنيا، أوروبيا وعالميا.

* * *

عادت الذاكرة بصاحبنا إلى منتصف الخمسينات ذاكرا رفاق الأمس الذين جلس معهم في نفس المقهى، وقد انتسبوا إلى تيارات فكرية وسياسية متباينة، ولكن جمع بينهم حلم الاستقلال وبناء دولة وطنية حديثة تحقّق الحريات، والتقدّم والعدالة الاجتماعية، وقد دفع كثير منهم ثمنا باهظا في النضال من أجل إنجاز هذه الأحلام فعرفوا المنفى والمحاكمات والتعذيب لمّا سقطت الأحلام، وتحوّلت دولة الحريات والحداثة إلى دولة قامعة تلجم الأفواه، وتقطع الرؤوس والأرزاق.

وتذكّر كذلك السجال الفكريّ السياسيّ الذي كان يدور على قاب قوسين أو أدنى من هنا في المطعم الجامعي لأبناء المغرب العربي، 115 شارع سان ميشال، ومرّ بها صاحبنا قبل قليل فوجده مغلقا، والرقم في مكانه، إنّه رقم رمز في حياة عدد كبير من أبناء المغرب العربي الذين تولّوا بناء الدولة الوطنية، وأسهم الكثير منهم في سقوط الأحلام لمّا انحرفوا، وتنكّروا للمبادئ التي آمنوا بها، واحتوتهم البورجوازية الطفيلية الجديدة التي سخّرت الدولة الحديثة لخدمة مصالحها بالأساس، بل تحالفت في حالات معيّنة مع القوى الاستعمارية بالأمس القريب، ولكن لا بّد أن نتذكّر في الوقت ذاته أولائك الذين أخلصوا للقيم التي آمنوا بها رافضين التملّق والانحناء.

وتم تواصل ذلك الحوار الإيديولوجي السياسي في مقاهي الحي اللاتيني، ومنها زوايا هذا المقهى الذي ينصت فيه صاحبنا إلى شيخ السبعينات مترنّما بأغاني الحبّ الفرنسية.

قطع عليه خواطره شيخ آخر يمشي الهوينا، مرتديا بدلة تعود إلى خمسينات القرن الماضي، وحاملا محفظة تشبه محافظ عدول الإشهاد في بلادنا، ويقف من حين لآخر أمام فيترينات البقية الباقية من مكتبات الحيّ اللاتيني، وتنبىء ملامحه بأنّه أحد أساتذة السوربون جاء يتذكّر المكان والزمان، ويرى كيف أصبحت الدنيا غير الدنيا، أستاذ سوربونيّ وقور يرتدي بدلة شتوية أيام الصيف الباريسي الخانق، مارّا أمام مقاهي تعجّ بغانيات من ملل ونحل مختلفة تعلّلن بموجة الحرّ ليتحرّرن من كلّ شيء، وكادت أن تسقط ورقة التوت.

تساءل صاحبنا: هل زيارته هذه للتذكّر، أم للتوديع، شأنه في ذلك شأن ذلك السوربونيّ الوقور؟

جاء صوت ذلك المترنّم بالأغاني الرومنسية فطردت عنه الوساوس، وعاد إليه طبعه المتفائل فاستجاب لدعوة مغرية لتناول قهوة المساء بمقهى “الفوكتس” بالضفة اليمنى فأسرع قاطعا الجسور بين الضفتين رغم كرهه لليمين في المكان، وفي السياسة، ليجد نفسه في عالم آخر، وفي نفس المدينة، عالم “الفوكتس” هو عالم اليمين البورجوازي الفرنسي، ومن يحاول تقليده من الأثرياء الجدد في العالم الثالث، وفي مقدّمته العالم العربي.

أخبرته صاحبة الدعوة كيف استهجنت النخبة السياسية والفكرية الفرنسية قضاء رئيس الجمهورية الفرنسية ليلة انتصاره في الانتخابات الأخيرة في فندق “الفوكتس”، فقال لها صاحبنا: إنّ البورجوازية العريقة تحاول دائما، ومنذ القديم الحفاظ على الشكل والمظهر، وأنت تعرفين أنّ مفهوم الجمهورية مفهوم مقدّس عند النخبة الفرنسية فلا يقبلون أن تبتذل، وأن تلوك قيادتها ألسنة الناس، أمّا في أقطارنا العربية فماذا بقي من قيم النظام الجمهوري بعد أن تفشّت ظاهرة التوريث بعد العجز عن إقناع ملك الموت بتأجيل الرحيل، ثمّ أردف صاحبنا قائلا: اتركنا من الحديث عن مهازل السلطة العربية فقد لبّيت الدعوة لأرى ماذا تغيّر في تقاليد البورجوازية الباريسية بعد مرور نصف قرن، أمّا السمر السياسي فسيكون بعد قليل على الضفة اليسرى. لم يتوقّف هاتف الغانية الباريسية المنحدرة من جبال بيروت عن الرنين، ولم تتوقّف هي عن الاعتذار بسبب كثرة الالتزامات والمواعيد، ولكنّ شيخنا تعلّم قواعد اللعبة في مثل هذه الحالات، وتفكّر المثل الذي يكرّره المؤرّخ التونسي أحمد بن أبي الضياف في مقدّمة كتابه الإتحاف “ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه” لما وجل ألا يسمح له قرب الأجل بإتمام كتابه القيم، وقد ألفه بأخرة.

* * *

قال صاحبنا: لما كانت الأميرة البيروتية منشغلة بهاتفها، معتذرة بابتسامة لا تستطيع أن تدرك معانيها، تخيّلتُ الشيخ ابن أبي الضياف يتجوّل أمامي في الشانزلزي في شهر نوفمبر 1846 رفقة سّيده أحمد الباي، وقد حرص أن ينقل لنا ما دار بينهما من حوار:

“فقال لي (يعني أحمد باي): ما أشوقني للدخول من باب عليوة (أحد أبواب مدينة تونس) وأشتمّ رائحة الزيت من حانوت الفطايري داخله، فقلت له مداعبا، وأنا أتنفس في هواء الحرية، وأرد من مائها، وقدماي بأرضها: يحقّ لك ذلك إن دخلت من هذا الباب تفعل ما تشاء، أمّا الآن فأنت رجل من الناس، فقال لي: لا سامحك الله، لم لا تحملني على حبّ الوطن لذاته، وعلى أيّ حالاته؟

فقلت له: إنّ هذا البلد ينسي الوطن والأهل كما قال الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أنّ نزيلهم يعاب بنسيان الأحبّة والأهل”

فقد تجاوز الشعور بالحرية، والأمان من الظلم لدى هذا الشيخ الزيتوني المستنير، وهو يتجوّل في باريس قبل ما يربو عن قرن ونصف حدود الوطن، وما ارتبط به من هوية منغلقة، متمنّيا أن تمتزج الأنا بهوية الآخر ليتنفّس هواء الحرية في وطنه.

إنّ الأنا الحرّة مثل الأنا العاشقة تتمنّى في حالات معيّنة أن تذوب في الغيرية.

اضطر كثير من السياسيين، والمثقفين العرب إلى الهجرة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم هروبا من الاستبداد، وبحثا عن الحرية، مرددين قول الشاعر القديم:

وما بعض الإقامة في ديار يهان بها الفتى إلا عناء

وهل أشدّ عناء من سلب الفتى حريته.

* * *

حرصت صاحبة الدعوة أن تصحب معها شيخنا إلى حيّ آخر من أحياء البورجوازية الباريسية، حي الأبرا، وهناك مرّ بمقهى ” السلام” فتذكر أنه جلس فيه لأوّل مرّة مع الباحث التونسي حسن حسني عبد الوهاب في رحلته الصيفية إلى “فيشي” مارا بباريس، أما رحلة الشتاء فقد كانت إلى القاهرة، وتذكر أنه كان يضع طربوشه فوق المائدة، وتذكر كذلك أسماء عدد كبير من زعماء الحركة الوطنية العربية، ومن كبار المثقفين العرب الذين شغفوا بالجلوس في مقهى “السلام”.

قرر صاحبنا العودة إلى الضفة اليسرى بعد أن ذكّره هاتف بالموعد، وقد جاء من أحد المنتسبين إلى البقية الباقية من الأصدقاء في باريس، ولمّا عرف أنّ صاحبنا قادم من الضفة اليمنى قال له: ماذا تفعل هناك؟ فانا منذ عقود من الزمن في باريس ولا أعرف ذلك الحيّ، فقال له شيخنا: لا تذهبنّ بك الظنون بعيدا، فان بعض الظن إثم، فالأمر لم يتجاوز احتساء قهوة المساء مع وجه بشوش، وأنت تعرف أنني أكره الوجوه العابسة. المهمّ أن تختار مقهى على ضفاف السان، بعيدا عن عسس النظم العربية، وقد أصبحت تنفق بسخاء على المتلصصين ليس بالداخل فحسب، بل بالخارج أيضا، وهذا من المكاسب الجديدة التي حققتها الدولة الوطنية التي حلمنا بصيانتها للحريات العامة، والذود عن قيم المواطنة، وبالسير فوق درب الحداثة والتقدم !

* * *

عاد صاحبنا الشيخ إلى مجلسه بساحة السربون، وقد سبقه إليه صديقه التطاويني الباريسي، وقد حافظ على قيم الوفاء التي عرف بها أهل الجنوب التونسي. وجد صاحبنا نفسه جالسا أمام تمثال الفيلسوف الفرنسي الشهير ” أوغست كونت” (Auguste Comte 1798- 1857) فتذكر شغف الزعيم الحبيب بورقيبة به، مردّدا في مجالسه مع المثقفين كثيرا من مقولاته، واصفا وقوفه أمام التمثال لما كان طالبا بجامعة السربون، وتبادر في هذه اللحظة سؤال محيّر طرحه أكثر من مرة : إنّه أمر غريب أن يرتاد رجل من طينة الزعيم بورقيبة هذه الأماكن، ويتخرّج من هذه القلعة المعرفية الشامخة: السوربون، وأن يعيش هنا مطلع عشرينات القرن الماضي، وهي فترة سياسية وفكرية خصبة في تاريخ المجتمع الفرنسي المعاصر، ويعود إلى بلاده حقوقيا بارزا، ومنافحا عن قضية شعب بأسره، عرف في سبيل الدفاع عن حريته السجون والمنافي، ويستقبله شعبه في عيد النصر استقبال الأبطال الكبار، متعلقا بزعامته حدّ العشق، إنه لأمر غريب أن تتحوّل الدولة الوطنية في عهده إلى دولة قامعة، وأن يغرس بذرة التعذيب، ويؤسّس المحاكم الخاصة لمحاكمة المخالفين في الرأي، والكثير منهم من رفاق الأمس، وأن يدوس استقلال القضاء لما أخضعه لقضاة من فئة الجلاوزة، بل بلغ به الأمر إلى التخطيط للاغتيال السياسي، كما اعترف بذلك على رؤوس الملأ.

يحاول البعض أن يجد لذلك تبريرا فيستنجد بمفهوم تراثيّ عرفه الفكر السياسي العربي الإسلامي، مفهوم “المستبدّ العادل”، وقد ابتدعه فقهاء الأحكام السلطانيّة لإضفاء الشرعية على الاستبداد الذي عرف به النظام السياسي العربي الإسلامي في العصر الوسيط. قد يقبل المرء ذلك عندما يكون الحديث عن الخليفة عمر بن الخطاب، أو عن حفيده عمر بن عبد العزيز، أمّا أن نلتمس به عذرا لمن تخرّج من كلية الحقوق بالسربون في القرن العشرين، ورفع لواء الذود عن حرية شعب بكامله فذلك منطق لا يستقيم.

إن من يعرف الانجازات الكبرى التي حقّقتها الدولة التونسية المستقلة بقيادة الزعيم بورقيبة يشعر بالحزن عندما يتأكد من خلال المقارنة، وبعد إماطة اللثام عن كثير من الحقائق أن عسف السلطة التي أرسى أسسها يلتقي في جوهره مع ما عرفته السلطة الاستبدادية التي تضافر فيها العسكر مع نظام الحزب الواحد الشمولي لقمع المواطن العربي، ومصادرة حريته.

* * *

سأل الصديق التطاويني بماذا تذكّرك أيضا هذه الأماكن التي تتجوّل فيها يوميا؟

قال صاحبنا: كانت جولتي هذا الصباح بين الحي اللاتيني وحي الأدباء والفنانين سان جرمان، فقد تناولت قهوة الصباح كالعادة بمقهى “فلور” الشهير، وقد أمّه طيلة أكثر من قرن كبار السياسيين والكتاب والفنانين، وتحوّل إلى معلم بارز من معالم مدينة باريس، وما تزال تقاليده متواصلة فترى فيه حتى اليوم من يأتي صباحا ليكتب، أو يتحاور مع شخصية سياسية، أو فكرية شهيرة، فقد كان من روّاده الزعيم الفيتنامي هوشي منه، وقد بدأ نضاله السياسي لمّا كان عاملا بمصانع السيارات بباريس، وفيه اكتشف نضال الطبقة العاملة، وجلس فيه الزعيم الصيني تشولاي رفيق ماو، وأحد مؤسّسي الصين الحديثة، أمّا شهرتها العالمية فقد ارتبطت بالحركة الوجودية غداة الحرب العالمية الثانية، وبالسجال السياسي والفكري الذي كان يدور فيها يوميا داخل حلقات الوجوديين بزعامة “جان بول سارتر” ورفيقة دربه “سيمون دو بوفوار”.

كانوا يكتبون ويتحاورون نهارا، ويرتادون كهوف الغناء، وموسيقى الجاز مساء، وقد عشت البقية الباقية من هذه الحركة، وانضممت إلى أحد نوادي الجاز الشهيرة في باريس يومئذ، وهو على قاب قوسين أو أدنى من مقهى “فلور”.

كان سارتر يسكن في عمارة تبعد بضعة أمتار عن المقهى، ولكنني لم ألتق به، إذ أنه غادر العمارة التي كان يقيم فيها بعد أن حاول اليمين الفرنسي المتطرف تفجير منزله احتجاجا على موقفه المتضامن مع الثورة الجزائرية، ولكنني رأيت ذات صباح الكاتبة الفرنسية، وصديقة سارتر أيام شيخوخته “فرنسواز ساغان” تكتب في مقهى “نابليون” المطلّ على ساحة سارتر التي دشّنت قبل فترة قصيرة، والمقابلة لمدخل كنيسة “سان جرمان”. كانت يومها دون سنّ العشرين، وقد اشتهرت بسرعة بعد صدور روايتها الأولى “صباح الخير أيها الحزن”.

إنّني لم أعرف من كثب النمط المعيشيّ لأنصار الوجوديّة، وبخاصة ظاهرة التحام الفكر والسياسة بالحياة اليوميّة، أي بالحبّ والفنّ والحياة البوهيمية في سان جرمان، وكذلك مونبرناص، فما أدركته في منتصف الخمسينات لا يتجاوز تقليدا سطحيا لا يغوص على لبّ الحركة، فقد كان الناس يشاهدون غواني باريس متحلّقات حول سارتر، ويكادون يرونه يوميا في سهراته الصاخبة في مطاعم الحيّ، ولكن كان له ولأنصاره وجه آخر خفيّ، وجه التخطيط مع طلبة اليسار الفرنسي لفضح ممارسات القتل والتعذيب التي يقوم بها الجيش الفرنسي في الجزائر.

حاولت أن أعرف بعض خفايا الحركة ففرحت يوما لما علمت أن الكاتب المصري ألبير قصير ما يزال حيّا، وساكنا في حي سان جرمان، وأن “الفلور” مقهاه المفضّل، وبدأت أحاول التعرّف إلى حياته، وهي رواية رائعة بامتياز، فهو كاتب مقلّ، قال يوما: أنا لا أكتب في اليوم إلا بضعة سطور، لأنّني لا أريد أن أضيع كثيرا من الوقت في الكتابة على حساب التمتّع بالحياة حتى الثمالة، ولعله محقّ في ذلك، فالكتابة تحرم الإنسان من أشياء كثيرة، وتتمّ في جلّ الأحيان على حساب أشياء جميلة في الحياة.

بدأ يكتب القصّة في مصر ، ثمّ سافر إلى فرنسا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وأجبرته الحرب على العودة إلى بلاده، وعاد غداة الحرب إلى باريس، ونشر فيها نصوصا بالفرنسية، ويبدو أنّه قرّر أن يتحوّل إلى رواية ممتعة بنمطه المعيشي اليومي، فقد انضمّ إلى الوجوديين، وعرف سارتر عن قرب، وبقي يسكن في نفس الفندق على بعد خطوات قليلة من مقهى “فلور” من نهاية الأربعينات إلى وفاته قبل حوالي سنة في نفس الفندق، وقد أتمّ القرن.

ومن جوانب هذه الرواية النموذجية الرائعة أنّه قرّر يوما أن يرحل فوجدوه في غرفته قد قام بالتحضيرات اللازمة، مستلقيا على ظهره فوق أرض الغرفة، معلنا أنّه قرّر الرحيل!

تحوّل ألبير قصير بقامته الصعيديّة الفارعة إلى معلم من معالم حيّ “سان جرمان”، وأصبح سكان الحيّ يعرفون طقوسه اليوميّة، ومن أبرز هذه الطقوس ارتياده في وقت معيّن مقهى “فلور”، وبعد أن عرفت الفندق الذي يقيم فيه منذ ستة عقود سألت هل أستطيع لقاءه؟ فقيل لي: إننا لا نعطي معلومات عن نزلاء الفندق، فقلت في نفسي إنّ فرصة التعرّف إلى فكر الحركة الوجوديّة وقيمها من أحد روادها الأوائل، وبرؤية كاتب عربي قد ضاعت، ولم أعد أسأل عنه.

كنت ذات يوم صيفي مارّا أمام “الفلور” فوجدته جالسا وحيدا، مرتديا قميصا لونه فاقع ففرحت، وسلّمت عليه، وأبديت رغبتي في الحديث معه فلم يجب مشيرا إلى حنجرته فخاب أملي، ولم أفهم إشارته فقلت بيني وبين نفسي لعلّها طريقة للتخلّص من الحديث مع الناس ليواصل تمتّعه بما يراه أمامه، وما يشاهده الجالس في تراس “الفلور” هو حقا مشاهد مسرحية، ولكنني علمت فيما بعد أنّه كان صادقا في اعتذاره، فقد أفقده سرطان الحنجرة صوته.

– قال الجليس التطاويني: أراك، وأنت تعود بالذاكرة إلى الوراء، حريصا على ربط الزمان بالمكان؟

– قال صاحبنا: إن تاريخ الحضارات والشعوب، بل قل مصير الإنسان نفسه مرتبط ارتباطا وثيقا بالزمان والمكان في الوقت ذاته، فكثير من الأحداث الحاسمة التي سجلها التاريخ زمانيا لا يمكن فهمها إلاّ إذا نزلت في مكانها، لذا فإن كتب التاريخ التي تكتفي بالسرد التاريخي للأحداث معزولة عن موقعها الجغرافي لا تجدي نفعا في الدراسات التاريخية، وأضرب لك أمثلة من التاريخ العربي القديم والحديث توضح أهميّة المكان في أحداث الزمان:

– يعود بنا المثال الأول إلى عصر الفتوحات الإسلامية، فقد كان الفتح العربي لبلاد الشام، ولمصر عبارة عن نزهة سياحيّة، أما لبلاد المغرب العربي فقد مرّ بمراحل متعدّدة دامت حوالي نصف قرن، واصطدم الجيش العربي بمقاومة عنيفة أفادت كثيرا من طبيعة المكان المغربي، فضلا عن التركيبة القبليّة للسكان، وهي نفسها ملتحمة بالمكان.

– أما المثال الثاني فهو معاصر لنا، فالثورة الجزائريّة فجّرتها مجموعة صغيرة تغير على مواقع الجيش الفرنسي، ثم تلوذ بالجبال والغابات، ولكن المكان سمح بتنظيم جيش تحرير له مستودعات للسلاح، ومراكز تدريب، وحلقات توعية سياسيّة، أما ثورة الشعب الفلسطيني فهي ثورة مدن، وانتفاضات حجارة بالأساس، فالمكان لا يسمح بتنظيم جيش تحرير، وكذلك مقاومة الشعب العراقي للاحتلال فهي مقاومة مدن بالأساس، إذ أن المكان الجغرافي الوحيد الذي يسمح بتنظيم جيش تحرير يعتمد على إستراتيجية الكرّ والفرّ كما حدث أيام الثورة الجزائرية هو تحت سيطرة الأكراد الانفصاليين والمتحالفين مع الاحتلال، وإذا أردت مثالا أوضح على خطورة المكان في تفسير أحداث الزمان فهو صمود مقاومة الشعب الأفغاني لجحافل جيوش الاحتلال المتعاقبة.

ألمعت قبل قليل إلى خطورة ارتباط الزمان بالمكان ليس في تاريخ الحضارات والشعوب فحسب، بل في مصير الإنسان نفسه، وشاءت الصدفة أن أقرأ قبل أيام مقولة لأحد كبار علماء النفس المختصين في طبّ الشيخوخة، وقد أصبح صاحبك مولعا به، تؤكد أنّ ثلاثين بالمائة من عوامل طول العمر هي جينيّة، وسبعين بالمائة تعود إلى النمط المعيشي للإنسان، والنمط المعيشي مرتبط حتما بالمكان، فقد أصبح من المعروف أنّ ارتفاع نسب طول العمر في مواقع جغرافية معيّنة مرتبطة بنمط معيشي معيّن، وبالمكان أيضا مثل جبال القوقاز، فإذا كنت تريد أن تعمّر طويلا فأنصحك أن تفارق غواني باريس، وتعود لتعيش بين غزلان جبال تطاوين.

* * *

أعود إلى ارتباط الذاكرة بالمكان، فقد مررت قبل وصولي إلى مقهى “فلور” بشارع “ليل”، وفي بدايته معقل شهير من معاقل الاستشراق ليس الفرنسي فحسب، بل الأوروبي، فقد احتضن كبار المستشرقين الفرنسيين الذين خدموا بأبحاثهم الحضارة العربية الإسلامية خدمة جليلة مثل ماسينيون، وليفي بروفنسال، وبرانشفيك، وبلاشار، وبه مكتبة ثرية بكل ما له علاقة بالعالم العربي الإسلامي، وبكل اللغات، وتعرفت فيها لأول مرّة إلى الكاتب التونسي فريد غازي، كان يعد يومئذ أطروحة عن ابن المقفع، وهو يمثل نموذجا متميّزا من المثقفين العرب الذين عاشوا في باريس، ويذكرني بزكي مبارك.

لا شك أن لتأسيس المعهد، والعناية به علاقة بالسياسة الاستعمارية الفرنسية، ولكن الموضوعية تفرض علينا الاعتراف بالرسالة العلمية الثمينة التي أنجزها، وبرسالته في نشر العربية بين عدد كبير من الفرنسيين عبر زمن طويل.

تذكرت أيضا فضل هذه المؤسسة على رائد بارز من رواد الحركة الإصلاحية العربيّة، أعني الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، فعلى مقاعدها تعلم الفرنسيّة في العشرينات من القرن التاسع عشر، وتعرف إلى المدرسة الاستشراقيّة الفرنسيّة، وأفاد من إقامته بباريس، وقد أرسله محمد علي ليؤم البعثة المصريّة في باريس، ولكن إمامة الصلاة تحوّلت إلى إمامة الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي بعد أن أصدر كتابه الشهير “الإبريز في تلخيص باريز”، فقد وصف فيه حياة البارسيين والباريسيات، ولكنه حرص هادفا على الحديث عن الدستور، وأهميّته في نظام الدولة الحديثة، وعن النظام البرلماني، وأهميّة مراقبة البرلمان لأعمال الحكومة، وتحدث عن الحريات، ورمى من وراء ذلك إلى تقديم صورة الغرب الحديث إلى الرأي العام العربي الإسلامي، ولسان حاله يقول: اتخذوا من هذه التجارب قدوة، فالكتاب لم يكن مجرّد تسجيل رحلة، بل هدف إلى التعريف بتجربة سياسية أخرى متناقضة تماما مع نظام الاستبداد الشرقي.

إن جلّ الإصلاحيين الذين كتبوا عن رحلاتهم إلى أوروبا قصدوا لفت النظر إلى الهوة العميقة التي تفصل بين النظامين الغربي والشرقي، وتفطن بعضهم نتيجة التجربة أنه لا يمكن أن تنجح أيّة تجربة تحديثيّة حقيقيّة في ظل نظام الحكم المطلق الاستبدادي، وهو ما يبدو جليا في المقدمة التنظيرية التي مهّد بها المصلح خير الدين التونسي كتابه “أقوم المسالك”، فقد وقف طويلا عند مفهوم الحريات العامة، الحريّة الشخصية، وحريّة التعبير والنشر، وأسهب الحديث عن مراقبة البرلمان لأعمال الحكومة، ولعله من الطريف أن أشير في هذا الصدد إلى ما حصل من تأثر وتأثير بين التجربتين المصرية والتونسيّة، فالطهطاوي يطلق على خير الدين لقب “حكيم السياسة”، ذلك أنه جمع بين ممارسة السلطة، ومحاولة القيام بتجربة تحديثية باءت بالفشل، شأنها في ذلك شأن تجربة محمد علي في مصر، ومدحت باشا في اسطنبول، والعامل الحاسم في ذلك الحكم المطلق الاستبدادي، وهو العامل الذي يكمن وراء فشل بعض التجارب التي حاولت الدولة الوطنيّة الحديثة إنجازها، وما بعد العيان من بيان.

إنّني أميل إلى الاعتقاد بأنّ العلاقات بين رواد الإصلاح في مصر وتونس كانت متينة، ولعل بعضها قد حدث في باريس، فإلى جانب إشادة الطهطاوي “بحكيم السياسة” التونسي نجد الشيخ أحمد بن أبي الضياف يشيد في مقدمة كتاب “الاتحاف” برحلة الإبريز.

– قال صاحبنا الشيخ: إنني أودّ التأكيد هنا على أن رواد الحركات الإصلاحية قد ميّزوا تمييزا واضحا بين وجهي الغرب: الوجه الاستعماري الذي قاوموه في الداخل، ووجه التقدّم السياسي والعلمي، وقد حاولوا الاقتباس منه، فالحركات المتطرّفة التي تحشر اليوم الغرب كله في كيس واحد تقدّم خدمة جليلة لقوى اليمين في الغرب، ولقوى الاستبداد في الداخل.

إنّ الغرب متعدّد، وليس واحدا، فلا مناص من التعاون والتضامن بين القوى المدافعة عن الحرية والتقدّم في الضفتين الشمالية والجنوبية.

* * *

– قال صاحبنا الشيخ: حاولت أن أتعرف إلى الأماكن التي كان يرتادها خير الدين في باريس فلم أعثر عليها. لا شك أن إقامته كانت في أحياء البورجوازية الفرنسيّة بالضفة اليمنى، وعلاقاته كانت أساسا مع السياسيين، ومن المعروف أنه أقام عدّة سنوات ينوب الدولة التونسيّة في القضيّة التي رفعتها لدى القضاء الفرنسي ضدّ محمود بن عياد الذي اختلس الأموال العامة، وفرّ إلى باريس محتميا بالجنسيّة الفرنسيّة، فقد استقوى بالأجنبي، فأنت ترى أن لمفهوم الاستقواء بالأجنبي تراثا عريقا في الفكر السياسي العربي!

– قال الجليس التطاويني: كذلك لظاهرة اختلاس المال العام، والإثراء على حساب المصلحة العامة تراث عريق في الفضاء العربي؟

– اسمح لي أن أعود إلى التاريخ لأقول لك: إن سوء التصرّف في الأموال العامة، وتوزيعها على الأقارب والأنصار كانت في التاريخ العربي الإسلامي نصلا ناجعا في أيدي المعارضة السياسيّة لصاحب السلطان منذ الانتفاضة على الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان لما تجمهرت وفود الأمصار أمام بيته، وحاصرته أكثر من أربعين يوما، ومنعت عليه الماء، متهمة إياه بتوزيع المناصب على الأقارب، وإنفاق أموال بيت المال بغير وجه شرعي، وهنا أقص عليك روايتين من تراث السياسة المالية في الإسلام:

– تقول الرواية الأولى إن عمر بن الخطاب بعث رسولا إلى الحاكم البيزنطي في بلاد الشام قبل بداية الفتوحات الكبرى، ولما عاد جاء مع الجواب بعقد هدية من زوجة الحاكم البيزنطي إلى زوجة عمر فجمع الخليفة الناس بالمسجد، وأعلمهم بالأمر، وسألهم عن رأيهم في العقد، فقالوا له لا حرج في ذلك، إذ لا سلطان لك عليه، أي ليس هناك لك شبهة الرشوة فقال عمر، ولكن البريد (يعني الرسول) بريد المسلمين، يقصد أنه لم يذهب بصفة شخصية، ثم أمر بوضع العقد في بيت المال.

– وتقول الرواية الثانية إن خازن بيت المال أيام عثمان بعد أن تنكر لسياسة عمر رفض صرف مبلغ أمر به الخليفة إيمانا منه بأنه صرف غير مشروع فغضب عثمان، وقال له: أنت خازني فكيف ترفض أوامري؟ فقال الصحابي: أنا خازن لبيت مال المسلمين، وليس خازنك الخاص، وقذف في وجهه أمام الناس بمفاتيح بيت المال.

– قال التطاويني: لو وقف وزراء المالية العرب موقف هذا الخازن لردموا الحكام العرب بمفاتيح خزائنهم!

هذا هو الإسلام الحقيقي، هذا هو جوهر الإسلام: صيانة المصلحة العامة، والدفاع عنها، وليس ذلك الإسلام الذي يسوق له الدجالون عبر فضائيات الفكر الغيبي الأسطوري، يناقشون كم ينبغي أن يكون طول اللحية وعرضها، وهل يجوز للمرأة أن تسبح في البحر، وأن تتسرول، وأن البنوك الإسلامية هي البنوك النزيهة، والدليل على ذلك أن الأزمة المالية لم تؤثر فيها فقد حماها الله لأنّها لا تتعامل بالربا، وغيرها من الأساطير، ونسوا فضائح البنوك الإسلامية في مصر قبل سنوات قليلة، وقد نهبت أموال الفقراء باسم الإسلام.

إنه من المؤسف أن تغزو ظاهرة الاتصال الإسلاموي، وكذلك البنوك الإسلامية أقطارا عربيّة كنا نحسبها في منأى عن ظاهرة الردّة هذه، ولكننا اكتشفنا أن الرداءة في مجال السياسة، وفي النظام التربوي والإعلامي تفرز حتما الردة الدينيّة والفكريّة.

– قال صاحبنا الشيخ : إن إشارتك إلى أن صيانة المصلحة العامة هي جوهر الإسلام قد ذكرتني باجتهاد أحد علماء القرن السابع الهجري ملخصها إذا تعارض النص القرآني مع المصلحة العامة تسبق المصلحة العامة، ويحتفظ بالنص القرآني للتعبد.

– أطرق الشيخ، وسكت عن الكلام برهة من الزمن، ثم قال: أيها التطاويني، انقل عني هذا مقيما بينكم، أو مرتحلا:

قد رافقت اكتشاف الثروة النفطيّة في المنطقة العربية ظاهرة “الإسلام الأمريكي”، وقد سمعت هذا المفهوم منذ فترة من الزمن، ولم أعره اهتماما كبيرا يومئذ، وتعاقبت الأحداث التي عاشها الوطن العربي في الأعوام الأخيرة، وقد بلغت درجة الاحتلال العسكري لتعيد إلى الأذهان ظاهرة الاحتلال الامبريالي في القرن التاسع عشر بعد أن ظن الناس أنها ولت إلى غير رجعة، ولكن من المهم أن تعرف من هو المصدر الذي سمعت منه هذا المفهوم لأول مرة، إنه كاتب مرموق، وداعية إسلامي شهير تربى في أحضان حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، فقد كان المرحوم الشيخ محمد الغزالي قادما من القاهرة في اتجاه الجزائر، لما تولى الإشراف الفكري والمنهجي على جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بمدينة قسنطينة، وجمعني به اللقاء جوا بين تونس والجزائر، وكنت متعطشا إلى معرفة نشأة الحركات الإسلامية المعاصرة وتشعبها، وهو من العارفين بخفاياها، ومن المعروف أنه كان ضمن الذين هاجروا إلى السعودية لما عاش الإخوان محنتهم أيام عبد الناصر، ثم حدثت له مشاكل هناك فغادرها، أو أطرد منها؟

ينتسب الشيخ الغزالي إلى جيل الدعاة الذين حملوا لواء نشر الفكر الإخواني في العالم الإسلامي بعد أن نشأهم مؤسس الحركة.

ومن تتبع حركة الإخوان يعرف أن كثيرا من أبناء الجيل الثاني انشقوا عن الحركة الأم، وتطرفوا لما زكمت أنوفهم رائحة “البترودولار”.

وقد تسألني: ما معنى “الإسلام الأمريكي”؟

– إنه يعني بكل بساطة دعم النظم الرسمية المتبنية للفكر الإسلامي المتخلف المبشر بالإسلام الأسطوري الغيبي، وهو إسلام لا علاقة له بالنزعات العقلانية التحررية التي يزخر بها التراث العربي الإسلامي، إنه إسلام التخدير لإحكام القبضة على شعوب المنطقة، وقد برهنت كل الأحداث أن الغرب الرأسمالي مستعد أن يدعم أكثر النظم تخلفا للمحافظة على مصالحه، وآخر الأمثلة على ذلك ما حدث أخيرا في الصومال فإحدى الحركات التي قاومت يوما ما التدخل الأمريكي تحولت بين عشية وضحاها إلى الطفل المدلل بعد أن تحالفت مع استراتيجية الدول الغربية في القرن الإفريقي، فأغدقت عليها المساعدات، وأول نص أصدرته هذه الحكومة قانون تطبيق الشريعة الإسلامية، فما معنى تطبيق الشريعة في بلد فقير مثل الصومال تنتشر فيه الأوبئة؟ معناه قطع يد سارق عنز، أو دجاجة في الوقت الذي ينهب فيه تجار السلاح الملايين، وأنت تذكر كيف سكت الغرب، بل دعم استبداد الجنرال النميري لما أعلن تطبيق الشريعة في السودان بمباركة نائبه حسن الترابي، وشوهت أجسام عدد من أبناء السودان، هذا هو “الإسلام الأمريكي”، ولا بد أن أنهي هذه الملاحظة قائلا: لما كنت أتحاور مع الشيخ الغزالي شعرت بخيبة أمله لما اكتشف ظاهرة “الإسلام الأمريكي”.

– قد تسألني: ما هو موقف العلماء المسلمين؟

– تنقسم هذه الفئة إلى صنفين أساسيين:

فئة تقليدية تلوك مقولات عصور تخلف المجتمع العربي الإسلامي، ولا تفقه في السياسة، وشؤون الدنيا شيئا، وهي معادية لكل اجتهاد وتجديد، وتخدم بغباء النظم السياسية.
وفئة واعية سياسيا، وعارفة بقضايا العصر الذي تعيش فيه، وهي فريقان:
فريق متحالف مع النظم الاستبدادية، ويتمثل دوره الأساسي في إضفاء الشرعية على سلطة غير شرعية، وهي الفئة التي كانت تسمى في العصر الوسيط بفقهاء البلاط، وهذا يذكرنا بدور الفقهاء في دولة المرابطين والموحدين في بلاد المغرب.
وفريق ثائر يسعى إلى تطبيق القيم الإسلامية المناهضة للسلطان المستبد، حالما بالعدالة التي وضع أسسها عمر بن الخطاب، وانحرف عنها عثمان في المرحلة الثانية من خلافته، وحاول الإمام علي إحياءها ففشل، وانتصرت الكسروية الأموية في دمشق بزعامة معاوية، وهؤلاء الذين يطلق عليهم قديما بفقهاء المسجد، ومن عباءتهم خرجت الحركات الإسلامية المغالية بالأمس واليوم.
* * *

– اقترح الجليس فجأة تغيير المقهى!

– قال له الشيخ: نحن في مجلس بعيد عن أسماع المتلصصين، فهل شعرت بشيء؟

قال: لا، ولكنك قد نسيت الأجهزة الحديثة الدقيقة التي تسجل عن بعد، فنحن لسنا في عهد محمد علي، أو الصادق باي!

– أجابه صاحبنا: لقد حققت فعلا الدولة الوطنية خطوات عملاقة على درب الحداثة في هذا المجال، ولكن قبل أن نرتاد مكانا آخر دعني أعد إلى ذاكرة المكان والزمان، فالجالس في تراس مقهى “الفلور” ماذا يشاهد في الضفة المقابلة من الشارع؟

يشاهد بالحرف الغليظ البارز اسم مطعم من أشهر مطاعم العاصمة الفرنسية “ليب”، وقد كان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران من أشهر رواده في الفترة المعاصرة.

هذا المكان له علاقة متينة بتاريخ حركات التحرر في العالم الثالث، فقد اختطف من أمامه الزعيم المغربي الشهير المهدي بن بركة عام 1965، وأحدث اختطافه، ثم إعدامه ضجة كبرى وأساء إلى العلاقات الرسمية الفرنسية المغربية، فقد أثبتت الوثائق، وشهادات من شارك في التخطيط والتنفيذ تورط أجهزة الداخلية المغربية بقيادة الوزير نفسه الجنرال أوفقير، وتم التنسيق مع عناصر من أجهزة المخابرات الفرنسية، وقد أغدق عليها مال وفير، وساعدت الأجهزة الأمريكية والموساد على تنفيذ المخطط، فقد أصبح المعارض المغربي يمثل خطرا ليس على النظام العلوي فحسب، بل على مصالح السياسة الغربية في البلدان النامية، فهو الدماغ المنظم والأمين العام لمؤتمر القارات الثلاث، وكان يعد لمؤتمرها العالمي بالعاصمة الكوبية ليكون نسخة جديدة ومعدلة لمؤتمر باندونغ (1955)، هادفا بالأساس إلى التصدي لجميع المخططات الامبريالية في آسيا وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وتبوأت القضية الفلسطينية مكانا بارزا في برنامج المؤتمر، فلا غرابة إذن أن تتضافر قوى متعددة للتخلص من الدماغ المخطط والمنفذ للمشروع.

هنالك مسائل كثيرة قد ألقيت عليها أضواء كاشفة في السنوات الأخيرة، وبقي لغز لم يحسم فيه من تناولوا هذه المأساة بالبحث والتمحيص، وأعني دور الحسن الثاني: هل أعطى الضوء الأخضر لتنفيذ الجريمة؟

لما صدر في باريس كتاب “صديقنا الملك” أثار زوبعة إعلامية، إذ أنه كشف وسائل القمع والاستبداد التي كانت تمارس ضد قوى المعارضة المغربية يومئذ، وأماط اللثام لأول مرة عن التعذيب في سجون قروسطية.

برزت يومئذ في أوساط الدوائر العليا بالرباط فكرة إصدار كتاب في أسلوب حواري يرد فيه الحسن الثاني على اتهامات الكتاب الأول، واختاروا لإجراء الحوار صحفيا فرنسيا، وصدر الكتاب بعنوان “ذاكرة ملك” خصص فيه فصل برمته للموضوع “ابن بركة.. القصة الكاملة”، وأميل إلى الاعتقاد إلى أن الهدف الأساسي من الكتاب هو محاولة الحسن الثاني تبرئة ذمته من اغتيال ابن بركة، فهو يقول للصحفي المحاور “إني آمل أن يتم عبر هذه اللقاءات إعطاء صورة شفافة وواضحة عني ، وأؤكد لكم أنه لم يكن لي مع المهدي أي خلاف”، ثم حرص أن يقول: إنه مسلم مؤمن متمسك بأداء واجباته الدينية، مردفا” وعلى كل فإني مستعد في كل وقت لأقسم بالله أني وضعت أمام الأمر الواقع في حادث موت ابن بركة، ولم تكن لي يد فيه سواء بإصدار الأوامر لتنفيذها أو غض النظر عنها، إني أؤكد لكم مرة أخرى أنه قد تم وضعي أمام الأمر الواقع، وأني بريء تماما من اختفاء المهدي”.

– مــــــــا رأيــــــك الشخصــــــــي؟

– إنني أذهب إلى أن الحسن الثاني صادق في كلامه هذا، والمعروف عنه أنه يتحمل مسؤوليته إلى حد المغامرة، بل يخامرني شك أحيانا يذهب إلى أن الرصاصة القاتلة التي أطلقها بيده (كما تقول بعض الروايات) على خادمه ومولاه الجنرال أوفقير كانت انتقاما من تورطه في حادث الطائرة، وفي الوقت ذاته انتقاما لأستاذه المهدي بن بركة، ولو عن غير وعي.

يتحدث الحسن الثاني بكل تقدير عن أستاذه القديم، ويصفه بالذكاء الثاقب، وبصاحب الأراء الصائبة، وبعد أن عفا عنه أراد التعاون معه “لحل معادلة لصالح المغرب”.

ولكن ما لم يقله الحسن الثاني هو أنه أصبح سجينا لأجهزة المخابرات التي أسسها، وأسيرا لدى جنرال لم يقنع باقتسام السلطة، بل أرادها كاملة بين يديه. إن جميع الحكام المستبدين يصبحون مع مرور الزمن أسرى الأجهزة التي أسسوها.

أصبح المهدي بن بركة يصنف في مقدمة القائمة الطويلة من كبار القادة والزعماء الذين دفعوا حياتهم ثمنا في سبيل القيم التي آمنوا بها، قيم الدفاع عن مصالح الأوطان، وحق الشعوب في الحرية، والتقدم، والعدالة الاجتماعية، ولم يتهافتوا على فتات موائد السلطان، وتقبيل الأيدي القذرة.

نقرأ في هذه القائمة إلى جانب المهدي بن بركة أسماء جوراس، وروزا لوسبورغ، ولوركا، ولومومبا، وغيفارا، واللندي، واسم الزعيم العمالي خالد الذكر فرحات حشاد، وغيرهم كثير، أما أمثال الجنرال أوفقير فقد ألقى بهم التاريخ في مزابله، ومن حسن الحظ أن للتاريخ مزابل، وإلا لتحول زبانية النظم الاستبدادية إلى أبطال.

– هل تعرفت إليه مباشرة؟

– مرة وحيدة، وخلال فترة وجيزة فقد كان ضيف شرف في ندوة نظمها الطلبة الأفارقة في مدينة لندن، وما بقي عندي من انطباع أنه ذو ذكاء حاد، وذو فكر استراتيجي نادر، ولا يعرف الهدوء والسكون فقد رأيته يغادر المنصة كل خمس أو عشر دقائق ليجيب عن اتصال هاتفي، فهو قريب من النموذج اللينيني الذي يجمع أصحابه بين القدرة على التنظير والنضال اليومي.

قبل أن نغادر شارع سان جرمان أود تذكيرك بأن اليمين الفرنسي المتحالف مع فرانكو حاول عام 1936 اغتيال رئيس الحكومة الزعيم الاشتراكي “ليون بلوم” على بعد خطوات قليلة من مكان اختطاف المهدي بن بركة.

* * *

تواصلت رحلة الذاكرة، وانتقلت من مقهى “فلور”، ومطعم “ليب” في شارع سان جرمان إلى “عند حمادي” في الحي اللاتيني و”عند حمادي” مطعم متخصص في الأكلة المغاربية التي عرف بها سكان المغرب العربي منذ عصور طويلة، وتحولت مع الزمن إلى أكلة عالمية يبحث عنها الشغوفون بالكسكسي، ويروده بالأساس جمهور فرنسي يحن إلى عادات بلاد المغرب، وهو من المشروعات الني نجح أبناء الجالية المغاربية في دمجها ضمن الحركية الاقتصادية الفرنسية، دعامته أبوان تونسيان قدما من أجل الدراسة فقذفت بهم العولمة إلى عالم الطبخ، وبناتهما المتألقات جمالا وثقافة. يشعر الزائر أنه في محيط أسري، وبخاصة إذا كان يتردد عليه باستمرار مثل صاحبنا التطاويني الباريسي، وقد بقي وفيا لعادات آبائه وأجداده في الجنوب التونسي فهو يطلب كل مرة وجبة كسكسية، وتقول الرواية إن أقواما من سكان أهل الجنوب لا يعرفون في وجبة العشاء غير الكسكسي.

ولكن صاحبنا الشيخ احتار في تفسير عادة أخرى عند رفيقه، ذلك أنه يطلب في آخر السهرة من أهل البيت أن يعدوا له في علبة محكمة الغلق وجبة كسكسية أخرى يأخذها معه متفاوحة في ليالي باريس الصيفية فتساءل: هل هي للسحور، أم للفطور في صباح الغد؟ واستمر اللغز قائما، ولله في خلقه شؤون.

– سأل التطاويني: ما هي أبرز الأحداث التي احتفظت بها هنا ذاكرة المكان والزمان؟

– عادت الذاكرة بصاحبنا الشيخ، وهو يمعن النظر في المواقع المحيطة بمطعم “عند جعفر” فتذكر القاعة الشهيرة في تاريخ اليسار الفرنسي، قاعة “التعاونية” (Mutualité) فقد عرفت اجتماعات حاسمة في التاريخ السياسي الفرنسي المعاصر، وما تزال تؤدي هذا الدور، وعلى خطوات منها يقع المنزل الشخصي للرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، وكان يذهب مرة في الأسبوع لتناول وجبة الكسكسي بمطعم جزائري قريب منه، ولم ينس هذه العادة بعد توليه الرئاسة.

وعلى الشمال يقع “شارع المعاهد”، وهو أحد الشوارع الشهيرة في الحي اللاتيني، وتطل عليه السوربون، و”الكولاج دوفراس”، وهو مؤسسة مرموقة ينهي فيها كبار الأساتذة حياتهم الجامعية وأبوابها مفتوحة لجميع عشاق المعرفة كبارا وصغارا فتجد في مدارجها الطالب الشاب وإلى جانبه ذات السبعينات، فإذا قدم لك أستاذ، وقيل لك إنه أستاذ بالكولاج دوفرانس فتيقن أنه أصبح مرجعا عالميا في اختصاصه، وبها كرسي خاص بالحضارة العربية الإسلامية شغله كبار المستشرقين الفرنسيين مثل جاك بارك، وميكال، ويقع بالقرب من هذا المعلم الجامعي الشهير فندق متواضع أقام فيه الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي في مطلع عشرينات القرن الماضي، وقد جاء إلى باريس للمشاركة في مؤتمر فرساي الذي التأم غداة الحرب العالمية الأولى، مطالبا بتطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الوارد ضمن ما عرف يومئذ بمبادئ ولسون، وقد حضره وفد مصري بزعامة سعد زغلول، وقد زاره في فندقه طه حسين، وقد انتقل إلى باريس، وسكن أول الأمر في فندق على بعد أمتار من مجلسنا هذا.

نقل لنا طه حسين حواره مع زعيم الوفد في الجزء الثالث من الأيام، وقد نشر المرة الأولى في بيروت تحت عنوان “مذكرات طه حسين”.

عادت وفود حركات التحرير العربية والأسيوية والإفريقية إلى بلدانها بخفي حنين بعد أن تأكدت أن تطبيق مبدأ حق تقرير الشعوب لمصيرها لا يشمل شعوب الجنوب، وإنما قصد به شعوب أوروبا.

* * *

لم يستعجل الزعيم التونسي العودة، بل بقي فترة في باريس ساعيا إلى التعريف بقضية شعبه، وفضح السياسة الاستعمارية فأصدر بالفرنسية كتابه الشهير “تونس الشهيدة” فلقي صدى واسعا في أوساط اليسار الفرنسي بالخصوص، ولما أزعج نشاطه في باريس الحكومة الفرنسية لفقت له تهمة التآمر على أمن الدولة فألقي عليه القبض، وأرسل إلى تونس لمحاكمته أمام المحكمة العسكرية، وأميل إلى الاعتقاد أن الرسائل التي تلقاها من صديقه الوطني الثائر محمد باش حانبة قد وصلته من برلين بعنوانه الباريسي، وهي رسائل ذات قيمة ثمينة، إذ أنها تعرب عن خيبة الأمل في العمل السياسي السلمي، وتذهب إلى ضرورة التفكير في تنظيم عمل مسلح لتحرير البلاد، ويقول لصديقه الثعالبي: إنني أثق فيك فقط، وفقدت الثقة في بقية السياسيين التونسيين. كانت هذه الرسائل من أبرز التهم الموجهة إليه في المحاكمة، وجاء تلخيصها في تقرير إحالته على المحكمة، حرصت على الإشارة إليها لأنها تدين إدانة واضحة سياسة الاندماج التي راهنت عليها حركة “الشباب التونسي” في مطلع القرن الماضي، وبدأ هذا التحول لدى فئة قليلة من حركة “الشباب التونسي” بعد حوادث الجلاز، وبداية حركة الجهاد الليبي، والتحاق زعيم الحركة علي باش حانبة باسطنبول، والعمل بجانب وزير الحرب أنور باشا، وتأثر أخوه بهذا التيار بعد تجربته في جنيف، وبخاصة بعد انتقاله إلى برلين غداة الحرب العالمية الأولى.

* * *

قبل أن تعود بي الذاكرة إلى نشاط الثعالبي وتجواله في هذه الشوارع والأزقة عادت بي إلى فترة سابقة نشط فيها عدد من رواد الحركة الإصلاحية، وكذلك من السياسيين الذين كتبوا في الصحافة الفرنسية منددين بالاستبداد العثماني، وخصوصا أيام السلطان عبد الحميد، تذكرت إقامة جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده هنا لما أصدرا مجلة “العروة الوثقى” في ثمانينات القرن التاسع عشر، وإقامة مصطفى فاضل أبو الأحرار الذي رفض الحكم الاستبدادي، وانشق عن أخيه الخديوي إسماعيل، وأصبح من أبرز المعارضين للنظام الاستبدادي في اسطنبول، وحملت بعده نفس الراية ابنته الأميرة نازلي صاحبة أول صالون سياسي فكري أمه كبار الساسة والمثقفين في القاهرة في نهاية القرن التاسع عشر من أبرزهم سعد زغلول، ومحمد عبده، وقاسم أمين، ويذهب بعض الباحثين إلى أن التحول الذي عرفه قاسم أمين حول قضية المرأة وقد عبر عنه في كتابه الثاني “المرأة الجديدة” هو نتيجة تأثير الأميرة نازلي، ولما تزوجت سنة 1900 خليل بوحاجب ابن المصلح التونسي، وصديق خير الدين الشيخ سالم بوحاجب نقلت صالونها من عابدين إلى منزلها “فيلا رمسيس الثاني” بالمرسى في ضواحي تونس، وراده عدد من رجال النخبة التونسية، وقد نزل ضيفا بقصرها الشيخ محمد عبده في زيارته الثانية إلى تونس عام 1903، واحتج عليه الشباب التونسي الثائر يومئذ كيف ترك أنصاره من المؤمنين بالإصلاح، وانضم إلى المبيت في مخادع الأرستقراطية!

والأميرة نازلي هي التي بذرت البذرة الأولى في تاريخ الحركة النسوية في الوسط البورجوازي التونسي، إذ لأول مرة شاهد نساء هذا الوسط امرأة مسلمة سافرة، فالسافرات قبلها كن من الأقليات الأوروبية.

إنني حريص هنا على التذكير بأن هنالك من دفع حياته ثمنا في سبيل الدفاع عن الحريات العامة بين الجيل الأول من رواد حركات الإصلاح السياسي والفكري في المجتمع العربي الإسلامي، ونجد في طليعتهم جمال الدين الأفغاني (1838 – 1897)، كتب عنه المصلح المصري الشيخ مصطفى عبد الرازق قال:” حسب جمال الدين من عظمة ومجد، أنه في تاريخ الشرق الحديث أول داع إلى الحرية، وأول شهيد في سبيل الحرية”.

تذكرت كذلك أديب إسحق وقد ضاق ذرعا برقيب الصحافة فهاجر إلى باريس، وأسس فيها جريدة “مصر القاهرة”. تم هذا النشاط الفكري والسياسي في أماكن قريبة من مجلسنا هذا، وحاولت تحديد بعض الأماكن بدقة فلم أنجح، وتذكرت وأنا أبحث عنها مشروعا حدثني عنه الإعلامي والكاتب المصري المعروف كامل زهيري، وقد وقف في وجه السادات بصفته نقيب الصحافيين منددا بمعاهدة دامب دافيد.

بدأ يعد فيلما وثائقيا عن الأماكن التي سكن فيها المثقفون المصريون في باريس من الطهطاوي إلى أنور عبد الملك ومحمود أمين العالم، مرورا بالشيخ عبده، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وزكي مبارك، وأحمد الصاوي محمد، وغيرهم كثير، ولكنه رحل دون أن ينجز مشروعه.

إن ارتباط الزمان بالمكان ليس خطير الشأن في تاريخ الأحداث الكبرى، بل حتى في حياة الأفراد الذين كان لهم دور بعيد المدى في أحداث عصرهم.

تذكرت، وأنا أنتقل من “الفلور” إلى هنا مكانا آخر تبوأ مكانة بارزة في تاريخ الحركة الوطنية التونسية، وأعني فندق “لوتسيا Lutecia”، فهو فندق الزعيم الحبيب بورڨيبة المفضل كلما زار باريس، وقد أعلن فيه أمام الصحافيين برامجه السياسية، ومن أشهرها برنامج النقاط السبع.

واجتمعت فيه عام 1984 رفقة مجموعة كبيرة من المثقفين العرب ذوي نزعات سياسية وفكرية متنوعة لتأسيس “المجلس القومي للثقافة العربية” لتكون الثقافة الدعامة الصلبة لمشروعات التوحد العربي، ولتصلح ما أفسدته السياسة، ولكن المشروع تعثر، ثم احتضر، ذلك أن السلطة العربية لا تسمح بعمل ثقافي مستقل، بل تريد تسخيره لخدمة ركابها، فهي بارعة في تأميم جميع أنشطة قوى المجتمع المدني، وفي طليعتها القوى الثقافية.

* * *

إنني حريص على الإلماع بإيجاز إلى مكانين يقعان على مرمى حجر من هنا لهما صلة بالزمان:

– الأول مكتبة “ماسبرو”، وقد تخصصت في نشر وبيع كل ما يتعلق بالعالم الثالث، وقد كانت سنوات طويلة قبلة المدافعين عن قضايا تحرر شعوب الجنوب من الهيمنة الأمبريالية، وكنت تجد فيها نصوص المعارضة التونسية بشتى تياراتها، وقد زجت بكثير من كتابها في السجون، أو أجبرتهم على قضاء بقية العمر في المنفى. أظن أن العولمة قد حولت المكتبة إلى محل لبيع الألبسة الجاهزة، أو الأكلة السريعة، ولا غرابة في ذلك فالعولمة تكره الفكر، وبخاصة الفكر المناضل.

– أما المكان الثاني فله علاقة من قريب أو بعيد بالمكان الأول، وأعني المجلس الذي يلتئم كل مساء بمقهى “كلني الكبير” (G. Cluny)، ويضم عناصر من المعارضة التونسية على اختلاف نزعاتها، وينظم إليهم أحيانا مثقفون عرب يعيشون في المنفى، وشيخ الحلقة يومئذ هو المناضل العروبي التقدمي محمد صالح الحمروني، وقد قضى أربعين سنة يتجول في الحي اللاتيني ليصبح معلما بارزا من معالمه، فكما يرى المتسكع فيه مكتبة ماسبرو، ومكتبة منشورات فرنسا (P.U.F.)، وكذلك تمثال “أوغست كونت” يشاهد الحمروني نازلا في اتجاه محطة متروسان ميشال، أو صاعدا في اتجاه حديقة لوكسبورغ.

كانت له قدرة نادرة على التوفيق بين أنصار التيارات المتباينة المتحلقين حوله كل مساء، فمنهم البعثي، والناصري، والشيوعي الأرذوكسي، والتروتسكي، والدستوري التقدمي يوم كان الحزب الاشتراكي الدستوري يضم بين صفوفه تقدميين.

أنت تذكر جيدا مساعدته ووفاءه لأصدقائه، وفاء لم يجده في خريف العمر إلا من قلة نادرة، ولم أنس وفاء ذلك العامل المتواضع الذي حذق فن السجال السياسي بفضل حلقة الحمروني، فقد أصبح يمتطي معه آخر مترو، ساهرا على وصوله سليما إلى بيته، ويقضي الليل بجانبه خوفا عليه من مفاجآت وهن الجسم الذي أنهكه النضال، والاهتمام بالشأن العام.

كلما قررت زيارة باريس أعلمته بموعد وصولي، وباسم الفندق الذي سأنزل فيه فيكون في استقبالي، وبعد انفضاض الحلقة نواصل السهر في أحد المطاعم، متشوقا إلى معرفة دقائق أحوال الوطن.

وأود تذكيرك بقصة عشناها معا قبل حوالي عشرين سنة فقد أعلمته في إحدى المرات بموعد وصولي، وباسم الفندق، فحرص أن يبقى وفيا لسنتنا القديمة، وأن لا يتركني وحدي مساء وصولي إلى باريس، ورن الهاتف بعد فترة قصيرة من حلولي بالفندق فقلت لي أنا فلان الفلاني قد كلفني محمد صالح الحمروني باستقبالك، ومرافقتك هذا المساء نيابة عنه، فهو راقد بالمستشفى. هذه صورة من صور وفائه لأصدقائه، ولما وصلت جثته إلى مطار تونس تقدمت لرثائه مؤكدا القيم التي آمن بها عبر نضاله المديد.

– ما هي أبرز الأحداث المعاصرة التي عاشتها هذه الأمكنة المحيطة بنا؟

– أعتقد أن أبرزها هي أحداث ماي 68 فقد كادت تتحول إلى كمونة باريس الثانية، فإذا لم يبلغ العنف فيها ما بلغه في الأولى فإن نتائجها لا تقل خطورة عن نتائج الأولى إن لم تكن أخطر شأنا منها، فالأولى عمقت حدود الصراع بين جبهتين متصارعتين في المجتمع الفرنسي منذ الثورة الفرنسية الكبرى حتى اليوم: جبهة اليمين الرأسمالي وجبهة اليسار الاشتراكي بشتى تياراته، وأسهمت في ترسيخ أسس نضال الطبقة العاملة بصفة خاصة.

أما الثانية فقد برهنت على أهمية نضال النخبة إذا توحدت صفوفها، فشرارتها الأولى انطلقت من طلبة الجامعة وأساتذتها، وتحولت ساحة السربون إلى رمز بارز من رموز النضال الطلابي العالمي، وشعر اليمين بخطر الانتفاضة الطلابية لما بدأت تلتحم مع عمال المصانع، وكاد أن يؤول الأمر إلى سقوط الجمهورية الخامسة، واضطر الجنرال “ديغول” إلى التحالف مع قيادات متطرفة في الجيش لمواجهة الوضع إذا اضطر إلى إعلان حالة الطوارئ.

كانت نتائجها السياسية محدودة، ولكنها أبرزت أهمية دور النخبة عندما يتأزم الوضع في مجتمع ما، وأبرز العام الماضي إحياء ذكرى مرور أربعين سنة أهمية الانتفاضة، وتأثيرها البعيد المدى في حياة فرنسا، وبخاصة بعد أن كشفت الدراسات عن تفاصيل لم تكن معروفة من قبل، واتضح تأثيرها بالخصوص في نحت ملامح الطبقة السياسية المعاصرة، فكثير من رموزها هم من أبناء انتفاضة ماي 68.

ألمعت قبل قليل إلى تأثير انتفاضة ماي تأثيرا بعيد المدى في مجالات مختلفة من حياة المجتمع الفرنسي، وأود بالخصوص الوقوف عند تأثيرها في حياة المرأة، فقد حققت المرأة الفرنسية مكاسب كبرى منذ إسهامها الناجع في ثورة كمونة باريس، فقد سقط المئات، وهن حاملات السلاح في وجه جيش فرساي، ثم جاء قانون العلمانية 1905 ليحد من تأثير الكهنوت الكنيسي في حياة الأسرة الفرنسية، ثم جاءت قرارات الجبهة الشعبية 1936 لتدعم حقوق المرأة الاجتماعية، ولكنها لم تحقق حقوقها كاملة كمواطنة، وبخاصة حريتها في جسدها إلا بعد انتفاضة ماي 68.

أتذكر الآن كتابا جميلا نشرته قبل أعوام الكاتبة المعروفة، وإحدى رائدات الحركة النسوية الفرنسية “فرانسواز جيرو” بعنوان “من سجائر الڨلواز إلى حبوب منع الحمل” لخصت فيه تطور الحركة النسائية بفرنسا من العصر الوسيط إلى صدور قانون الإجهاض في سبعينات القرن الماضي.

لا أدري هل تعرف أن تونس عرفت انتفاضة طلابية في شهر مارس من السنة نفسها، وأسهمت إسهاما بعيد المدى في الدفاع عن الحرية، وفي إماطة اللثام عن الوجه القمعي للنظام، وأصدر القضاء أحكاما تعسفية ظالمة على عدد من طلبة الجامعة مثلت نقطة سوداء أخرى في تاريخ النظام السياسي التونسي.

* * *

إن المرأة العربية قد أسهمت بأشكال مختلفة في حركات التحرر الوطني العربية، وعرفت التعذيب والسجون، والشهادة في سبيل مقاومة المحتل، ولكن تأثير هذا الإسهام في نيل حقوقها كان محدودا، إذ أنها ثورات ذات طابع وطني عام شاركت فيها طبقات اجتماعية مختلفة، وكان للطبقة الوسطى دورها الحاسم، وهي بطبيعة تركيبتها الاجتماعية لا تتحمس كثيرا في الدفاع عن حقوق المرأة.

إن نيل المرأة العربية المسلمةحرياتها الحقيقية، وبخاصة حرياتها في جسدها يحتاج إلى ثورات اجتماعية تساهم فيها المرأة إلى جانب الرجل، ويكون هدفها الأساسي الذود عن الحريات العامة، وقيم المواطنة، فلا بد أن تعي المرأة أن حريتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنضال أولا وقبل كل شيء من أجل الحريات العامة.

– قال التطاويني: إنني في حيرة من بعض ملاحظاتك عن حرية المرأة الغربية فقد فهمت أنك تتهم البورجوازية الرأسمالية بأنها مناهضة لحرية المرأة، كيف ذلك؟ وهي الطبقة الاجتماعية المطلة من عباءة عصر الأنوار، وقد دقت إسفينا في نعش الإقطاع، وإسفينا آخر في نعش سلطة الكنيسة؟

– إن هذه المسألة تحتاج فعلا إلى شيء من التدقيق. لا شك أن المجتمع الإنساني قد قطع خطوة رائدة بفضل ميلاد البورجوازية باعتبارها طبقة اجتماعية مستنيرة بالمقارنة مع طبقة المجتمع الإقطاعي، ولكنها لم تتخلص من ذهنية المجتمع الذكوري، والنظرة إلى المرأة باعتبارها جسدا للإنجاب والمتعة، وليس باعتبارها إنسانا قبل كل شيء، ثم لا تنس أن الفكر البورجوازي الرأسمالي هو في لبه فكر يميني، وبالتالي فهو معاد للحريات، ومنها حرية المرأة، ومن هنا جاء إلحاحي على أن المرأة الغربية قد إفتكت حقوقها بفضل إسهامها في الثورات الاجتماعية المتعاقبة، ومن هنا جاءت إشارتي كذلك إلى أن حرية المرأة العربية في حاجة ملحة إلى انتفاضات اجتماعية يكون فيها للمرأة دور ريادي، وهذه الانتفاضات هي آتية لا ريب فيها، وسوف لا تقف أمامها محاولات وضع المجتمع العربي الإسلامي في أسر الفكر الإسلاموي المتخلف.

إن الثورات الاجتماعية هي وحدها التي تفرز الفئات الاجتماعية، وترسم الحدود بينها.

* * *

لما تذكرت الشيخ ابن أبي الضياف يتجول في الشانزيليزي، وأنا أترشف قهوة المساء في “الفوكتس”، تذكرت في الوقت ذاته كيف إرتج نفس الشارع تحت الأحذية السوداء، أحذية النازيين، وهم نازلون من “قوس النصر” في اتجاه ساحة “الكونكورد” ليعبروا الجسور إلى الضفة اليسرى، إلى رمز مقري السيادة: المجلس الوطني، ومجلس الشيوخ، وليدنسوا بأقدامهم الفاشية معاقل المعرفة، والثقافة والفن في هذه الضفة.

ارتبط احتلال باريس في إيديولوجية جلاوزة القرن العشرين بالقضاء على أكبر رمز من رموز الحرية في العالم، وطمس أثرى تراث عرفه التاريخ الإنساني في الذود عن قيم الحرية والمواطنة، ولكن غباءهم جعلهم ينسون أن الشعب الذي قام بثورة 1789، وثورة 1848، وكمونة باريس لا يمكن أن يقبل الهزيمة والاحتلال.

لم تمر سوى سنوات معدودات حتى نزلت قوى الحرية والتحرير نفس الشارع، وعبرت نفس الجسور التي دنستها الأحذية السوداء.

– صمت صاحبنا الشيخ، ثم أردف قائلا: لا بد أن يتبوأ دور الجسور مكانة مرموقة في التأريخ للمدن الكبرى، فلها علاقة متينة بأحداث الزمان، فكم من جسر نسف تحت أقدام المحتلين، وكم من جسر اعتصم به الثوار في وجه الغزاة، واستعملت الجسور كذلك ضد قوى التحرير والحرية، فقد قذف غلاة اليمين الفرنسي بقيادة “موريس بابون Murice PAPON” بعشرات المناضلين الجزائريين في نهر السان من فوق أحد الجسور الباريسية (17 أكتوبر 1961)، وغرق عشرات من طلاب جامعة القاهرة في النيل لما حصرتهم عام 1946 قوى الشرطة فوق جسر الجامعة.

ربط صاحبنا بين جسر “ميرابو” في باريس وجسور مدينة قسنطينة، وقد خلدها رسام جزائري كبير، كان مرسمه الباريسي يطل على جسر ميرابو، إنه خالد بطل “ذاكرة الجسد” للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، فقد كان يرسم لوحاته الشهيرة بيد واحدة بعد أن فقد ذراعه اليسرى في معارك الثورة الجزائرية، وقرر يوما ما أن يعيش في المنفى بعد أن رفض أن تتحول أحلام الثورة في الاستقلال والحرية إلى جهاز رقابة على نصوص المبدعين، فقد عهد إليه غداة الاستقلال بالإشراف على مؤسسة للطباعة والنشر.

عاد إليه الوعي لما قال له شاعر فلسطيني زاره للحصول على رخصة لنشر ديوانه: لا تبتر قصائدي، ناظرا إلى ذراعه المبتورة، وقد تحول الشاعر بعد ذلك إلى صديق حميم.

عاد خالد بعد سبعة وثلاثين عاما إلى قسنطينة، ولما كان يتجول يوما من الأيام في شوارعها وأزقتها تذكر بيت ابن المدينة المصلح عبد الحميد بن باديس:

يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب

فخاطبه قائلا:

“ذلك النشء الذي تغنيت به ..لم يعد يترقب الصباح، منذ حجز الجالسون فوقنا..الشمس أيضا. إنه يترقب البواخر والطائرات.. ولا يفكر سوى بالهرب.

أمام كل القنصليات الأجنبية تقف طوابير موتانا، تطالب بتأشيرة حياة خارج الوطن…

كنا شعبا واحدا ترتعد الجدران لصوته قبل أن ترتعد أجسادنا تحت التعذيب.

هل بح صوتنا اليوم..أم أصبح هناك صوت يعلو على الجميع، مذ أصبح هذا الوطن لبعضنا فقط؟”.

ضحى خالد في سبيل الثورة بذراعه اليسرى، وسرق سرّاق الثورة حبه الوحيد، ولم يبق له إلا الذاكرة، ذاكرة المكان والزمان.

إن السماسرة الجدد يكرهون الذاكرة الوطنية، إذ لا علاقة لهم ماضيا وحاضرا بهذه الحروف الثلاثة “وطن”. إنهم لا يكتفون بنهب الحاضر، بل تراهم يسعون لمحو أمجاد الماضي ليؤسسوا فوقها أمجادا جديدة علها تخفف من وخز العقد المتراكمة، وينسون أن البناء الزائف يتهاوى عند أول رجة مثل أوراق الخريف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This