سوبر ماركت الاشتراكية / في فنزويلا

سوبر ماركت الاشتراكية / في فنزويلا

تعتمد شعبية الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز على الأغذية المدعومة التي يقدمها للفقراء الى حد كبير. لكن سياسته (الاشتراكية) تولد نقصا فادحاً في الأغذية، وتجبر السلطات على وضع يدها على المزيد من المخازن التجارية الكبرى.

انها الساعة العاشرة صباحاً، لكن حرق الأعصاب بدأ بالفعل في متجر CADA في حي سان برناردينو في كراكاس. فقبل وقت قصير، تسلم المتجر شحنتين من اصل اربع شحنات من أكياس السكر زنة كيلو غرامين وخمسة كيلوغرامات. وفيما كان يتحلق عشرات المتسوقين حوله. راح ريغوبيرتو فرنانديز يحاول تمرير اكياس السكر واحد تلو الآخر الى الأيدي الممتدة نحوه. لكن الموظف سرعان ما اثار حنق امرأة مسنة يغطي الشيب رأسها حين منحها كيس سكر زنة كيلوغرامين، فصرخت في وجهه: «كيف تجرؤ على القول انه لا يمكنني الحصول على كيس أكبر؟»، ولم تكد تكمل جملتها النارية حتى تمزق الكيس، وتسرب السكر منه ليغطي ارضية المتجر.

في غضون الدقائق العشر التالية، نفقت شحنة السكر تماماً. «لقد سئمت هذا النقص في المواد الغذائية». راح فرنانديز يتمتم فيما كان يعكف على تنظيف السكر، وقال: «تسرب اليأس الى نفوس الناس هنا. وبدأوا يتصرفون تماماً مثل الحيوانات».

لطالما تمثل رد الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز على شح المواد الغذائية بالعثور على كبش فداء، يمثلهم اصحاب متاجر التجزئة هذه المرة. ويوم السابع عشر من كانون الثاني (يناير)، صادر الزعيم الزئبقي ستة مخازن تديرها Exito. التي تتبع المجموعة الفرنسية Groupe Casino. بعد ذلك بشهر، وضع يده على Cada وهي الأخرى تتبع Casino وتشغل 35 متجراً للبيع بالتجزئة وثمانية مراكز توزيع.

ان جهود سيادة الرئيس لتحويل فنزويلا الى دولة اشتراكية على الطراز الكوبي تتقدم باطراد وبامتلاكها ثروة نفطية هائلة، كان يجدر بفنزويلا الا تعاني اي نقص في المواد الغذائية. لكن عدم فعالية المزارع وعمليات الاستيلاء الحكومية على متاجر البيع بالتجزئة وخفض قيمة العملة بنسبة 50 بالمئة في كانون الثاني (يناير). كلها امور وضعت الامدادات الغذائية في حالة من الفوضى العارمة. ويمثل كل ذلك نبأ غير مستساغ في اذن شافيز، الذي حولته رسالته المناهضة للرأسمالية وحملته المستمرة لتقويض نفوذ الولايات المتحدة في اميركا اللاتينية الى صداع حقيقي بالنسبة الى واشنطن في تلك المنطقة. وقد تراجعت شعبية شافيز في أوساط الفنزويليين الى نحو 45 بالمئة فقط، انخفاضاً من 70 بالمئة قبل ثلاث سنوات.

لقد مثل منح الفقراء مواد غذائية بكلفة منخفضة حجر الزاوية في تمتين دعائم رئاسة شافيز. وقد صادر الرئيس مصانع الأغذية والمخازن وأكثر من مليونين ونصف المليون هكتار من الأراضي الزراعية حتى الآن، ليقين منه بأن الحكومة اقدر على اطعام فنزويلا من القطاع الخاص، لكن معدلات الانتاج تراجعت بصورة خطرة في ظل ادارة الدولة. فقد تراجع مثلا نصيب الفرد من قصب السكر بين العامين 1999 و2008 بواقع ثمانية بالمئة، فيما تراجع انتاج الفواكه بنسبة 25 بالمئة واللحوم بنسبة 38 بالمئة. وذلك طبقاً لكارلوس ماشادو، الخبير في الزراعة في معهد الدراسات الادارية العليا، وهو كلية لادارة الأعمال في كراكاس، يقول ماشادو: «أخفقت التعاونيات في أداء مهمتها، ودمرت مزارع مواشينا».

في ظل تدفق عائدات النفط بصورة مرتفعة على شافيز، كان من السهل عليه ان يعوض الفارق بابتياع الدواجن من البرازيل ولحوم البقر من الارجنتين والحليب المجفف من نيوزيلندا. وقفزت الواردات الغذائية من 1,3 مليار دولار في 1999. وهو العام الذي تولى فيه شافيز السلطة، الى 7,5 مليارات دولار في 2008، بحيث باتت تعادل 70 بالمئة من اجمالي ما يستهلكه الفنزويليون من الأطعمة. لكن تراجع اسعار النفط الخام وانكماش الاقتصاد في العام الماضي بواقع 3,3 بالمئة ترك لشافيز سيولة اقل لشراء الطعام من الخارج، او لدعم مزارع الدولة ومصانع الأغذية التي تدار بصورة سيئة. تقول انطونيا رانجيل، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 47 عاما وكانت من بين المتبضعين المحظوظين الذين حصلوا على كيس من السكر في مخزن CADA: «يعتقد المسؤولون الحكوميون انهم يعرفون كيف يديرون الشركات، لكنهم لا يفعلون في الواقع سوى تحطيمها، تماما مثلما حطموا البلاد بأسرها شيئاً فشيئاً».

ويرغب شافيز في تحويل منافذ البيع بالتجزئة الى ما يسميه «متاجر اشتراكية عملاقة» تبيع المواد العذائية والأجهزة المنزلية والملابس التي لا تحمل اي علامات تجارية تقريباً. ويمثل هذا الاجراء، «خطوة أخرى في السياسة العامة للدولة الفنزويلية والقاضي بتحويل الرأسمالية الى اشتراكية»، مثلما أعلن شافيز في برنامجه التلفزيوني الاسبوعي Hello president.

تثير عمليات وضع اليد على متاجر البيع بالتجزئة قلق التجار. لكن قلة من هؤلاء تبدي استعداداً للتحدث علناً عن الأمر خوفاً من التعرض الى مزيد من التضييق. يقول الرئيس التنفيذي في سلسلة متاجر كيري: «انها احدى أسوأ المراحل التي تعيشها بلادنا«، ويضيف: «نحيا في ظل خوف دائم من ان تقوم السلطات بمنعنا من العمل او بالاستيلاء على متاجرنا».،

 

مجلة «بيزنس ويك» (الطبعة العربية، ايار 2010)

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق