سوريا من الشموليّة إلى الديمقراطيّة تحدّيات الحاضر، ورهانات المستقبل

ليس الصراع في الشرق الأوسط وليد المرحلةٍ التاريخيّة الحاضرة، بل الصراع امتداد تاريخي عميق، تنعكس من خلاله أهميّة هذا المكان الجغرافي الهام جداً والذي يُعتبر قلب العالم القديم والمعاصر. فموقعه الجغرافي، وثرواته الكثيرة، ومصادر الطّاقة الغنيّة التي يملكها جعلت منه دائماً مصدراً لتحدياتٍ هامّة ترخي بسدولها على السّياسات العالميّة في كلّ حقبة وزمان.
يعيش الشرق الأوسط اليوم مرحلة تاريخيّة مصيريّة، وتحوّلات جيو- سياسية عميقة تتجاوز الوطني، والإقليمي، لتطال الدولي والعالمي. وستتحدد ملامح هذه التحوّلات من خلال النتائج والتطورات التي ستنبثق عمّا رأيناه من حراك عربي جامع وتغييرات في النظم السياسية، امتدت من المغرب إلى سوريا، مروراً باليمن والبحرين والعراق. والتي ستترك أكبر الأثر في رسم ملامح هذا الشرق الجديد ومستقبله الذي يمتد ربما إلى قرن ٍ قادم. مع ما سنراه من غياب لمفاهيم ومبادئ، وإعادة تعيين لمصطلحات سياسية وتحديد مفاهيمها بما يتوافق مع هذه التغييرات الشاملة. ومن المؤكد بأنَّ ما يصح على الشرق الأوسط، سيكون أيضاً عنواناً عريضاً لمستقبل الأمة العربية وتحوّلاتها البنيوية القادمة.
يمكن؛ عبر هذه التحوّلات رصد الكثير من الانزياحات وانهيار لمنظومات قيم ومبادئ وإيديولوجيات سياسية. مع ما رافق ذلك من تماهي في الانتماء الوطني والقومي العروبي، ليتحوّل إلى ما يُشبه الغوص الأعمى في بحر من الأفكار القديمة التقليدية والتي يغلب عليها الطابع الديني. وهي، وللمفارقة، تتمفصل مع قيم ومبادئ ومنظومات عولمية مدّمرة للعقل وفكرة الانتماء الوطني ومسألة الهُوية الوطنية والقومية الجامعة.
لقد انتصر المشروع القومي العربي في أكثر من بلد في مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي. متقدماً بهذا الانتصار على باقي المشاريع التي كانت مطروحة، من الليبرالي إلى الديني “المعتدل” إلى الشيوعي وغيرها من مشاريع قطرية وطنية صغيرة. وكان أهم ما ميَّز هذا المشروع القومي هو قدرته الكامنة في الإجابة على جميع الطروحات والأسئلة المعقّدة في ذلك الزّمن، وقدرته على مواجهتها والتصدّي لها. فحمل في طيّاته أفكار الحداثة، وأفكار المقاومة ومقارعة الاستعمار الحديث. وبناء مفهوم الدولة ومنظومتها، وتحقيق جانب لا بأس به من العدالة الاجتماعيّة بين الطبقات. ورسم سياسات التثقيف والتبشير المعرفي، والتخطيط الزراعي والصناعي، وبناء المجتمع المدني ومؤسساته الكثيرة. وما إلى ذلك، ولكن الأهم من هذا كله هو صهر الإنسان العربي “المواطن” في الهُوية الوطنية وفي الفضاء القومي العروبي. ولذلك، وبسبب النسبة الواسعة للطبقات الاجتماعية الكادحة على امتداد الوطن العربي، نجد أن هذا المشروع قد وجد حوامل اجتماعية كبيرة، وقوية بنى عليها دعامات حكمه وأيديولوجيته السياسية القادمة لعشرات السنين. فكانت التجربة السورية والعراقية في”حزب البعث العربي الاشتراكي” واللبنانية؛ “الحزب القومي السوري” والمصرية؛ “التجربة الناصرية” وغيرها من حركة القوميين العرب في اليمن وبورقيبة في تونس وهواري بومدين في الجزائر، وقد شهدت تلك الحقبة نفسها انحساراً لباقي المشاريع المُنافسة من شيوعية وليبرالية ودينية معتدلة وغيرها. مع بقاء بعض الاستثناءات في بعض الأقطار العربية كلبنان والمغرب والأردن وبعض دول الخليج. حيث حافظت المَلَكيَات العربية على تركيبتها السياسية دون تغيير مع انتفاء الرهان القومي في سياساتهم، بسبب الثروة النفطية وعوامل التجذّر الديني التي جعلتهم في منأى عن وحدة المصير العربي سياسياً وثقافياً واجتماعياً.
إن سنوات المد القومي قد بدأت عام 1945 عندما اتفقت سبع دول عربية على توقيع ميثاق جامعة الدول العربية ثم تصاعد هذا المد القومي حتى بلغ ذروته في عام 1957 الذي بعد عام واحد تجسد في قيام أول دولة عربية في التاريخ الحديث بقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا .
كان مقتل المشروع القومي هو في تحييد الآخر المختلف، وإلغاء التمايز. وبناء الدولة والمجتمع على أيدلوجية واحدة تنحو بتطبيقاتها ونهجها باتجاه العصبية الفكرية والمجتمعية. وغاب عنه أن وحدانية التفكير والرؤية وانعدام التنوّع والمشاركة يفضيان في نهاية الأمر إلى الانغلاق والاستئثار بالحلول التي قد تكون خاطئة. مما يترتب على التطابق الفكري والمعرفي في الإطار الشمولي من تماثل في وجهات النظر، وإن لم تتماثل وتخطيء فإننا نجد أن تداخلاً خطيراً بين العام والخاص يتحقق، مع ما يفرز ذلك من غض النظر عن الخطأ وانعدام المحاسبة بسبب تداخل العلاقات الشخصية والعائلية والمناطقية، وحتى الدينية والطائفية أحياناً في كوادر الأنظمة الشمولية. لأن من طبيعة التطابق أن يكون مناخاً لهذه الانزلا قات، بينما تحكم طبيعة التمايز والاختلاف هذه التمايزات وتضبط إيقاعها المجتمعي العام والوظيفي المسلكي. وقد طالت هذه الأمراض شتى ميادين الحياة، وتحوّلت إلى ثقافة مجتمعية عامة تسيطر بفكرها ونهجها على الدولة والمجتمع ومؤسساته وأفراده.
يشهد التاريخ اليوم حركة متبدلة قوية نتجت عن تناقضات عربية وعولمية بنيوية عميقة أثرّت كثيراً في دول العالم الثالث والدول النامية، بينما نجد إرهاصات أقل في الدول المتقدمة، تلك المحصنّة تحصيناً جيداً أمام التحدّيات والتحوّلات العميقة. أدت إلى فراغ كبير في العقل الجمعي العربي. الذي وبسبب غياب فكرة الدولة في بعض الجوانب، وتحديداً منها الاجتماعي والاقتصادي، وافتقاده للحضن الدافئ لها وجد في الدين مرتعاً دافئاً ومنبعاً ثقافياً لعقله الذي تم استلابه واختراقه بمشاريع خارجية دينية التوجه، أصولية النهج، عنيفة التفكير والتطبيق. وكما يقول فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبو العلاء المعرّي: “إن الناس نوعان؛ ذو عقل لا دين له، وديّنُ لا عقل فيه”. وهذا ما ألغى العقل، ونهج التفكير السليم. في هذا الاستلاب العقلي ذو التوجه الديني السلفي لأن عامة الناس، أو العوام، وبحسب توصيف الفيلسوف عبد الرحمن الكواكبي: “عقولهم في عيونهم”، أي أنهم يحكمون بحسب ما يشاهدون ويبنون محاكماتهم العقلية على هذه المشاهدات. ومع غياب الرقابة من الدولة. وانحسار دور المؤسسات، وقلّة الخدمات واستشراء الفساد والبيروقراطية في أجهزة الدولة ومؤسساتها نجد أن فكرة المواطنة، أو مفهومها يفقد تعبيراته وتعييناته المجتمعية على أرض الواقع. ما يسبب خلق هوة حقيقية بين فكرة الوطن، كحاضن شامل ودافئ لهذا المواطن. وبين فقدانه لأدوات التفكير المعرفية، فيتحوّل إلى كائن مُسَتلب، يخضع للتأثيرات الخارجية والداخلية لأنه يفتقد إلى التفكير الجدلي الصحيح. ويقول المفكر الياس مرقص في هذا الصدد؛ إننا لا نحتاج إلى علماء أو مفكرين. بل نحنً نحتاج إلى شعب مُفكِّر. بمعنى أنه لا خوف على شعب يستخدم عقله استخداماً صحيحاً وسليماً. أما إذا تركنا هذا العقل عرضة للاستلاب الديني والتوظيف السياسي تحت هاتين المظلتين فإننا سنحصد بشراً يتمردون في لحظة ما على كل شيء. ويمارسون العنف فيما لو تطلب الأمر. حيث أنه من المعروف في نظريات علم الاجتماع بأن الضغط الدائم والمتواصل على البشر وتغييب حقها في التعبير يؤدي في النهاية إلى شذوذ هذه الفئات من الناس. على مبدأ المثل الشعبي الذي يقول: ” كثر الضغط يولد انفجار.
يمكن اليوم قراءة هزيمة محققة للمشروع القومي. عبر تراجع الانتماء الوطني أولاً والقومي ثانياً لدى غالبية الشعوب العربية التي تماهت مع تطورات العولمة وإرهاصاتها وثقافتها. من المؤكد بأنَّ هناك أسباباً موضوعية كثيرة أيضاً لعبت دوراً أساسياً في هذا الانحسار، كان أهمها التصحر الثقافي لدى المواطن العربي، والأنظمة التي احتكرت الحياة السياسية وجمدّت طاقات المجتمع الحرّة، إلاّ فيما يخدم أيديولوجيتها وتوجهها الفكري. ثم غياب المشاريع التنموية والفقر المستشري واتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية ومعدل التوالد وزيادة عدد السكان غير العقلاني وغير المنظم، وقلّة الموارد لبعض البلدان وتحدّيات الغرب المترصد بكل مشروع عربي ناهض، ووجود إسرائيل. ثم العولمة الثقافية والفكرية والاقتصادية وما ترتب عليها من إرهاصات تركت أثراً كبيراً على شعوب دول العالم الثالث، وسوريا من بينها. وثورة التقنيات والإعلام الموّجه الذي فقد موضوعيته ورسالته السامية في إيصال الحقيقة إلى الناس، وإلى ما هنالك من أزمات ومشاكل كبيرة كانت السّمة التي ميّزت الانتقال من القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين. وفي هذا الصدد، يشكو علماء الاجتماع في المجتمعات اليوم من اختلال كبير في المعايير ومنظومة القيم، والفساد وحوادث العنف ومن تفكك الأسرة، وانتشار قيم مادية تُعلي من قيمة الكسب السريع على حساب العمل المُنتج، ومن ضعف روح التعاون والتضامن الاجتماعي، ومن تدهور نمط الحياة اليومية، والقرية تتحول من منتجة إلى مستهلكة، والمباني السكنية تزحف على الأراضي الزراعية. والأراضي يجري تجريفها لغايات استهلاكية محضة.* وهذا بحسب ما جاء به الأستاذ والباحث جلال أمين في توصيفه للمجتمع المصري، وما ينطبق على مصر ينطبق على سوريا وغيرها من بلدان متشابهة. كل هذه التحدّيات تركت أثراً كبيراً في إيصال المواطن العربي إلى الإفلاس الفكري والثقافي الذي تحوّل لاحقاً إلى تربة خصبة للمدّ الأصولي الديني الذي استطاع توظيفه أحسن توظيف لنجد هذا المدّ السلفي قد بات من أكبر التحدّيات التي تواجه المنطقة برمتها وأنَّ مشروعه السياسي يلقى رواجاً كبيراً بين الناس، الذين يئسوا من رحمة الحياة الأرضية وعدالتها وسوء توزيع الدخل والقوانين المدنية الوضعية المجحفة، فوجدوا ضالتهم في الدين والغيب، والتطلّع إلى السماء إلى ربٍ عادل يرأف بهم وبهمومهم ومشاكلهم.
كان لاندلاع الأزمة السورية أسباب داخلية وأخرى خارجية، وفي هذا الصدد يمكن القول أن الأسباب الخارجية قد ابتلعت الأسباب الداخلية وتضمنتها. من حيث أن الأسباب الداخلية كان يُمكن مُلاقاتها، وتقديم الحلول لها. وخاصة بعد أن لاقت القيادة السياسية هذا الحراك في بدايته ببرنامج إصلاحي، وإن كان خجولاً بعض الشيء، ولا يرقى إلى مستوى الأزمة وعمقها، إلاّ أنه كان من الممكن المراهنة عليه والبناء بشكل تراكمي كخطوة أولى. ولكنَّ الضخ الإعلامي الكبير، وتضافر المشاريع المطروحة في المنطقة وخاصة الإسلامية منها قد أدى إلى تسعير هذا الحراك وتأجيجه بشتى الطرق والوسائل لغايات ثأرية في بعضها، وكيدية في بعضها الآخر، ومنهجية في جانبها العام بما يتقاطع مع المشروع الإسلامي الشامل في المنطقة والذي يمتد بطموحاته من طنجة إلى جاكرتا، ويطرح نفسه بديلاً عن المشروع القومي الذي كان مازال سائداً ولو بدلالات جزئية صغيرة وتحديداً في الأنظمة الجمهورية في الوطن العربي. يقول الأستاذ الجامعي وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي زياد حافظ في ورقته المقدمة إلى الأمانة العامة للمؤتمر القومي في بيروت 29- 30 أيلول 2012 ما يلي:
“هذه التعقيدات (عن الوضع السوري) تعود في رأينا إلى الدور السلبي الذي انتهجته بعض الدول الإقليمية، وهي معروفة بتأجيج الصراع في سوريا وتحويله إلى صراع طائفي مذهبي. بعض الرموز الإسلامية المرتبطة بتلك الدول ساهمت بشكل مباشر في تحويل الصراع من أجل إصلاحات مشروعة إلى صراع طائفي مذهبي لم تكن سوريا تعرفه. ولم يكن لينفجر لولا الأخطاء المتراكمة التي ارتكبها النظام عبر سنين. سواء على الصعيد السياسي أو الأمني أو الاقتصادي. ولكن بالمقابل علينا أن نسجل إقرار القيادة السورية بضرورة الإصلاح، ومبادرتها لتحقيق بعضها. وإن اعتبرها البعض متأخرة وغير كافية. لكن يبقى استكمالها، والأهم من كل ذلك إجراء المصالحة الوطنية العامة، وهذا هو الجهاد الأكبر والأصعب. هذه الدول ساهمت في عسكرة الحركات الاحتجاجية في سوريا، عبر التدخل الإعلامي السافر والإمداد بالمال والعتاد والوعود بقرب النصر وتأمين الاحتياجات اللوجستية للمجموعات المسلّحة التي لا يربطها رؤية سياسية موّحدة تجاه الوضع الحالي والمستقبلي”.*
يبرز في هذا المجال تطوّر الإسلام السياسي العربي تطوراً مُلفتاً من حيث قدرته على تحقيق اختراقات كبيرة في المجتمع العربي عامة، وفي سوريا تحديداً عبر اعتماده على حوامل اجتماعية واسعة، وقدرة تنظيمية كبيرة. مُضافاً إلى ذلك مهارة براغماتية في التعاطي السياسي مما زادَ في مقدرتها الاستقطابية في المستويين الاجتماعي والسياسي، وذلك بنتيجة الخلل الحاصل والفراغ الذي شكّلته العوامل المذكورة أعلاه، وقد جاء المشروع القطري المبني على تعميم تجربة الإخوان المسلمين في العالم العربي ومحاولة نمذجة هذه التجربة بدلالات النظام التركي الجديد ممثلاً بحزب العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان، جاء هذا المشروع بما فيه من صراعات جيو- سياسية، ومنافسات كبرى على أسواق الغاز العالمية بما يرسم التحوّل في سياسات الطاقة العالمية الجديدة، ليقوّي لوجستياً ويعززه مادياً وعسكرياً من قدرة الإسلام السياسي على تحقيق تقدم ملموس في الوعي السياسي العام للعقل الجمعي العربي.
أستشهد هنا بدراسة مختصرة للدكتورة غادة اليافي، ابنة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق حول الحرب على سوريا والدراسة منشورة في موقع شبكة الوحدة الإخبارية بتاريخ 17/11/2012 وهو موقع أردني بالمناسبة:
“في العام 1995 عقدت صفقة في قطر أدت إلى انقلاب الابن على أبيه، وجرى ترسيم الحدود مع إيران وبدأ استخراج الغاز لتلبية الطلب الأوروبي، فكان البدء بتسييل الغاز القطري ومد الأنابيب من قطر إلى أوروبا. والبحرين وسلطنة عمان يشترون غازا بعيدا، بينما الغاز القطري مخصص للسوق الأوروبية لمنافسة الغاز الروسي، وجاء هذا بعد أن قامت واشنطن بإشعال الشيشان ويوغسلافيا بوساطة الأفغان العرب.
في العام 1996 كان بوتين قد بدأ الإمساك بزمام الأمور جراء الوضع في الشيشان وتأسست شركة غاز بروم التي ستصبح هي الحاكم الفعلي لروسيا على غرار الشركات الأمريكية التي تحكم الولايات المتحدة.
مشروع الشرق الأوسط الجديد:- واشنطن تدرك خريطة الغاز في المنطقة وهي في تركمانستان وأذربيجان وإيران ومصر، والغاز الذي كانت تعلم به واشنطن فقط في ساحل البحر الأبيض المتوسط ما بين فلسطين ولبنان وقبرص، وأدركت واشنطن إن السيطرة على هذه المنابع تعني بقاء أمريكا قطباً وحيدا يدير العالم، فهي قادرة على منافسة الغاز الروسي، ولأن وصول الغاز إلى أذربيجان وتركمانستان صعب لأنهم في منطقة نفوذ روسي، فإن الوصول لهم سهل في حال سيطرت واشنطن على غاز المتوسط و زودت أوروبا بالغاز وأصبحت موسكو عاجزة عن شراء الغاز من آسيا الوسطى، التي سترغم للدخول في النفق الأمريكي، ولكن الحصول على الغاز في المتوسط يحتاج إلى سلام في المنطقة، والسلام في المنطقة وفق الشرعية الدولية سيكون بداية نهاية إسرائيل، وهنا قررت واشنطن تقسيم الشرق الأوسط إلى دول طائفية تديرها إسرائيل، بحيث تتمكن من تصفية القضية الفلسطينية، ولكن قبل طرح مشروع الشرق الأوسط الجديد كان هناك طريقة أسهل في نظر واشنطن وهي القضاء على المقاومة في لبنان فيمكن الوصول إلى الغاز دون حل القضية الفلسطينية، التي أصبحت عائقا أمام مستقبل واشنطن، فكيف بدأت واشنطن بالعمل للسيطرة على هذه المنطقة، علماً بأن المشكلة في وجه واشنطن هي إما تصفية القضية الفلسطينية أو القضاء على المقاومة في لبنان
في العام 2002 عقدت واشنطن صفقة مع رجب طيب أردوغان وعبد الله غل الذين انقلبا على معلمهم نجم الدين أربكان، وأسسا حزب العدالة والتنمية ليصبح عبد الله غل أول رئيس حكومة إسلامي في تركيا، وكما كان انقلاب حمد على أبيه في قطر سببه الغاز كان الانقلاب في تركيا سببه الغاز أيضاً. فمع ظهور حزب العدالة والتنمية أعلنت واشنطن عن خط غاز نابوكو، وعند الأمريكيين حتى الاسم له معنى، فنابوكو اسم عمل موسيقي لفيردي يتكلم عن ما سمي سبي نبوخذ نصر لليهود في العراق, و بعدها بعام تم احتلال العراق”.*
طبعاً الحرب على لبنان في العام 2006 يدخل ضمن هذه الإستراتيجية وهذا المخطط الشامل للمنطقة. وكان الغرض منه تطبيق اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل وبذلك يتم تصفية حزب الله كفصيل مقاوم وحجر عثرة في وجه أي اتفاقيات غاز يمكن أن تُبرم مع الحكومة اللبنانية التي ستكون بالضرورة تدور في فلك المصالح الأمريكية والخليجية ممثلة بالسعودية وقطز وهذا طبعاً كان لاحقاً للضغط الهائل الذي تعرض له النظام في سورية فيما بعد نيسان 2003 بعد سقوط النظام العراقي. وبعدها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بمؤامرة إقليمية ودولية كبرى لم تتكشف خيوطها حتى اليوم.
إنَّ هذا يُثبت حجم الخطورة الذي يتعرض له الأمن القومي والإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط. والذي كانت سوريا مفتاحه لما يقارب العقود الأربعة المنصرمة. كما يبرهن على حجم الصراعات الدائرة في أقاليمه وأقطاره ومدى توّرط الدول الكبرى وخاصة الغربية منها في هذه الصراعات ومحاولتها اختراقه بشتى الوسائل لتحقق نفوذاً سياسياً وسيادياً فيه عبر تشكيلات سياسية تتوافق مع أهوائها ومصالحها كتلك التي يمثلّها غالبية أطياف المعارضة السورية في الخارج، والذين ثبتَ بمناسبات كثيرة ارتهانهم لتلك المصالح، وافتقادهم للقرار المستقل ودورانهم في فلك هذه الدول إقليمياً ممثلةً بتركيا وقطر والسعودية ودولياً ممثلةً بأمريكا وفرنسا وبريطانيا. وهم نفس الدول، ومن خلفهم إسرائيل، صاحبة غزو قناة السويس الشهيرة في عام 1956 على مدينة بورسعيد بحق أخوتنا في مصر على خلفية تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للقناة.
وها هو اليوم التاريخ يكرر نفسه ويعكس عدوانية هذه القوى الغربية التي تقف أمام أي طور تنموي وتقدمي لشعوب المنطقة وبكافة الوسائل. لذلك نجدها اليوم تدعم بالمال والسلاح وفي المحافل الدولية والمنظمات الأممية وتمنع على هؤلاء المرتهنين لهم القيام بأي دور سياسي عبر حوار شامل يكون فيه مخرجاً للأزمة وللوطن ويحفظه أرضاً وشعباً من أعظم الشرور القادمة. وعبر هذه الأدوات الصدئة سيسعون إلى تغيير وجه الشرق الأوسط بكلّيته سعياً لتسليمه لقوى الظلام والرجعية العربية وإعادة توزيع صادرات النفط والطاقة بطرق أكثر ربحيةً وبما يتماشى مع مصالح الغرب وإسرائيل. غافلين بذلك عن أي بعد لشروط الأمن القومي الإستراتيجي البعيد المدى للمنطقة ودولها، ورامين خلف الحائط كل طموح للتأسيس لمستقبل أفضل ومشروع عربي واحد يجمعه التكامل الاقتصادي والثقافي والعسكري والسياسي. وهذا بعلم السياسة، شرُّ أكيد وسيترك المنطقة برمتّها عرضة للنهش والاستلاب من قبل القوى الاستعمارية التي تَحضُر بلبوس جديد تحت مسميّات عديدة. وهذا ما سيجعل آفاق المنطقة كلّها مرتهنة لصراعات دائمة ومتجددة لا تتوقف ولا تنتهي، مما يرسم لوحة سوداء لمستقبل غامض يأخذ الجميع في متاهاته ..؟!!
يبقى الصراع العربي الإسرائيلي الطامّة الكبرى في الشرق الأوسط، ومنه تنتج الكثير من التناقضات التي تؤدي إلى المزيد من الصراعات. فالاستقرار السياسي في المنطقة مرهون بحل القضيّة الفلسطينية ومشكلة الصراع العربي الإسرائيلي لأن إسرائيل هي الحليف الثابت الذي ينفذ الغرب من خلاله مخططاته تجاهنا بالتكامل والتضافر والمؤازرة من القوى الرجعية العربية ممثلةً بالتيارات الإسلامية السلّفية التي تحمل راية الإسلام كذباً وبهتاناً وتُشرعِن القتل والذبح وسفك الدم السوري لأخيه السوري، والإسلام منهم ومن شرورهم براء. بالإضافة إلى بناء الإنسان الحر الكريم، وبناء ” المواطن” كما يقول المفكر السوري الراحل الياس مرقص:” نحن بحاجة إلى المواطن، لأن صفة المواطن تتضمن كل القيم. وكذلك بناء المؤسسات الدستورية الحرّة والمستقلّة. وفصل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وإعادة إحياء المجتمع المدني وإعطائها دورها الحقيقي في القرار والمشاركة في صنع المستقبل الوطني. انطلاقاً من كرامة الإنسان بوصفه كائن حر مستقل يساهم في عملية البناء والتنمية بكل طاقاته. ويربطه بالوطن عقداً اجتماعياً يكون صلة الوصل بينه وبين السلطة السياسية القائمة والمنتخبة بشكل حر ونزيه. طبعاً كل هذا لا يمكن تحقيقه إلاّ في مناخات الديمقراطية والحرّيات العامة. فهي التي تشكل الانتماء الأول وتشارك في صهر الهُوية المجتمعية والوطنية العامة التي ينصهر فيها جميع المواطنين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الدينية والطائفية والقومية والمذهبية. هكذا فقط، يمكن رسم مستقبل أفضل لسورية وهذا ما يمكننا جميعاً من الوقوف في وجه التحدّيات القادمة، ومواجهة رهانات المستقبل التي تلوح تباشيرها كغيمةٍ سوداء تُسقط الو حول علينا وعلى زهورنا اليانعة ممثلة بالشباب وطاقاتهم المهدورة بطريقة مأساوية تذهب بالغالي والنفيس .. ومن دون ذلك لا يمكن لنا أن نلتفت إلى مشاريعنا التنموية ونؤسس لبناء الإنسان العربي الحرّ الكريم الذي يكرّس طاقاته في الإنتاج والعمل بدل التطلّع إلى السماء وإتباع النص الغيبي المقدّس الذي يتغلب على طموحاته المدنية والحداثوية. من هنا نجد أن هذا الصراع الذي تشهده سورية يشكل التحدّي الأكبر في هذا السياق. ويمكن القول بدرجة أقل، أن الصراع الكامن بين القوى العلمانية التي تسعى إلى بناء مشروع مدني تصطدم بالقوى الظلامية التي تناهض كل فكر علماني تنويري أو مدني، ويشكل هذا أحد التحدّيات الكبرى في المنطقة التي بدأت تتلاعب بها التيارات الأصولية السلفية، من وهابية و إخوانية، وبدأت هذه التيارات تنتظم في الحياة السياسية العامة وتنتج مشروعها في الحكم عبر صناديق الاقتراع بسبب عقل المواطن العربي المُغيَّب عن معالم العصر وعدم تصالحه معها وانسجامه فيها.

الهوامش:

*- جلال أمين ماذا حدث للمصريين، تطور المجتمع المصري في نصف قرن من 1945- 1995 القاهرة/ دار الشروق 2009 ص 1-11
*- زياد حافظ . مستقبل العلاقات بين التيار القومي العربي والتيار الإسلامي السياسي. ورقة مقدمة للمؤتمر القومي العربي – بيروت 29-30 أيلول 2012 / عن مجلة المستقبل العربي العدد 405- تشرين الثاني 2012
*- الدكتورة غادة اليافي. دراسة منشورة في موقع : شبكة الوحدة الإخبارية الأردني بعنوان :” لماذا انقلبت تركيا وقطر على سوريا، وأيدتها روسيا والصين” تاريخ 17/11/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق