سوريا … و«جبهة النصرة» / خليل علي حيدر

لا أحد في سوريا توقع أن تدوم الانتفاضة والثورة ضد النظام طوال هذه الفترة، أو أن تكون مدمرة ودموية إلى هذا الحد، وبخاصة بعد وقوع سبعين ألف قتيل وتهجير مليون لاجئ، ونزول دمار هائل ببعض المدن والمناطق السورية. لم يسقط النظام حتى الآن، وقد يستمر في البقاء لفترة، ولكن إنهار شيء لا يقل تسلطاً وهيمنة على نفوس السوريين .. وهو جدار الخوف. ومع نزول عشرات الآلاف من السوريين إلى الشارع، في تظاهرات معارضة للنظام، يضيف التقرير الذي نشرته “القبس” في 12-3-2013، انهار جدار الخوف إلى غير رجعة، كما يقول أبو غازي، الذي يخاف من شيء آخر الآن، “المهم ألا يأتي بعد الأسد شكل آخر من الديكتاتورية”.

شكّلت مجموعات إسلامية مقاتلة في محافظة دير الزور “الهيئة الشرعية للمنطقة الشرقية من سوريا”، كما جاء في الصحف، لتتولى إدارة شؤون الناس في هذه المناطق، حيث يسيطر مقاتلو المعارضة على أجزاء واسعة من محافظتي دير الزور والرقة، فيما يتخوف ناشطون علمانيون «من أسلمة المنطقة الشرقية» بعد الإعلان عن الهيئة التي يبدو أنها ستنفذ الأحكام الشرعية في محاكم إسلامية، بحسب حقوقيين معارضين في محافظة دير الزور، وبخاصة وأن من بين المجموعات التي شكلت الهيئة “جبهة النصرة” الإسلامية المتطرفة التي أدرجتها الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابية، متحدثة عن ارتباطها بتنظيم “القاعدة” في العراق.

وتنتشر ظاهرة “المحاكم الشرعية” الإسلامية على نحو غير مسبوق في المناطق التي يسيطر عليها المعارضون الإسلاميون المسلحون، ويتخوف الحقوقيون من أسلمة المنطقة وإلغاء القانون المدني المعمول به في المحاكم منذ استقلال سوريا، كما اصطدم الإسلاميون بالحقوقيين السوريين العلمانيين في قرى ريف حلب.

ويستقطب المقاتلون الإسلاميون الناس في المناطق المحررة من خلال العون الاجتماعي وتوزيع المساعدات. وتبرز في هذا المجال “جبهة النصرة”، ذات الصلة “القاعدية”، التي تدعم كذلك بعض الجماعات الإسلامية الأخرى مثل “لواء التوحيد”، الذي يقوده “الحاج مرعي”، والذي يتبع “الجيش الحر”. وكان “مرعي” يعمل تاجراً قبل عامين، ولكنه بات الآن أقوى رجل في المعارضة في مدينة حلب، ويعد لواء التوحيد أكبر الوحدات وأكثرها تنظيماً في مدينة حلب.

ويعترف مرعي بأن “جبهة النصرة” قد أضافت إلى قوة المعارضة في المدينة مضيفاً، “أنهم مقاتلون شجعان للغاية، ونحن نعمل إلى جانبهم في الخطوط الأمامية للمعركة، ومع ذلك، نحن نتفق معهم من الناحية العسكرية وليس من الناحية السياسية”.

أصبحت حلب مدينة مخيفة، لا سيما في الجزء الشرقي منها، لأنه يقع تحت سيطرة الثوار ويتعرض للقصف من النظام. ويتحدث التقرير عن «مروان القايدي»، أحد القضاة الأوائل الذين غيروا ولاءهم في حلب. ويتحرك «قايدي» ومن معه بناء على خليط من المعايير القضائية ومبادئ الشريعة الإسلامية. “إن الحفاظ على النظام العام ليس مشكلة شائكة، بقدر تنامي عدد المتطرفين”.

ترتكز شعبية «جبهة النصرة»، يقول هذا التقرير، على عنصر المال لا الانتصارات العسكرية: «تملك الجماعة الإسلامية ما يكفي من المال لشراء مئات أطنان الطحين من قائد محلي في “الجيش السوري الحر». إنها كمية كافية لتزويد أفران حلب طوال أسابيع. يملكون أيضاً المال الذي يسمح لهم بتوزيع الغاز والبنزين بالأسعار المدعومة القديمة، وبتنشيط عمليات جمع النفايات في بداية فبراير، وقد نجحوا منذ ذلك الحين بالتخلص من أكوام هائلة من النفايات والأنقاض”.

من أين تأتي هذه الأموال؟ لا أحد يعلم مصدر الأموال، وعن الشخصيات التي تقود العمل العسكري والاجتماعي يقول: لا أحد يخبرهم بهوية قائد “جبهة النصرة”، وحتى القائدان الأساسيان في حلب يغيران اسميهما دوماً ولا أحد يستطيع التأكيد على وجود مسؤول أعلى رتبة منهما. ويكشف العضو السابق في الجماعة، أن معظم المسؤولين رفيعي المستوى يأتون من أوساط الإسلامين السوريين الذين ذهبوا للجهاد في العراق عام 2003، وقد اعتقلوا بعد عودتهم ثم أُطلق سراحهم مجدداً في مارس 2011.

ويؤكد صالح القلاب أن “جبهة النصرة” تأسست داخل سوريا في مدينة حمص في الرابع والعشرين من يناير 2012، “والثابت أن الذين أسسوها جميعهم سوريون دون أي مشاركة من قبل وافدين من الخارج. وتحدث تقرير صحفي عن “جبهة النصرة” مشيراً إلى أن مقاتليها يعيشون في معسكرات خاصة خارج القرى، ويعملون في مراكز توزيع إغاثة تنتشر بين الأحياء السكنية لكنها تتفادى الاندماج الكلي فيها. وقد اكتسبت الجبهة «سمعة طيبة» في المعارك “لأن شبانها يقاتلون حتى الرمق الأخير، فهم لا يهابون الموت لأنه طريق أقرب للشهادة. وتعتمد الجبهة على الالتزام المطلق من عناصرها وتدربهم تدريباً صارماً».

ومن الدروس المستقاة من العراق، تقول إحدى الصحف، “تلك التي تجعل النصرة في بلاد الشام تتفادى التكفير العلني، وتتحاشى تنصيب أمراء أو قادة ميدانيين من المقاتلين الأجانب، ولا تلجأ إلى العمليات الانتحارية إلا في الضرورة القصوى. فهي وفق مصادر محلية، لا تُعد أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل في كامل سوريا يشكل الأجانب بينهم أقل من 10 في المئة، وتتلقى التمويل والسلاح بشكل مباشر ومن دون مشاركة أحد».

ويقال إن اسم هذا التنظيم هو «جبهة النصرة لأهل الشام»، وتتلخص أهداف الجبهة، بحسب قائدها وأميرها «الفاتح أبا محمد الجولاني»، بـ “إعادة سلطان الله إلى أرضه، والثأر للعرض المنتهك والدم النازف، ورد البسمة للأطفال الرضع والنساء الرُمَّل».

ويشيد الناشط السياسي حارث عبدالحق، من حلب، بما تقوم به “الجبهة” وما تقدم للناس من خدمات. لكن المخاوف تكمن في ما تصبو إليه “الجبهة” بعد سقوط نظام الأسد وما تسميه بالدولة الإسلامية. وكانت المعارضة السورية تصر في بعض الأوقات على تبعية “جبهة النصرة” للمخابرات السورية بهدف تشويه صورة المعارضة. لكن معركة تحرير حلب في يوليو 2012 بنت علاقة جديدة متميزة بينهما.

ويرفض بعض الخبراء تصنيف «جبهة النصرة» كمنظمة إرهابية. ومن هؤلاء نعمان بن عثمان، القيادي السابق في الجماعة الليبية المقاتلة. لكنه يؤكد أنها «منظمة تحمل فكر وأيديولوجيا القاعدة”. وأكد تقصٍّ استخباراتي أميركي حول الجبهة، «بأن التنظيم الموجود الآن في سوريا هو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، التابع لـ «القاعدة»، ولهذا السبب وضعوها ضمن لائحة الإرهاب، وهو الأمر الذي لقي رفضاً من ممثلي المعارضة السورية وقادة الجيش الحر.

وتمضي الصحيفة متسائلة عن هوية أمير التنظيم المجهولة التي تقول بعض التقارير إنه «أبو محمد الجولاني»، الذي قيل إنه توفي في العراق 2006، ثم قيل إنه موجود في سوريا، وإنه «يجلس متلثماً في اجتماعاته مع أمراء الجبهة في المحافظات السورية.

ويقال إن الغموض يلف أمراء الجبهة في كافة المحافظات فهم متعددو الجنسيات وإن كانت تغلب عليهم الجنسيتان العراقية والليبية. ويتوقع الإسلامي «أبو سياف» حصول صِدام بين «الجيش الحر» و«جبهة النصرة» بعد سقوط النظام، وربما وقعت عمليات قتل جماعي في صفوف “الجبهة”، ويتوقع آخرون لكل الرافضين لمواصلة القتال في صفوف “الجبهة” بعد سقوط نظام الأسد على غرار ما حصل في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي. ويقول «الناشط مصطفى»، كما تنقل الصحيفة، بأن “جميع المجاهدين أُخبروا قبل الانخراط في الجبهة بأن الهدف ليس إسقاط النظام ولكن إقامة دولة إسلامية”.

عن جريدة الاتحاد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق