سورية تُصلب على خشبةِ العار!

هي ذي روما تحكمك يا بلادي من جديد، وهو ذا بيلاطسُ البنطيُّ جالسًا على عرشِهِ يغسل يديهِ تبرئةً من دمِكِ البارّ المسفوك على ترابك! حاكمَكِ الأحبارُ والأئمّة وأصحاب العمائم والعروش والمناصب، وأبرموا فيك حكمَ الإعدام لقسوتهم وتطرّفهم ولكثرة وضاعتهم وجهالتهم. تجمّعوا مِن حَولك وبصقوا في وجهكِ وصعّروا خدَّكِ ومزّقوا ثيابَك، وأسلموكِ يا بلادي إلى الصّلبِ والموت، إلى أيدٍ غريبة تحكم قلوبهم القلفاء غير المختونة ختانَ عهد المواطنة وحبّ الوطن!

جميعهم من الأممِ الغريبة تآمروا عليكِ وأحاطوا بكِ كزمرةٍ من الأشرار، وكقطيعٍ من الضواري الجائعة الشرسة نهشوا لحمَك وشربوا من دمِكِ. حتّى أبناؤك يا بلادي خانوكِ، وبزناهم دنّسوكِ، يزنون مع بلادٍ بعيدة وشعوبٍ بعيدة وغايات غريبة، يفترشون ثوبَ عرسك مغموسًا بدماء زناهم وقذارات فحشهم وعارهم. جعلوا من أنفسهم رمزًا للخيانة، وشعارًا لكلّ مَن يقتل أمّه بيديه، ولقايين الجديد قاتل أخيه!

على عمودٍ من الأحجار، في ساحة ترابيّة، أركعوكِ، ورفعوا السّوط يجلدونكِ، ويثخنوك بالجراح والكلوم، خطوط حمراء تنزّ منها الدّماء بغير التئام. من نزاعاتهم وصراعاتهم حول أرضٍ أو سماء، التفّوا يجدلون لكِ إكليلَ شوكٍ يغرزونه في رأسك، بدلَ إكليل غارٍ يزيّنون به صدركِ. وبعدَ كلّ هذا العذاب الذي جرّعوكِ، ألقوا القرعةَ على أثوابِك وثرواتك، وراحوا يتناهبونَكِ كلصوصِ المغارة، فهذا لذاك، وذاك لهذاك، حتّى عرّوكِ إلا من ورقة تين تستر ما تبقّى.

شربتِ كأسَ الآلامِ باحتمال، بغيةَ الفداء، ولـمّا تكفيك بعد كلّ هذه الأوجاع. حكموا عليكِ بالموت، وحين همّ الطاغية بتبرئتكِ إذ لا ذنبَ لكِ في كلّ هذا الحدث، صرخوا جميعُهم أبناء وغرباء: “اصلبها، اصلبها، اصلبها…”، فأمّا أنتِ أيّتها العروس المغتصَبَة فوقفتِ تنظرين كل هذا الحشد الصّارخ بالصّلب الآتي من أفواه الأحقاد والرّذائل والجاهليّة، مَن أرضعتهم وسقيتهم وغذّيتهم، مَن فجّرتِ جسدكِ قمحًا وزيتًا وعسلًا في سبيلِ إحيائهم، مَن نسجتِ مِن شعرِك الأبيض الطّويل أرديةً وأكسية لتغطيتهم وتدفئتهم!

دفعوكِ في دربِ جلجلتكِ، ترتقينها نازفةً متوجّعةً ممتلئةً باليأسِ وعارِ الموتِ القريب! صليبُك الخشبيّ ثقيلٌ ثقيل، على منكبيكِ الهزيلين رفعتِهِ تمشين نحو قمّة الموت. في طرقات الأرضِ المقدّسةِ سرتِ، كلّ المدن والبلاد المحترقة تنظرُ إليكِ، وأنتِ تصبرين، تعزّين النّفسَ، تقولين: “مَن يصبر حتّى المنتهى يخلص”! في آخرِ الطّريقِ رميتِ خشبة العار، فجندلكِ الأوغادُ ومدّدوكِ على الصّليب وفي يديكِ ورجليكِ دقّوا مساميرَ الخيانة والتشفّي انتقامًا من إله الحضارة. حينها رفعوا الخشبةَ ورحتِ من أعلاها تصرخين: إلوهي إلوهي اغفر لهم على السّواء أيدرون أم لا يدرون ماذا يفعلون! لعلّ قطرات الدّم التي نزفتِها من جبهتِك ويديكِ ورجليكِ ثُمَّ جنبكِ تُنزل دمعةً واحدة من جفن الإله؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق