سويسرا: انتصار للإسلاموفوبيا، هزيمة للعقل

تقديـــم :

لا شكّ أنّ الإسلام واحدٌ بقدْر ما هو متعدّدٌ، كما يحلو لأستاذنا عبد المجيد الشرفي تأكيده وهو يدفعُ دفعًا إلى قراءة هذا التنوّع الزّاخر بالثراء، والّذي يسفّهُ محاولات الأصوليين، في أزمنة مختلفة وبلدان متباعدة، أن يفرضوا قراءتهم للإسلام وتأويلهم له باعتبارهما الإسلام الحقيقيّ الواحد الّذي ينبغي أن تُسلّم به العقولُ، وتطمئنّ إليه القلوب..ولا بأس –لدى عديد الإسلامويين – أن عملنا على نشر هذه القراءة وهذا التأويل بشتّى الوسائل الدعويّة، وحتّى بالسّيف(ومرادفاته الحديثة)، أليسَ الدّينُ عند الله الإسلام؟ أوليسَ اللهُ متمّا نورهُ ولو كره الكافرون؟ تنوّعُ الإسلام، قراءةً وتأويلا وسلوكا في التاريخ، من مصادر ثراء الإسلام وانفلاته من عقال المصادرة ومحاولات حبسه في تأويلٍ نهائيٍّ..ما جعل الإسلام خارج إطار العبادات المتّفق عليها، والقيم العليا( التي غالبا ما هي متفقة مع الأديان الأخرى، بغضّ النظر عن كونها سماويّة أو غيرها..)، يعبّر عن حيويته وقدرته على التجدّد بل والأهمّ على التلاؤم مع مختلف الحضارات وأنماط العيش، فلا يمكن بحال أن نعتبر الإسلام في تونس أو المغرب أو السعودية معبّرا عن روح الإسلام أكثر من الإسلام في ماليزيا أو غانا أو في المالديف، كما لا يمكن الاطمئنان إلى الرّأي القائل بأنّ الإسلام في السنيغال أفضل أو أسوأ من الإسلام في إيران، أو الهند أو جزر القمور.. وللإسلام في أوروبا مثلا، حقائقه التي تختلف تماما عمّا نعهده في الدول الإسلامية التي يتنازع التعبير عن الإسلام فيها متنازعون، فيهم المعبّر عن إسلام يصالح العصر ويتلاءم معه، وفيهم من يرى في الإسلام رسالة للعالمين لا ينبغي الكفّ عن نشرها بالموعظة الحسنة لدى البعض، وبالسيف ومشتقّاته لدى آخرين، وفيهم من يحافظ على خطّ الإسلام الفقهي كلٌّ حسب مذهبه، وفيهم من يرى نفسه حارسا لإسلام لا يقلّ قيمة هو الإسلام الصوفيّ، أو الإسلام الطرقيّ، أو الإسلام الشعبيّ.. الإسلام في أوروبا ذات التراث المسيحيّ ليس قديما متأصلا، وإن كان في بعض دولها أقدم زمنا من بعضها الآخر، وهو ليس في منأى عن مختلف تعبيرات الإسلام التي نراها من أندونيسيا إلى المغرب الأقصى، ولعلّ أكثر التعبيرات أثرا، أي الإسلام السياسيّ المتّصف بالتعصّب والتشدّد، هو أقلّ هذه التعبيرات حضورا وتأثيرا لدى الجاليات المسلمة المقيمة في أوروباولدى المواطنين المسلمين من أصول إسلاميّة. لكنّ هذا الإسلام اللاجئ، القلق في أفكاره حدّ التناقض بالعيش في بلدان يعتبرها تجسيدا للكفر، والباحث عن التمايز عن "الكافرين" مع التمتّع بما لم يجدوه في بلدانهم الأصلية من حرّية تعبير وحرية تنقل وحرّية تنظّم، بل ومن امتيازات اجتماعية وصحّية وتربوية، ومشاركة في انتخابات حقيقيّة.. ممثّلو هذا الإسلام يجنون على غيرهم من المسلمين، وهم الغالبية، ممّن وجدوا ما يلائم بين مقتضيات هويتهم الدينية وتمتعهم بالمواطنة، بترويج فكرة واحدة عن الإسلام: عدوّ الحضارة الغربية الذي سيقضي عليها يوما من الأيّام.. إنّ المتعصّبين الشوفينيين في أوروبا الذين يعملون على بثّ خطاب الكره والتنافر، يجدون في ممثلي هذا الإسلام المتطرّف خير حليف موضوعيّ، ويجدون في خطاب هذا الإسلام مبرّرات للمطالبة بأوروبا منغلقة على ذاتها، باحثة عن أصولها (وتفوّقها) المسيحية، وهؤلاء المتطرفون الشوفينيون لا يفرّقون بين هؤلاء الإسلامويين المتعصّبين وسائر المواطنين المنتمين بالدين أو بالثقافة أو بالتقاليد أو بمجرّد الأسماء إلى الإسلام، لكنّهم ملتزمون بحدود المواطنة، أو الإقامة، أو اللجوء.. وإنّ قراءة مسار التصويت الذي عرفته سويسرا في الأسبوع الماضي فضلا عن نتائجه، لا يمكن في حال من الأحوال عزله عن هذا السياق، سياق التطرّف الإسلاميّ بنوعيه؛ الحركيّ الباحث عن التعبير عن ذاته وعمّا يعتبره" الإسلام الحقيقيّ" بالوسائل العنفيّة والتي يراها الردّ المناسب على ما يفعله "الغرب المسيحيّ" في "دار الإسلام". والتطرّف" القاعد" بتعبير الخوارج؛ أي الذي لا يساهم في "الجهاد" لكنّه يناصره بالرأي والتأييد، وذلك أضعف التطرّف" القاعد" بتعبير الخوارج؛ أي الذي لا يساهم في "الجهاد" لكنّه يناصره بالرأي والتأييد، وذلك أضعف الإرهاب.. هناك حقيقة لا سبيل إلى نسيانها، وهي أنّ هؤلاء قد أثاروا في المواطنين الأوروبيين ذعرا حقيقيّا، أحسن توظيفه اليمينيون الشوفينيون، وصار الخوف من انتقال العدوى إلى دول تحتضن أعدادا كبيرة من المسلمين، إما كلاجئين أو كمواطنين مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ما حدا برجل مسلم معتدل مثل إمام مسجد باريس السيد دليل أبو بكر إلى التصريح : " نتيجة التصويت تعكس الخوف والقلق عند الناس".. وما يلفت الانتباه ويؤشّر إلى وعي متزايد لدى صناع الرأي العامّ في أوروبا ما تلقّت به عديد الصحف والأحزاب والمنظمات هذا التصويت السويسري حول المآذن، فليس من باب الصدفة أن تصدر التنديدات والتحذيرات من الانزلاق في المسار العنصريّ من إمام مسجد باريس والحاخام الأكبر في فرنسا وأقطاب من اليمين فيها واليسار على حدّ سواء. والحقيقة أنني اخترتُ هذا النصّ لكاتب فرنسيّ شهير هو "آلان قراش"، نشره بموقع "لوموند ديبلوماتيك"، لإحساسي بأنّ ما حدث في سويسرا معركة، ضحاياها الأساسيون هم المواطنون المسلمون الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الإرهاب الإسلامويّ، وأنّ أصحاب الفكر الإسلاميّ المنغلق هم وحدهم المستفيدون بهذه الفرصة الفريدة للتدليل على كره الغرب "لنا" ولثقافتـ"نا" ودينـنا". وهذه ترجمة لنصّ آلان قراش:

 

{{[*ســـويــســرا: انـــتــصار للإســلاموفـوبــيا، هــزيــمـــةٌ للـــعقــل*]}}

 

عندما كان السويسريون يرفضون بنسبة تقارب 70 ٪ من الأصوات اقتراحا لفرض حظر على المعدّات الحربية، كانوا يصوّتون (في الآن نفسه) بأغلبية ساحقة لفائدة فرض حظر على بناء المآذن. وقد ورد في الموقع الالكتروني للصحيفة السويسرية "لوتون" بتاريخ 29نوفمبر2009: "خلافا لما أظهرته استطلاعات الرأي، فإنّ المبادرة الهادفة إلى حظر بناء المآذن قد قبلت بأغلبية واسعة، 75 ٪من الأصوات(نتائج نهائية)، وأغلبية الكانتونات مضمونة، فتسعة عشر ونصف منها في صفّ المبادرة، وقصب السباق من نصيب كانتون " Appenzell Rhodes-Extérieures " بنسبة 71,5 ٪ ، ثمّ كانتون" Glaris "بنسبة68,8٪ ، والاستثناءات الوحيدة كانت في كانتونات جنيف حيث صوتّت أغلبية 59,7٪ ضدّ المبادرة، وكذلك "بال فيل" بـ 51,6٪ ، و"فود" و"نيوشاتل"بـ53 ٪. وقد سجّل المجلس الاتحادي هذه النتيجة في بيان أصدره يمدّ فيه الأيدي نحو المسلمين. في افتتاحيته التي تحمل عنوان" الخوف والجهل" على الموقع نفسه، كتب فرانسوا مودو يقول: "إنّ الصورة اللعينة التي التصقت بالإسلام منذ سنوات طوال – هي أصوليّة دينية كثيرا ما تتمظهر في صور صادمة جدّا مثل الإرهاب، والشريعة، والبرقع، ورجم النساء غير المخلصات، الخ.. وهي صورة أبعد ما يكون عن واقع الإسلام كما تعيشه الأغلبية الأعمّ من مسلمي سويسرا. وقد بيّنت الحملة ذلك بشكل جيّد؛ إذ دفعت مسلمي البلاد إلى الظهور العلنيّ وشرح قيمهم التي تذوب في إسلام أوروبيّ أبعد ما يكون عن الإسلام الزاحف والأصوليّ. ورغم ذلك، فإنّ صورة الإسلام السلبيّة كما وقرت في نفوس السويسريين غير الآمنين كانت لها الغلبة". ولقد نشر المجلس الاتحاديّ بيانا يوضّح فيه أنّه يقبل النتائج، وأنّه قد صار ممنوعا في المستقبل تشييد المآذن في سويسرا، وأنه لا بدّ من أخذ المخاوف التي عُبّر عنها مأخذ الجدّ. أمّا المآذن الأربع الموجودة حاليا، فإنّها غير معنيّة بهذا الحظر، و"يمكن الاستمرار في بناء المساجد وأماكن العبادة الأخرى للمسلمين واستعمالها في سويسرا". وتشير السيدة فيدمير شلومبف إلى "أنّ القرار الذي اتخذه الشعب لا يعني سوى بناء المآذن الجديدة، ولا يعبّر عن رفض للطائفة الإسلامية، ولا لدينها وثقافتها، وأنّ المجلس الفدراليّ يتعهّد بذلك، إذ أنّ السلم الدينية عنصر أساسيّ من عناصر النموذج الذي حقّق النجاح لسويسرا…". أمّا الخضر، فإنهم قد أعلنوا من جانبهم، أنّهم قد يلجؤون إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وصرّح أويلي لوينبرغر أنّه "يحسّ بالاستياء من قرار الشعب السويسريّ، وأنّ مسلمي سويسرا لم يتلقّوا صفعة، بل تلقّوا لكمة قويّة على الوجه..وأنّ التصويت نتيجة بروباغندا مُحكَمة لعبت على الأحكام المسبقة". وكنت قد أشرتُ إلى ذلك في مقالٍ لي منذ ثلاث سنوات حمل عنوان" أمازال في الإمكان نقد الإسلام؟" بقولي: "المسألة الحقيقية تكمن ههنا، فلماذا يتلذّذ بعض الصحفيين، وبعض الناشرين وعدد من المثقّفين بإلقاء الزّيت على النار؟ لماذا يغدو عدم الاقتدار مدخلا إلى نشر كتيّبات تهجّمية وغامضة، غير مدعمة بالحجج وغارقة في التعميم؟ والأمثلة عديدة عن هؤلاء المختصّين الجدد في الإسلام الّذين توّجهم الإعلام. منهم، على سبيل الذكر لا الحصر، كارولين فورست ومحمد سيفاوي، وأعمالهما في "التحقيقات" تمثّل بالنسبة إلى الحقيقة " ما يمثّله الشيطان للربّ" إذا استعرنا عبارة المطرب رينو. وصار يكفي أن تتجوّل في أيّ محلّ لبيع الكتب لقياس عدد الكتب المخصّصة للمسلمين أو للإسلام، وغالب هذه الكتب شديد الانتقاد (وهو أمر ذو مشروعيّة تامّة إذا ما اتّكأ هذا النقد على معرفة حقيقيّة)". " هل الجدل حول الإسلام مستحيلٌ أم هو غير مجدٍ أم هو ضارٌّ؟ بالتّأكيد لا، فعديدة هي الأسئلة المطروحة حول الإسلام، وحول العالم المسمّى مسلما، شريطة أن نستعمل دائما" صيغة الجمع" : فالمسلمون يزيد عددهم على المليار، وهم الأغلبية في ستّين دولة في قارات مختلفة؛ فيهم من يعيش في ظلّ دكتاتور، أو أنظمة شمولية أو ديمقراطية، ويمارسون عقيدتهم بأشكال مختلفة، ولا يمكن بالتّأكيد حصر المسلمين في عقيدة لها تأويلات متعدّدة". وكنت في نوفمبر 2001، نشرتُ مقالا في "لوموند دبلوماتيك" بعنوان" إسلاموفوبيا"، وقد عبّر عدد من القرّاء آنذاك عن تشكّكهم في هذا المفهوم، ومنذ ذلك الحين سرتْ مياهٌ عديدةٌ تحت الجسور؛ وها هي سويسرا تُثبِتُ إلى أيّ درجة غدت الإسلاموفوبيا حاضرة في المجتمعات الأوروبية. والمسؤوليّة مسؤوليتنا جميعا؛ فهناك قسمٌ من اليسار حمل الرايات الحمراء منبّها إلى الخطر الإسلاميّ لأنّه اعتقد أنّ العلمانيّة قد اهتزّت، وأنّ قيمَـ"نا" صارت مهدّدةً، فساهم(هذا اليسار) مع عدد من كتّاب الافتتاحيات في خلق مناخ سمح لليمين بالانتصار، كما مكّن أفكار صدام الحضارات من النموّ. وهناك وسائل الإعلام التي تستعمل كلّ الذّرائع، برقعٌ في الضواحي، أو غطاء رأس في البرلمان من أجل" صنع الحدث"، ومن أجل خلق خلطٍ بين الإسلام والهجرة والوحدة الوطنية والانحراف والإرهاب. لم يعد متاحا بعد اليوم أن نتحاور بكلّ هدوءٍ عن المسلمين في أوروبا وعن مكانتهم في مجتمعنا. فما يثير السخرية حقّا، أن نستنتج أنّ السويسريين بتصويتهم هذا، قد أصابوا العقل نفسه بهزيمة نكراء. {{المصـــدر: http://blog.mondediplo.net/2009-11-29-Suisse-une-victoire-de-l-islamophobie-une-defaite}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق