سو دو كو!


 كلٌّ في عُجالته للّحاق بالقطار، على الرغم من أنّ كلّ شخص يحمل تذكِرة، لكن يبدو على وجوههم عدم الإيمان بهذه التذاكر وكأنّه ثمة أحد ما سيأخذ مقاعدهم. بالنسبة لي لم أهجُس بكلّ هذا، فأنا إلى جانب الأقدار أومنُ بالأرقام أيضاً (أقصد أرقام التذاكر)، تباطئي عن الركوب كان لسببٍ وجيه، وهو أنني بمفردي، ليس مع أي شيء: لا حقائب، لا أكياس، لا أصدقاء، لا نساء، لا …، فقط شاردٌ بالسفر، انطباع السفر إلى البيت بعد أكثرَ من ستةِ أشهُر يُنبئ بالغربة، خاصّة عندما تكون المسافة أقصرَ مِن أنْ يقطعها مسافرٌ غائبٌ لأكثر من ستة أشهر.

ركبتُ القطار العربة رقم “2”  من الدرجة الثانية، حيث لنْ يحظى ركّابها بالجرائد، وبالتالي لنْ يحلّوا لعبة “السودوكو” والكلمات المتقاطعة، المقعد رقم 45″” لم يُلفت انتباهي إلا عندما بحثت عنه على طول العربة ولم أجده، كان في المنتصف تماماً ومفرداً حيثُ لن يضطرني لتحملّ جيرانٍ من المحتمل جداً أن يكونوا مزعجين، خاصّةً لمزاجٍ ربيعيٍ كمزاجي.

جلست على المقعد، وبدأتُ أتفقّدُ المكان (الركاب يتفقّدون أمتعتهم ولمـّا يفرغوا بعدُ للمكان والجيران، المراهقون منهم لمـّا يُشغّلوا بلوتثاتهم لاصطياد الصبايا بعدُ) .

 لحسن الحظّ كنتُ في اتجاه مسيرِ القطار (يؤرقني السفرُ بالاتجاه المعاكس)، بلّور مموّه يفصلُ قسمي العربة حيث المقاعد المتناظرة، صبيٌ صغير (لم يكن مقطوعاً من شجرة) في المقعد المقابل لي، يفصِلنا بلّور ينقلُ الحركات دونَ أن يفصلّها، سرعانَ ما تقدمَت امرأةٌ نحوه، توضّب الحقائب والكراتين (كأنّها مُطلقةٌ حديثاً، تعود إلى بيتها).

لم أعرف كيف انتابني هذا الشعور السيء من كونها مطلّقة، لأنّها كانت منشغلةً ولم تفرِز أيةَ تعابيرَ على تقاسيم وجهها الواضحةِ لأنّ أعلى البلّور لم يكن مموّهاً وبالتالي ينقلُ التعابير حقيقيةً بما يكفي، افترشت المقعد لأسترخي لأنني عرفت على الأقل جِواريَ أفقياً وعامودياً.

كان الطفل (طفل تلكَ المطلّقة كما في حدسي غير المبالي). أطلق تثاؤباً كافياً لينام على طول المسافة، وربما تكون هذه الحالة هي الأكثر راحةً في القطارات بالنسبة لأمٍّ، فنومه منذ بداية الطريق يعني القليل من المتاعب لها.

(سافرتُ في إحدى المرات بالبولمان مع أُختي المتزوجةِ بعيداً، لكنّ حظنا كان عاثراً منذ البداية، إذ إنّ طفليها بدآ البكاء – فألٌ سيء، ودويوتو فاشل – حيثُ صرنا مرمى لنظر الركاب كلّهم لدرجة إحساسي أننا نقوم بجرم ما، وخاصة حين رأيت في نظرة أحدهم عتاباً حادّاً ولعناتٍ على السفر، إذ استيقظ من غفوته جرّاء الصوت، كدتُ أذهب إليه لأعتذرَ طويلاً، إلاّ أنني اكتشفتُ كثيرين مثله، قضينا رُبع المسافةِ بكاءً وربعها نقدم لهم ما يمكن أن يُسكتهم ونصفها نوماً، لكنْ فاتني أنّ الأطفال هُنا لا يبكون عادةً إلا ما ندر، لكنّ أطفالنا يبكون دائماً بسبب وبدون سبب وكأنهم مفطورون على البكاء)

نام الطفلُ وهدأت العربة أخيراً، أخذ الجميع وضعية الاستراحة، وبدأ تشغيل البلوتثات والاستغراق في الأحاديث أو الاستماع للأغاني من الموبايلات، والقليل فقط منْ يُتابع فيلم (Spider man) على الشاشة، حين ركنَت المرأة (المطلقة كما في حدسي) لم أعد أستطيعُ تفسير تقاسيم وجهها عبر البلّور المموّه مكتفياً بما انطبعَ في شبكيتي عندما كانت توضّب حقائبها من خلال أعلى البلور، وضعتُ السماعات في إذني :

– مِشْ صدفة ضاع الدرب منّي

دخلتْ بِستان الوَرد …

ساعدتني السماعات على الانقطاع عن الأصوات من حولي، واستغرقت في الاستماع مدندناً بأصابعي، لكنّي لم ألحظ نفسي وأنا مندمج بالأغنية أكثر، إذ يبدو أنني كنتُ أدندن بقدمي أيضاً، ما نبهني إلى قدمي أنها اصطدمت بشيء ما قطع عليها الإيقاع، وصرتُ أنظرُ إلى الأسفل حيثُ قدمٌ أخرى تشاركني المساحة عوضاً عن اليمين الشارد عنّي خارجاً، البلّور لم يكن فاصلاً حتى النهاية بل إنه يترك فسحة تسَعُ جوزي أقدامٍ يمكنها التحرك بحرية، مصمّمٌ جميل من صمّمَ هذه العربة، يبدو أنه فرنسي (يمكن لمهندسٍ فرنسي أن يفكّر بفسحة للأقدام الشاردة).

 شردتُ بالأسفل حتى أني نسيتُ تأديةَ إيقاع الأغنية وبدأت إيقاعاً آخر، حذاءٌ نسويٌّ أسود – للأسود روعته، إنّه اللّون الوحيد الذي لا يسقُط من الموضة – والجلد يبدو مجدولاً بعناية، إلا أنّ الكعبَ هو كعب واطئٌ وكأنه مصمَّمٌ كي لا يُعطب أو ينكسر، كأني بصاحب محل الأحذية قائلاً لها: موديلٌ حديثٌ وجميل، لنْ ينكسر كعْبه أو يُعطب أبداً، وهو مناسب لطولك تماماً، إذ أنّه لو كان أطول بقليل لتطلّب امرأةً أقصر قامةً بقليل”.

 

حذائي لا يوحي بأشياء كثيرة، إنّه أسودٌ فقط دون أية حركات يمكنُ أن تُشرد أحدهم، الصدمة الأولى كانت بالمصادفة، رجع الحذاء النَسويُّ قليلاً إلى الوراء تاركاً مساحة لا بأس بها، تقدّم الحذاء الأسود الذي لا يُشرد أحداً، زاحفاً يُلاحقها دون أن يثير حفيظة أحدٍ ما ليشرد بالحركة، استطاع أن يُلامس الرأس المدبب ويحدث حركةً تصل إلى حاسات القدم، تبرّم الحذاء النسويُّ فالتفتَ إلى اليمين، فلحقه – الحذاء الذي لا يشرد أحداً، ولكن بحذر (المساحة أصغر من أن ينسحب أحدهم من المسرح)، لمسةٌ خفيفة أُخرى مع ممانعةٍ وغُنج ظاهر وبمسافة إصبعين اثنين رجعت إلى الوراء والتفتت يساراً، فعاد الحذاء الذي لا يشرد أحدا أيضا بذات المسافة إلى الخلف والتفت يميناً مع التقدم بمسافة أربعة أصابع ، حركة غنج أخرى كانت كافية للتدليل على أن مسافة الاشتهاء ستصبح صفر بعد دقيقتين، واستمرت المناورة لدقيقتين وبدت المساحة أوسع، لكثرة التملصات الذكية والتي استغلت كل إصبع من المساحة، حتى تلك التي بين الأرضية والبلور، لكن مسافة ثلاثة دقائق كانت كافية لانتهاء الغنج، الحذاء النسويُّ بعد جهد قبِلَ بالتعري عن القدمين، الحذاء الذي لا يشرد أحداً كان قد تعرّى قبل دقيقة، وركنت الأحذية على مسافة تسعة أصابع إلى الخلف، الأقدام حافيةً تستطيع أن تستغل المساحة أكثر (الأحذية هي حجاب لعورة الأقدام )، تقدمت الأصابع إلى الأصابع بهدوء، وعندما لامستها سرَت قشعريرة في مسامها، دبّت الشهوة بين الأصابع (أ) فيما سرت قشعريرة في الأصابع (ب) فتراجعت بمسافة إصبع واحد فتقدم (أ) بمسافة إصبعين وبعد محاولتين أو ثلاث كانت القشعريرة قد زالت، واستطاعت الإبهام مع السبابة العناق مع الإبهام والسبابة هُناك على مسافة دقيقتين كاملتين، لم يَسِل من بين أصابع (ب) أي سائل، تراجعت الأصابع (أ) لتغّير مواقع العناق، وبدأ الغزل مع الأصابع الأخرى، الأظافر هي الأخرى لها حصتها كي تعكس الشهوة وتتشرّبها، وسرت الدماء حارة في أنحاء القدم مضطربةً ترسمُ الشهوة، عادت الأصابع الإبهام والسبابة أكثر عنفاً إلى الأصابع (ب) وعانقتها لم يخرج أي سائلٍ، تفجرّت الشهوة فخرج سائل أحمر من بين الأصابع كانت نقطة دم حمراء صغيرة، ورجعت أصابع (أ) لأنها استطاعت إسالة شيء ما، عندها تراجعت إلى الخلف بمسافة تسعة أصابع وعادت إلى الحذاء الذي لا يُشرد أحداً، عادت القدم (ب) تسعة أصابع إلى الخلف ودخلت الحذاء الأسود المجدول بعناية.

وضعت السماعة مرة أخرى وشردت بالخارج إلا أنني لم أكن أستمع لأي شيء، نمت على مسافة ساعتين، حين استفقت على الجلبة كان الركاب مرة أخرى يوضّبون حقائبهم استعداداً للنزول وامرأة في المقعد المقابل لي (تبدو ملامحها وكأنها متزوّجة للتو) ومعها طفل صغير لأحد ما من أقاربها، كانت المسافة العلوية من البلّور تسمح للرؤية وغير مموهة كما هي من الأسفل، رأيت وجهها جيداً،لم أكن أحمل شيئاً لا حقائب، لا، لا …

عندما هممت بالوقوف وقع بصري على الأسفل، كانت ثمّة نقطة حمراء في الأسفل، تخطيتُ المرأة تلك ونظرت إليها مبتسماً لها إلا أنها لم تكترث لابتسامي.

ـــــــــــــــــ

 


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق