سياحة الليل والنهار

لم تتناول الدراسات الفكرية الغربية السياحة وموقعها في الثقافات من منظور نقديّ إلا في فترة متأخّرة نسبياً من ستّينات القرن العشرين. إذ لم تصل حتى ذلك الحين إلى الانتشار الجماهيري والشعبي الذي شهدته لاحقاً حين صارت من أبجديات الحياة العملية في الغرب تحديداً، بسبب البيئة الثقافية والوفرة المادية وطبيعة نظام العمل الذي يسمح باقتطاع جزء من الدخل الشهريّ لقضاء إجازة سنوية خارج البلاد. حديثاً اتخذت السياحة أشكالاً أخرى أشدّ تطرّفاً ارتبطت بالجنس والاتّجار بالرقيق الأبيض الذي استفاق من نومته الطويلة وصار أكثر عصرية.

اتّفقت هذه الدراسات على أنّ السياحة تخلق قوماً زائفين لجهة قيام اتّفاق مضمر بين السائح والبلد المضيف، يدفع بموجبه السائح مقابلاً مادياً ليشاهد أشكالاً محدّدة من صور التراث والتقليد الثقافيّ الخاصّ بالبلد، وبالتالي تصبح القيم الاجتماعية والتقاليد والتراث والكياسة سلعة في السوق خاضعة لمعاييره، بما يفقدها أصالتها وطاقتها الرمزية كونها تُقدّم وفق طلب محدّد وتصوّر مسبق، وليس لذاتها. هذا التقييم لدور السياحة هو جزء من التقييم الأشمل لدور الرأسمالية المتوحّشة في تخريب البنى الثقافية التقليدية وتدميرها وتحطيمها لمصلحة السوق العالمية ومتطلّباتها. “إنّ سلطة جائرة غير متكافئة بين السائح والمَسُوح تجبر البشر على الخضوع إلى تعريفات خارجية للأصالة الثقافية تهدف إلى إشباع آمال السائح وفانتازياته”.

شهدت المنطقة العربية والخليج تحديداً فترة الستينات والسبعينات فورة نفطية حملت تغييرات جذرية إلى المنطقة على الأصعدة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وصار الخليجيّ جزءًا فاعلاً من المنطقة بحكم ما تتمتّع به بلاده من ثروات قلبت حياة شعوبها رأساً على عقب، وكجزء من هذا التغيير صارت السياحة جزءًا حميماً من العطلة الصيفية يمكن للخليجيّ أن يقضيها في أمريكا أو أوربا أو في البلدان العربية وخاصّة مصر، التي تمثّل على خارطة السياحة العالمية مركزاً متقدّماً جدّاً، إذ تحوي نصف آثار العالم القديم، ولن يكون مستغرباً بالتالي أن تكون قبلة الغربيين والعرب معاً.

البحث المنهجيّ العلميّ عن السياحة في أيّ بلد عربيّ سواء مصر أو غيرها صعب جداً ومستبعد بل ومحارب، وسيصطدم برفض رسميّ للتعاون وتقديم التسهيلات الضرورية المطلوبة؛ لأنّ الهاجس الأمنيّ سيضع موضع الشكّ غايات البحث وأهدافه، وسيبتعد عن كونه دراسة لظاهرة ليصبح مؤامرة لإظهار الوجه السيّئ للبلد، وهنا يتطابق خيال الجمهور مع خيال السلطة التي ولدته لتتألّق الصورة النمطية السيّئة وتكون في أحسن أحوالها. والكاتبة الأميركية ليسا ون في كتابها “سياحة الليل وسياحة النهار” الصادر عن دار قدمس من ترجمة صخر الحاج حسين، يعدّ من الدراسات القليلة التي اتّخذت من السياحة العربية والغربية، إلى مصر موضوعتها الرئيسة، وسعت إلى تفكيك الأساطير والصور النمطية الشعبية والمتداولة فيها – والمدعومة في أحيان كثيرة من قبل السلطة السياسية والثقافية ضمن توجّهاتها النفعية الخاصّة – عن السائح الغربيّ (النهاريّ، العقلانيّ) والخليجيّ (الليليّ، غير العقلانيّ). صورة الغول الماليّ بكلّ استطراداتها وتشعّباتها التي استوهمتها المخيّلة الشعبية المصرية تحديداً عن أصحاب المال النفطيّ، قد تجد لها مرتكزات واقعية تستند إلى معايشات يومية عاينها المصريون، ولكن بالمقابل نسجت الكثير من المبالغات حتى غابت الحقائق البسيطة التي يمكن أن تعدِّل من فظاعة الصورة المستوهمة، وتضفي شيئاً من الإنسانية على أصحابها، الأمر الذي ترصده الكاتبة ون بدقّة وهدوء بعيداً عن أيّ تحيّزات مسبقة تجاه أيّ طرف “إنّ جاذبية الذهاب إلى القاهرة وقضاء إجازاتهم هناك تتجلّى لجلّ السعوديين شباناً وشابّات، في اغتنام الفرصة للتسكّع مع سعوديين آخرين ومن كلا الجنسين في مكان متحرّر إلى حدّ ما لكن ليس إلى درجة كبيرة، من النواميس والقيم الاجتماعية التي تحدّ من التفاعل بين الجنسين في بلادهم”.

لماذا دراسة مصر بالذات؟ لأنّ خصوصيتها تتمثّل في كونها واحدة من أهمّ المراكز الحضارية والثقافية في العالم القديم التي حافظت على وجودها منذ آلاف السنين، وهي أيضاً مجتمع حديث يعجّ بالتناقضات الاجتماعية والاقتصادية الحادّة التي تضعه على حافّة انفجار داخليّ كأحسن ما تكون عليه حالة دولة في العالم الثالث، وهذا هو السبب الذي يجعل منها بيئة مثالية لولادة خزّان لا ينضب من الصور النمطية بحقّ آخرها العربيّ (الخليجيّ) والغربيّ. “الافتتان الغربيّ بمصر الفرعونية لا يمكن أن يفهم من دون معرفة الطريقة التي انضفر فيها علم المصريات مع تاريخ الإمبريالية الأوربية. الصورة النمطية عن الخليجيين وهم يمضون الليل بلعاب يسيل على الراقصات الشرقيات، إن هو سوى عرض (أمارة) على اقتصاد هجرة اليد العاملة الشرق أوسطية، والذي لوّنته الفروق الثقافية والاستياء من سوء توزيع الثروة النفطية”. وقد عاشت مصر ومنذ زمن طويل مفارقة كبيرة في ميدان البحث الآثاري ودراسته، ذلك أنّ الهيمنة الغربية والأوربية عليها منذ حملة نابوليون الشهيرة جعلت دراسة الآثار همّاً مركزياً، بقي حكراً على العلماء الغربيين الذين سعوا في البدايات خاصة إلى إقصاء المصريين وإبعادهم عن الموضوع، ولكن مع التغيّرات الكبيرة في المجتمع المصريّ منذ الخمسينات بات التوجّه أكبر نحو إنشاء كوادر وطنية قادرة على القيام بمهمّة الحفاظ على الآثار وصيانتها. إضافة إلى التشدّد الحديث في أخلاقيات وقوانين مهنة علم الآثار الغربيّ باحترام السيادة الوطنية وخصوصيتها.

من اللافت والطريف في نفس الوقت، أنّ شعوب المنطقة العربية ضمن حدودها الجغرافية الواقعية والذهنية، تتراشق فيما بينها بالكثير من الصور النمطية السيئة التي تنتشر بين أبنائها عن أبناء الشعوب الأخرى بطريقة تعكس هشاشة بنيتها الذهنية والثقافية تحت وطأة الظرف السيّئ الذي تعيشه، وجميع هذه التراشقات تحط وتقلّل من قيمة العربيّ الشقيق لصالح إعلاء الذات ورفعها إلى مراتب عليا استناداً إلى ماضٍ تاريخيّ مجيد. وفي معمعة الصور السيّئة المتبادلة بودّ وأخوية حيناً، ولؤم وشماتة حيناً أخرى، يصبح المصريّ (ابن أمّ الدنيا) في بلاد الغربة بخيلاً يرضى بأيّ أجر ويظهر الكثير من التذلل، بينما اللبنانيّ (حفيد الفينيقيين) حربوق فهلويّ يلعب بالبيضة والحجر، في حين أنّ السوري (ابن أبو الأبجدية) كئيب، جدّي في العمل، “نسونجي” لا يؤتمن جانبه، والجميع متّفق على أنّ الخليجيّ (ابن ساعته) بدويّ بعيد عن الحضارة ومُحدَث نعمة وهمّه الجنس والمتع التافهة والرخيصة فقط. في هذه الفسيفساء المعقّدة من الصور النمطية السائدة لا يحضر التاريخ في المجتمعات العربية بوصفه حراكاً سياسياً وثقافياً واجتماعياً بموجبه تتقدّم دول وتتأخّر أخرى، بل تتمّ المحافظة على الصور الذهنية ثابتة لا تتغيّر. مع أنّ الأمر في حالة الخليجيّ مثلاً، اختلف بعد مرور عشرات السنين على الصدمة النفطية التي خلقت ظروفاً مادية ممتازة لجيل من الدارسين والمتعلمين درسوا في أرقى الجامعات الغربية وأفضلها، والتي لا يحلم الكثير من العرب غيرهم بدخولها والدراسة فيها. والأمر معكوساً بالطبع، ينطبق على أشقائه العرب وأحوالهم المتغيّرة.

{{سياحة الليل . . سياحة النهار

تأليف : ليسا ون

ترجمة : صخر الحاج حسين

إصدار : قدمس للنشر والتوزيع – دمشق 2009}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This