سياقات المقدّس / صبحي حديدي

فرانسيس إدوارد بيترز يدرّس لغات وآداب وتاريخ الشرق الأدنى في جامعة نيويورك، وقد قدّم في نطاق هذه الموضوعات عدداً من الأعمال الهامّة، التي تمزج المسح الموسوعي بالتدقيق التفصيلي لهذه أو تلك من القضايا الحساسة المتعلقة بالشرق إجمالاً، وبالإسلام بصفة خاصة. آخر إصداراته دراسة مقارنة في النصّ المقدّس، صدرت عن منشورات جامعة برنستون، بعنوان ‘الصوت، الكلمة، والكتب: النصوص المقدّسة عند اليهود والمسيحيين والمسلمين’. قبل هذا الكتاب، وضمن خطّ البحوث المقارنة ذاتها، كان بيترز قد نشر مجلداً ضخماً، هو ‘التوحيديون: الصراع بين اليهود والمسيحيين والمسلمين’، بدا أقرب إلى سردية خصبة تروي تكامل وتصارع الأديان التوحيدية الثلاثة، على نحو جدلي معمّق ورصين وغير تنميطي.

وفي أيام الحجّ والحجيج هذه، أراني أستعيد عمله الكلاسيكي الفريد ‘مكّة: تاريخ أدبي للأراضي المقدّسة المسلمة’، والذي يتابع منهجية كتاب سابق تناول جانباً خفيّاً من تجربة الحجّ إلى مكة، أي تلك الرحلات السرّية التي قام بها حجّاج أوروبيون دخلوا خفية إلى الحرم الشريف، بدافع العلم، أو الفضول، أو ‘التجسس الأكاديمي’. وفي الكتابين، وبصفة أكثر تخصيصاً وتعمّقاً في الثاني، يعكف بيترز على التاريخ الأدبي لمكّة والمدينة وتوابعهما، وتكتسب خلاصاته أهمية خاصة في هذه الأيام، مع صعود ما بات يُعرف باسم ‘الدراسات السعودية’. بعض الأسباب وراء تفضيلي هذا الكتاب مردّها أنّ فصوله ـ وأكثر من أيّ عمل آخر، في يقيني ـ تفضح عجز المؤسسة الإستشراقية عن تجاوز ثوابت كبرى حول الإسلام والمسلمين، كانت وتظلّ راسخة رسوخ الجبال عند كبار المستشرقين مثل صغارهم. في عبارة أخرى، يقدّم الكتاب أدلة ساطعة على أن بيترز، وإنْ علا كعبه، يظلّ ملتزماً بقواعد العمل التي استنّها ثقاة النادي الإستشراقي، منذ الأنشطة الأولى في القرون الوسطى وصولاً إلى أخلاقيات 9/11… دون سواها!

على سبيل المثال، حين يناقش بيترز فكرة ‘الحدود’، التي في قناعته كانت وراء تحريم الأماكن المقدّسة على غير المسلم، فإنه يبدو كمَنْ يفكّر مسبقاً، وحصرياً، بمصطلح ثقافة الـ Frontiers كما صنعتها الحرب الأهلية الأمريكية. أو نراه، في مثال ثانٍ، أكثر ارتياحاً إلى اقتباس المصادر الغربية الإستشراقية حين يروي تجارب الحجّ السرّي التي قام بها رحالة غربيون (أوّلهم كان الإيطالي لودوفيكو دي فارتيما، والذي تنكّر في زيّ مملوك والتحق بقافلة خرجت من دمشق للحج، في عام 1503). وفي مثال ثالث يكرّس بيترز الفصلين الخامس والسادس لحركة الشريف حسين، والاستراتيجيات الإستعمارية الأساسية، وتحالف آل سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكنه في هذه كلّها لا يختلف كثيراً عن المقاربة الإستشراقية التقليدية.

ما يميّز عمل بيترز، مع ذلك، هو المعايير التي يعتمدها، ويناقشها جيداً، في تحديد أسباب القول بوجود أراض مقدّسة في ديار الإسلام، الأمر الذي يجنّبه مشاقّ ومزالق تحديد الأراضي ذاتها، بالمعنى الجغرافي المحض. وهو في الواقع يبدأ من استبعاد المعيار الأبرز الذي يقول إنّ الحرم الشريف هو ذاك المحظور على غير المسلم، رغم ما ينطوي عليه هذا المعيار من إغراء التبسيط. ولكن ألم يمرّ وقت طويل سالف كان فيه الكثير من غير المسلمين ممنوعين من تجاوز حدود مدائن صالح أو تبوك، بحيث انقلب غرب جزيرة العرب بأسره إلى ‘حرم شريف’؟ ثمّ، ألم تحتلّ القوّات البريطانية عدن في القرن التاسع عشر، وتولّى الضباط البريطانيون والألمان قيادة القوّات العربية في العقد الثاني من القرن العشرين، وتجوّلوا في كامل بقاع الجزيرة (باستثناء مكة والمدينة) دون أن يستثيروا حرباً جهادية؟

معياره الهامّ الثاني هو إطلاق صفة ‘الأدبي’ علي تاريخ مكة والمدينة، وتاريخ الحجاز إجمالاً. ذلك لأنّ غياب الأدلة الأركيولوجية والمادية والعلمية الكافية يجعل النصّ الأدبي بمثابة المرجع الأبرز والأوثق والأشمل في رصد التاريخ، دون أن ينطوي ذلك على إهمال الإسهامات (المتأخرة، في الواقع) لمؤرّخين من أمثال الطبري وابن خلدون، أو رحّالة من أمثال ابن جبير، أو جغرافيين من أمثال المقدسي. يضاف إلى ذلك أنّ بيترز لا يستبعد، مسبقاً، أيّ صنف من الرواة أو الأدلاء الذين يمكن أن يساعدوه في تلمّس ما يتيسّر من خفايا تمثيلات مكة والمدينة: الشعراء والخطباء، الصحابة والزنادقة، الخلفاء والعصاة، الأولياء الصالحون والكفرة المارقون، الرحّالة الأوروبيون العلماء أو الرحّالة الأوروبيون الجواسيس. يقول بيترز: ‘لقد جمعت ما خلّفوه من مادّة وفق ترتيب منهجي صارم، وحاولت اللجوء إلى مقاربة نقدية في تحليل البواعث وراء رواياتهم أو كتاباتهم، ثمّ وضعت ذلك كلّه في سياق تاريخي محلي’، يثبت أو يدحض ما ذهبوا إليه في نهاية الأمر.

والحال أننا اليوم، في أزمنة الشدّ والجذب العنيفين بين ‘الغرب’ و’الشرق’، أحوج ما نكون إلى أمثال بيترز في معاهد وجامعات الولايات المتحدة بصفة خاصة، وأوروبا بأسرها عموماً، لأنه في عداد قلّة قليلة تقرأ التاريخ بعيداً عن انحيازات الحاضر الغائمة المشوَّشة والمشوِّشة؛ ولأنه ينبش الكثير من الحقائق الدفينة، ويعيد تركيبها على طريقة قطع الفسيفساء، لكي تدلّ وتبلّغ وتشهد، و… تبدّل الأحكام المسبقة، والتنميطات، وثقافة الكليشيه المبسّط والتبسيطي في فهم الإسلام والمسلمين.

عن جريدة القدس العربي 23/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق