سيدني: المدينة التي تنشأ في الغرف المقفلة

كنت قد رفعت الكامير أمام وجهي لالتقاط صورة دار الأوبرا، ومشهد آخر لواجهة سيدني البحرية، حين انتبهت أنني شاهدت هاتين الصورتين مرات لا حصر لها. فكرت قليلاً: ما الذي يجعل هذه الصورة مميزة فعلاً وتعنيني شخصياً؟ لم أجد جواباً مقنعاً. فقط كان ثمة إلحاح مزاج السائح عندي الذي كان يريد أن يثبت لي أنا شخصياً، أنني زرت سيدني فعلاً ودليلي على ذلك أنني أنا شخصياً التقطت صورة بكاميرتي الشخصية لدار الأوبرا وواجهة المدينة البحرية.
واجهة المدينة البحرية في سيدني معدة لتكون على مقاس زاوية العدسة العادية. يكفي أن تحمل كاميرا هواة لتلتقط الواجهة من طرفها إلى طرفها الآخر. ولا شئ سيجعل صور كبار المصورين أفضل من صورتك. سيدني هذه تبدأ حكايتها بتعطيل أي علاقة شخصية معها.

واجهة سيدني البحرية لا تخفي خلفها الكثير. ثمة مدينة هناك تجتهد لتكون الأغلى والأفخم، من دون أي لمسات مميزة. تزخر بالمقاهي والمطاعم، وعلى امتداد شاطئها تصطف قوارب سياحية، وبعضها أعد ليكون مطاعم عائمة. ثمة أيضاً أكواريوم ضخم في قلب المدينة يعلن عن نفسه بوصفه يجمع الحياة البرية الأسترالية في حناياه المكيفة. وعلى مقربة منه ثمة بحر مسجون في ملجأ: حياة بحرية برمتها في أكواريوم آخر، وعليك لتشاهد وتتعجب لأن تمر من فم قرش نحو داخل يشبه صالات السينما. لا شيء يفوق الوصف. سيدني تعامل السياح، الراشدين منهم طبعاً، كما لو كانوا مراهقين. ذلك أنها تريد من السائح أن يتخيل بحس المغامرة لا أن يستشعره. فهي تجهد لطرد الأخطار. الصناعة والهندسة تضبطان كل شيء بدقة الساعة، والأرجح أن المهندسين والصناع والحرفيين أرادوا أن يوحوا بقدرتهم على ضبط كل شيء وكل كائن وجعل كل شيء يبدو آمناً ومسيطراً عليه. ثمة الحياة البرية والبحرية، التي يمكنك أن تشاهدها وأن تتذوقها وأن تشمها، من دون أي خطر على الإطلاق.

وسط المدينة يراد له أن يكون ملهى يلهي الزوار عن التنبه لما يجري داخل هذه المدينة المتسعة والمنتشرة على مساحات خيالية. الأرجح أنها مدينة لا تُقرأ من هذا الكتاب.

وسط سيدني على غرار المدن الكبرى، يجمع في شوارعه أعراقاً واعماراً وجنسيات لا تحصى عدداً. الأمر الذي يجعلك تظن أن الفوارق بين الناس لا تضرب بحماها هذه المدينة على أي نحو من الأنحاء. لكن وسط المدينة هذا ليس أكثر من مكان موقت ومستأجر على نحو لا شك فيه. المدينة تنمو وتعيش وتفكر وتصارع بعيداً عن هذا الوسط تماماً. وسط المدينة أشبه بغرفة الضيوف، مرتبة ومعتنى بها لتبعد الزائر عن أهل البيت وتغفل أحوالهم. ليس ثمة ما يدفع أيا كان للشكوى إذا كان المشكو إليه يعيش في حياة مستأجرة كتلك التي يقترحها عليك وسط سيدني.

لم ألبث أن لاحظت أن أهل سيدني وسكانها، أولئك الذين تسنى لي الاحتكاك بهم على الأقل، لا يعتبرون وسط المدينة نقطة وسطى. وهم لأسباب تتعلق بارتفاع الأسعار الخيالي وزحمة السير الخانقة وصعوبة التنقل لا يعيرون غرفة الضيوف هذه التفاتاً جدياً. فالحياة هناك تجري في أمكنة أخرى. وبخلاف ما يريد وسط المدينة أن يبدو عليه، زجاجياً وشفافاً، فإن الحياة في سيدني تبدو كما لو أنها تحدث في محميات أسرار كبيرة.

الأحياء في هذه المدينة مقسمة بحسب جنسيات الوافدين. ثمة حي للبرتغاليين، وآخر للبنانيين، واللبنانيون هناك كناية عن العرب عموماً، وآخر للصينيين، فضلاً عن أحياء المهاجرين البيض الأوائل. أحياء برمتها تبيع وتشتري وتتحدث وتتمظهر بلغاتها الأصلية، وما يفصل بينها ليس أقل من مسافات شاسعة ثقافية وجغرافية وزمنية معاً وجميعاً في آن واحد. ذلك أن تجمهر الأعراق في أحياء محددة يتعلق بزمن الهجرة والوفود. فالهجرة إلى سيدني تفترض أن طريق المهاجرين يبدأ من الدرجة الأدنى في السلم الإجتماعي. وبحسب زمن الوفود يترتب المقام. الزمن يقرر في هذا المعنى دوراً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً. والزمن هو مقرر المراتب الاجتماعية الأول. فالمهاجرون الأول أعلى مرتبة من المهاجرين الأحدث، والانقسامات بين الأعراق والجنسيات لها مقامها الوازن في سلم الانقسامات الاجتماعية. وزائر سيدني لن يستطيع معرفتها تماماً. ذلك أن حدود معرفته تدين اولاً وآخراً للجنسية والعرق اللذين يتحدر منهما، وللغته الأم بدرجة أولى. وأن تكون لبنانياً قي سيدني فذلك يفرض عليك أن تكتفي بالتعرف إلى جانب من جوانبها وأن تلمح وجهاً من وجوهها، ولو كنت إيطالياً لاستطعت معرفة جانب آخر ولمحت وجهاً ثانياً. في هذه المدينة ثمة من يسأل على الدوام: من اين أتيت؟ وهو سؤال لا تكف سيدني عن طرحه، ويتجاوز حدود أمن المطار إلى نسغ المدينة وعقلها. ليس غريباً والحال هذه أن تظهر معضلات طائفية وعرقية إلى سطح الأحداث. فسيدني مدينة متسعة إلى الحد الذي تستطيع معه أن تجعل كل تجاوز للقانون وكل عنف منفلت من عقاله يقع في ضواحيها. إنها على وجه من الوجوه مدينة الضواحي. وقد تبدو لمن يريد التعرف إليها أكثر بيتاً صيفياً للمهاجرين من بيوتهم الشتوية. بيتاً صيفياً للمهاجرين الإنكليز مثلما هي بيت صيفي للمهاجرين من لبنان.

على هذا يبرز في هذه المدينة سؤال حاد: من هم أهلها؟ من هم الذين يعيشون فيها كما لو أنها بيت شتوي وليست مقصفاً موقتاً؟

يصدّر كليف هاميلتون وريتشارد دينيس كتابهما المشترك “افلونزا” بعبارة لافتة: “حين لا يعود امتلاك الكثير كافياً”. الكتاب حقق في سيدني نجاحاً منقطع النظير، وقد لاحظ فيه الكاتبان أن ثمة حمى اجتماعية تجتاح سيدني، ويدعوانها حمى “البلاسما”، نسبة إلى أجهزة التلفزيون الحديثة التي تحمل هذا الإسم. فالمواطنون هناك يرغبون في حيازة الأحدث من الأجهزة المنزلية الكهربائية، فضلاً عن هوس آخر يتصل باقتناء الحيوانات الأليفة، وثمة مبالغ طائلة تنفق كل عام على شامبو القطط والكلاب، فضلا عن العطور المعدة خصيصاً للحيوانات الأليفة والتي تشهد رواجاً واسعاً. ومنذ عدة سنوات بات شائعاً أن يتقلد الكلب أو القطة في بيوت أهل سيدني مجوهرات مصممة خصيصاً للحيوانات الأليفة. وغني عن القول أن ثمة أعدادا هائلة من الحيوانات الأليفة التي تقطن بيوت الأستراليين. وعلى هذه المفارقة تعلق فنانة وأستاذة جامعية ساخرة: “نحن نقيم وزناً لرفاهية الكلاب والقطط أكثر مما نقيم وزناً لحياة المهاجرين الأكراد الذين تركناهم في عرض البحر يواجهون مصيرهم التعس”.

بصرف النظر عن التضامن الضروري والمحتوم مع هذه اللهجة اليسارية التي تنطق بها محدثتي الأسترالية، فإن حمى “البلاسما” الأسترالية يمكن أن توضح جانباً آخر بالغ الدلالة في ما يخص حياة الأستراليين. لا شك أن الأستراليين من سكان سيدني يعتنون عناية خاصة ببيوتهم. والأرجح أنهم يريدون من بيوتهم أن تكون مجهزة بما يسمح لهم تأمين كافة احتياجاتهم من داخلها، ابتداء من التواصل مع العالم وصولاً إلى تدبير العيش اليومي بكل تفاصيله. كما لو أن المواطن هناك يريد من بيته أن يكون دولة صغيرة تغنيه عن أي احتكاك بالخارج غير مرغوب فيه. لكن صناعة العزلات الفاخرة هذه لا تتعلق بانعدام الأمان أو ضعف سلطة الدولة، أو ما شابه هذا كله من معضلات تضرب مدننا وبلادنا. بل ثمة معنى للانتماء إلى المدن تفرضه المساحات الشاسعة وتعدد الأعراق وصعوبة تشغيل الميدان العام (public sphere) على نحو مرض وفعال. فالمساحات الشاسعة تجعل التواصل بين أهل ما يمكن دعوته النطاق الاجتماعي بحسب بيير بورديو بالغ الصعوبة والعسر. فضلاً عن استحالة بناء الحيز العام (public space) واشغاله. فسيدني المدينة ليست برتغالية ولا إسبانية ولا إنكليزية حتماً. هي مدينة تجمع كل هذه العناصر. لكن الشوارع والأمكنة العامة هناك تعاني من مذهبيتها الضيقة. فلن تجد في شارع برتغالي مثلاً مطعماً إيطالياً، وإذا مررت في شارع لبناني فلن تجد صعوبة في التحدث بلغتك الأم مع أي كان، بل إن الذي يجهل هذه اللغة سيبدو غريباً على هذا المكان. والحال ثمة مكان عام ينشأ في فضاء سيدني وليس على أرضها. هذا المكان العام، بقدر ما هو معولم ومتصل بالقضايا الكبرى في العالم بقدر ما هو محلي الطابع والهموم.

لهذا تبدو اللامبالاة حيال المهاجرين الجدد ومصائرهم التعسة ضرباً من تأكيد الانتماء إلى المدينة على نحو لا لبس فيه، رغم قسوته البالغة. لكن ذلك يعيد تذكيرنا بمنطق الأمم الحديثة التي تفترض أن كل ما يقع خارج حدودها هو عدو أبدي وقد يكون حليفاً موقتاً. وهذا المنطق بالذات هو الذي يفسر الرغبة الحارة لدى مواطني أي بلد من البلدان في الدخول بمنافسة حامية مع بلاد العالم الأوسع. فسيدني مثلها مثل طوكيو ونيويورك وبيروت تريد أن تكون أولى في مجال ما، وإن قيض لها أن تكون أولى في كل شيء فلن يتأخر أهلها عن بذل جل ما يستطيعون من أجل تحقيقه.

أهل سيدني والمدافعون عنها لا يطمحون طبعاً إلى أن تكون مدينتهم أولى في حمى البلاسما، أو الإنفاق على عطور الحيوانات الأليفة. لكن هذين الحمى والإنفاق وطنيّان بخلاف المهاجرين الوافدين الذين لا يمكن أن يكونوا أستراليين بطبيعة الحال. على هذا، فإن إدارة الظهر لمصيرهم لا يبدو في طبيعته مخالفاً لتفشي هذا الهوس. لكن هذا النقاش ما كان يمكن أن يكون نقاشاً حاراً في سيدني لولا أن ثمة التباسا في تعيين وجوه الانتماء إلى سيدني. فهذه مدينة على ما أسلفنا مذهبية الحيز العام، ووسطها ليس أكثر من غرفة جانبية معدة للضيوف، ولغاتها متعددة ولا يمكن حصرها، إلى حد تبدو معه الإنكليزية فصحاها وناظمة قواعد اجتماعها فقط لا غير. وفضلاً عن هذا كله هي بعيدة عن العالم بما يكفي لأن تدير ظهرها تماماً لما يجري فيه. وعلى هذه الأسس ثمة التباس ينشأ في تحديد الانتماء لهذه المدينة. مما يجعل من تفشي هذه الظواهر التي يتحدث عنها هاميلتون ودينيس بالغة الدلالة.

والأرجح عندي أن الانتماء إلى سيدني يفترض حيازة شروط محددة، لكنه أيضاً يبدو انتماء من لا يملك خيارا آخر. وهذه حال معظم بلدان العالم الأول. فالإيراني أو اللبناني أو البيروفي يسعه أن يطمح ليكون مواطناً أميركياً أو فرنسياً أو أسترالياً. لكن أسباب طموح الأسترالي إلى أن يكون مواطناً لبنانياً مثلاً لا تستند إلى منطق مفهوم، رغم ضيق النفس وحدة القيد الذي يفرضه أي انتماء على أي كان. لذلك يعود المهاجر هناك إلى تدبير ضرب من الانتماء إلى بلاده التي هاجر أهله منها، وإذا لم يكن ذلك ممكناً في حالة بعض المهاجرين القدماء، فإنه يختار انتماء ما، يحضه على تحديده وتعيينه جنوح نحو التزام أخلاقي وتطلب عدالة لا مراء فيها. والحق أن الانتماء في سيدني، كغيرها من مدن العالم، يشق على المنتمين إليها تحمل تبعة هذا الانتماء. لذا يجد المرء منهم نفسه مقيداً إلى حيزها بسلاسل يصنعها بنفسه. وعلى استحالة قطع القيد والتحرر من هذه السلاسل ينمو شعور التضامن والرغبة بالدفاع عن المدينة بوصفها مكانه الأول والأخير.

ثمة قول شائع ينسب إلى الذكريات دوراً أساسياً في تمتين رابطة الانتماء. لكن المدن الحديثة بلا ذكريات، فهي على غرار الفنادق تجهد في مسح آثار العيش. والأرجح أن ما ينسب إلى الذكريات في هذا المجال يجدر بنا نسبته إلى المعرفة. فالمرء ينتمي لما يعرفه جيداً. ذلك أن المجهول ليس مكانا. وأهم ما تتيحه المعرفة إيهام المرء بإمكان التوقع، والإيمان بصحة هذه التوقعات. الأمر الذي يؤلف وهم القبض على ملامح المستقبل الشخصي والعام على نحو شبه دقيق. وعلى هذه المعرفة بالضبط تتغذى فكرة الانتماء. فالمنتمي هو من يستطيع أن يجعل المجهول شبه معلوم. وهذا لا يصح على أسترالي في غينيا، أو على لبناني في نيويورك.

سيدني بهذا المعنى هي مدينة هؤلاء الذين يعرفونها. طبعاً لن يجد المرء سيدني في دار الأوبرا. فهذا هو القناع الذي يريد أن يخفي تغضناتها. ولن نستطيع أن نلمح صورتها كاملة في أحياء البيض الإنكليز أو الصينيين، فهذا ايضاً قفا سيرتها الأسود. سيدني تتكون على الأرجح من مجموع البيوت التي لا تصل في ما بينها الطرقات والشوارع لتجعلها وحدة متماسكة، بل إن صلات الوصل بين مواطنيها المنتمين إليها ليست أكثر من وصلات الإنترنت الموجودة في كل بيت والصحون اللاقطة التي تيسر لهم معرفة ما يجري فيها. والأرجح أن المحادثات الحقيقية والأفكار تولد في هذا الحيز بالضبط. ومن نافل القول أنها مدينة معولمة، وحيازة هذه الصفة بجدارة هو ما يجعل من انقساماتها مذهبية وعرقية على النحو الذي يكاد يمنع اختلاط الصيني بالعربي والأسباني بالإيطالي. ويصنع بين الأحياء مفازات وقفاراً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق