“سيدي رمضان” والتونسي الذي يَشْرُبُ ولا يُدْمِنُ!

مساء يوم الأربعاء من هذا الأسبوع بدأت تخيّم ظلال شهر رمضان المقدّس وأجوائه وتباشيره على مدينة تونس، وحين حلوله يوم الخميس يتبدّل إيقاع المدينة وسماتها وتتغيّر ملامحها وتعابيرها ورائحتها، فتتديّن على طريقتها وتمارس طقوس صومها الذي لا يخلو من تقوى ومن أمزجة عكرة وسلوكيات.

لشعيرة الصيام الرمضانية في تونس، وكذلك في كل بلدان المغرب العربي، موقعا استثنائيا في ضمير المسلمين وفي وسلوكهم في هذه الديار. يتخذون من هذا الشهر مناسبة ومقياسا للانتماء وبرهانا على الهوية، من أجل التمييز بين المؤمنين والكافرين، فالصائمون مسلمون والمفطرون كفرة أو أشباه كفرة. ذلك ما هو راسخ في الضمير الجمعي ويعبّر عن نفسه مداراة أحيانا وبصريح القول في أغلب الأحيان. بمعنى أن الكفر برمضان وعدم توقيره وتأدية الصيام هو كفر بالإسلام كلّه، وتلك ثقافة عميقة راسخة لا تكاد تتزحزح رغم محاولات مترددة في مناوشتها.

في هذه الفسحة من الوقت المسائي التي تشرع فيه المدينة على تبديل عاداتها اليومية وتهيئ نفسها لترمضن شئنا أن نقوم بجولة في أماكن تعتبر من أخص خصائص تونس بصفتها بلدا عربيا مسلما يحاول أن يواصل تشبثه بتلابيب الحداثة، كما أنه ينتمي بالجغرافية إلى أعلى نقطة في شمال إفريقيا وأقرب نقطة جنوب البحر الأبيض المتوسط، يكاد ما يفصله من مساحة عن بلدان الشمال الأوروبية لا يتجاوز بضعة كيلومترات، ما يجعل شخصيته الاجتماعية فيها من التأورب نصيب، ومن ذلك عادة تناول الخمور، على مألوف بلدان البحر الأبيض المتوسط بضفتيه.

إذن، المقصود بالأماكن التي قصدناها الخمارات ومحلات بيع المسكرات.

ما يلاحظ، بداية، هو أن المنتوج التونسي من الخمور ما ينفكّ يتطوّر وتتنوّع أصنافه وطرق إنتاجه وحفظه وصيانته، سعيا للوصول به إلى جودة عالية ترتقي إلى مصاف الضوابط والمقاييس العالمية في إنتاج هذا الصنف من السلع، بما أننا في زمن العولمة. وهذه السلعة التي لها سطوة على الأذهان والأبدان والمهج والعقول لها سوق محلية ودولية واسعة ومتنامية. والمفارقة في الأمر أنه بقدر تكاثر أنواع الخمور الوطنية والبيرة ومسمياتها، فإن البارات والحانات والخمارات الشعبية ما تنفك تتقلص وتتناقص، لدرجة مثلا أن ولاية أريانة كلها، وهي تنتمي إلى إقليم العاصمة، لم تعد توجد فيها خمارة ولا مطعم- حانة، فضلا على أن كل الأحياء الجديدة التي طوّقت العاصمة، ليس فيها محلات لاستهلاك المسكرات. علما أن مدينة تونس كانت مدينة كوسموبولتية، وحين خروج الاستعمار الفرنسي خلّف لها بارات وحانات لم تكن تخلو منها أي مدينة تونسية، في المراكز كما في الأطراف، وكان يعمّرها الأهالي من السكّيرين التونسيين الوطنيين. السكّيرون الوطنيون هم أولئك الذين يشربون من الإنتاج الوطني ولا يقدرون على المستورد من الكحوليات! فحتّى في السكر ثمة الوطنيون وثمة غيرهم.

تجولنا بداية في نهج علي باش حامبه. وجدنا المشرف على فضاء البوسفور، وهو مطعم/ حانة تشتعل أضواؤه الداخلية بما يعني أنه يحصي أنفاسه الأخيرة ويكرع من كؤوسه الباقية حتى الثمالة، قبل ساعات من حلول رمضان. البوسفور يؤمّه في العادة بعض من الكتاب والمثقفين وبنات السبيل والليل وإداريين وهو يسهر في العادة إلى حدود الساعة الثالثة صباحا، وأسعاره ليست مرتفعة كثيرا، حسب مقاييس السوق، بادرنا المشرف الذي وجدناه على باب الدخول بسؤال عمّا يتوفر عنده من مشروبات؟ فأجابنا أن في جوف المحل بعض الزبائن الذين هم بصدد إنهاء مشروبهم، وأنه سيغلق حالا ليكون في الغد على موعد مع شهر الصيام، الذي هو عطلة سنوية ويُقفل فيها المحل ويَخلد عماله للرّاحة. صافحنا المشرف ودعا لنا برمضان مبارك وتبادلنا التهاني المناسبة.

مطعم بار الشرق قبالة جريدة لابراس والصحافة يشتغل ويحوم ندله حول طاولات شبه فارغة إلاّ من مجموعة من الأجانب حسب أشكالهم ولون بشرتهم وبعض ما تناهى لنا من لغتهم. ليس بعيدا من مطعم الشرق تلمع أضواء مطعم بار قرطاج، صعدنا درجه إلى الطابق الأول، اعترضنا “العسّاس” فسألناه : “هل مازال المطعم يشتغل الليلة أيضا؟” فأجابنا أنهم سيقفلون قبل منتصف الليل، فالمطعم له زبائنه وعليه أن يستمر في استقبالهم وتقديم المأكولات والمشروبات لهم، كما هي عادته معهم، إلى اللحظة التي يحرّم فيها الأكل والشرب ويتبيّن فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، لتحلّ التقوى على المؤمنين كافة ويتوبون عن الشراب خلال “سيدي رمضان” كما دعا الشهر المفضّل الذي يسيّده الغالبية من التونسيين ويسمّونه: “سيدي”.

عرّجت على نزل الهناء الدولي، وهو نزل بخمس نجوم يتوسط الشارع الرئيسي بالعاصمة الذي يحمل اسم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، كانت المقاهي الخارجية للنزل والتي تذكرك بمقاهي شوارع باريس، كراسيها وطاولاتها ومظلاتها وتمددها المنظم على الرصيف، خالية تماما من زجاجات البيرة الخضراء وكذا من السائل الأصفر اللامع في الكؤوس. كان الناس، إناثا وذكورا، شبابا وكهولا وشيبا، يشربون مشروبات بريئة ولا شبهة فيها. دلفنا إلى بهو الفندق الفخم تقريبا، لا مشروبات مسكرة على طاولات الزبائن. تجاوزنا البهو في اتجاه البار، وجدنا النادل القصير، الذي لم تتبدل ملامحه منذ أكثر من ربع قرن، سألته بمودة هل ثمة ما يشرب؟ فأومأ بالإيجاب. أعلمته أنني في مهمة صحفية ولست أبحث عن الشراب، وطلبت منه أن يحدّثني عن كيفية بيع الخمور في هذه اللحظات الفاصلة بين نهاية شعبان وبداية رمضان.

قال لي: “كما تعرف وكما يعرف التوانسة كلهم، السكّيرون عندنا يبدؤون في التوقف عن الشراب مع حلول شهر شعبان، في أوله، وأغلبهم في أوسطه، والمدمنون شديدو الإدمان في آخر دقيقة من شهر شعبان، وجميع هؤلاء يسمّون السكرة التي يتوقفون بعدها بـ”الشعبانية” لأنها تتم في شهر شعبان وتكون كاسحة وعربيدة، وبعدها يشرعون في التهيؤ للصيام، أما الذين يُشعبنون في آخر لحظة من شعبان فأولئك يمسكون حين يحين وقت الإمساك ويباشرون صيامهم وهم ثملون، وثمة منهم من لا يصوم سوى عن شراب الخمر… على كل حال، أي واحد مسلم في قلبه ذرّة من الإيمان الديني، فإن الإسلام سيحميه مهما أفرط على نفسه ما دام يكنّ قدرا من التقوى، ولا يعتدي على حرمة الشهر الحرام، حتى ولو كان من كبار المعربدين، فلن يصاب بالإدمان على الخمر أبدا، لأنه يتوقف عن معاقرتها طيلة شهر كامل، ومن يتوقف عن الشراب في السنة طيلة شهر أو حتى أسبوع لا يصح تصنيفه مدمنا…”

وأضاف النادل القصير الذي يخفي سنين عمره المديد في أسارير وجهه البشوشة الضاحكة “أنا شغلتي خمّار وعلى يدي يسكر القوم، ومع ذلك لا انقطع عن الصلاة، وفي رمضان أبتهج بأداء فريضة الصوم، ومع ذلك أعتبر الشغل مقدّسا ولا سبيل إلى التهاون فيه، وأظل في هذا النزل منصرفا إلى شغلي طيلة النهار، واستقبل نزلاء أجانب أقدم لهم الشراب، والله يغفر لي ولهم، أما التوانسة فلا يحقّ لنا أن نستجيب لهم فيما لو رغب الواحد منهم في السكر”.

سألته: هل الأجانب الذين ذكرهم من السياح ومن المقيمين من غير العرب والمسلمين؟

لا! فقط التوانسة يمنع علينا تقديم الخمر لهم، أما غيرهم من عرب ومن مسلمين ومن فرنسيس… فلا شأن لنا بهم رغبوا في الشرب أم لم يرغبوا.

ودعت النادل القصير شاكرا. قصدت مقهى باريس الذي يؤمه علية القوم وأسعاره مشطة نظرا لنوعية خدماته ولموقعه في الجهة الأخرى من شارع بورقيبة. كان الوقت الساعة الثامنة. كان الفضاء الداخلي للمقهى شبه خال من الحرفاء، وفي الخارج كانت الكراسي أغلبها محجوز للزبائن، ولم تكن البيرة ولا أي مشروب مسكر آخر على الطاولات. توجهت إلى نادل ضخم يقعد على كرسي مرتفع. تحفظ في البداية عن الحديث معي وطلب منّي العودة غدا من أجل الالتقاء بصاحب المقهى. حينما طمأنته أخبرني أن أصحاب الخمارات والبارات لا يتلقون أي تعليمات رسمية لغلق محلاتهم، والمسألة كلها تعود للاجتهادات الفردية. ثمة محلات تغلق من تلقاء نفسها قبل أسبوع من موعد حلول رمضان وثمة منها ما يقفل قبل ثلاثة أيام أو يومين أو يوم أو ساعات. وهم في مقهى باريس أوقفوا البيرة قبل ثلاثة أيام في المقهى الأصلي، وأحالني إلى زاوية مقطوعة من المقهى خصصت كبتزيريا وفيها من كان يأكل في ذلك الوقت ويشرب من غير التونسيين، وحين دلفت إلى البتزيرية لأتعرف هل يستقبلون تونسيا رحّبوا بي، ولكني غادرت في اتجاه شارع مرسيليا. مطعم المزار وفضاءه الثقافي الذي يرتاده المثقفون مغلق، وكان البارحة مفتوحا وعامرا بـ”السكارجية”، يقابله فضاء J F K الذي يديره الروائي ظافر ناجي قد أغلق منذ يوم أمس. شارع مرسيليا هو من أكثر شوارع ومواقع العاصمة امتلاءً بالخمارات والمطاعم والحانات، كانت تلك الخمارات الشعبية كلها مقفلة في هذه الفسحة الزمنية الفاصلة بين شعبان ورمضان، وكانت الراقية منها مضاءة ومتوهجة تستقبل زبائها الذين أغلبهم من غير التونسيين.

أغادر شارع مرسيليا في سبيلي إلى الالتحاق ببيتي وأنا أفكر في العلاقة الغريبة التي تجمع تونس بالحداثة وبرمضان، وكيف أن الخمور لا تباع في المحلات العمومية طيلة يوم الجمعة من كل أسبوع، وكيف أن قانونها الذي يتعرض لمسألة الخمر موروث عن حقبة الاستعمار، وكيف أن توقيت بيع الخمور له توقيت صيفي وتوقيت شتوي ولفترة محددة في اليوم شتاء وصيفا… وأتذكر رئيسها السابق الحبيب بورقيبة وكيف دعا الناس ذات خطبة من خطبه في معهد الصحافة في الستينات إلى إفطار رمضان لأن الشعب في حالة جهاد في مواجهة الفقر والجهل والتخلف… وأن رئيسها الحالي زين العابدين بن علي أذن اليوم الأربعاء 12/9/ 2007 بأن تبدأ قناة “الزيتونة للقرآن الكريم” بثها في أول يوم من أيام رمضان لهذه السنة على سبيل الترحيب الرسمي بالشهر الكريم…

ومن قوّة تونس في تجربتها الحديثة الطريفة والخاصة بها أنها تجعل المرء يترنّح، إن شاء، في رمضان أو في غير رمضان، سكر أو لم يسكر.

ختاما أستحضر نكتة للكوميدي الطريف نصر الدين بن مختار يقول فيها أن تونسيا يحادث غيره واصفا نفسه بأنه تونسي لا يعرف الخوف حتّى في الحروب حتّى ولو كان مقيما في العراق لأنه في صورة ما إذا كان القصف يقف وراءه ابن لادن فالتونسي سيحتمي بالمسجد ويتحصّن فيه. أما إذا كانت الغارة بإدارة بوش فسيلوذ بالبار ويقيم في القوارير!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق