سيرة ذاتية مع اللـه

هل اللـه موجود؟ وإن كان موجوداً فعلى أية شاكلة؟ وماذا يرتّب وجوده عليّ؟ أعتقد أنني واحد من كثيرين واجهوا هذه الأسئلة، وغيرها مما يتعلق بالوجود، في مرحلة ما من العمر. يرتكز هذا النوع من الأسئلة على الخوف من العدم، إذ يعزّ علينا أن نتخيل مجيئنا من العدم، وعودتنا إليه ثانية، لذا يبدو البحث عن منقذ ضرورة تمنح الحياة المؤقتة معنى وجدوى خالدين. من ناحية أخرى ليست الإجابات على هذه الأسئلة في المتناول القريب، إلا لمن يشاء القفز على قلق الوجود بشكل اعتباطي، وتوضّح لنا الأدبيات المتداولة كيف أن الكثيرين أهدروا سنيناً من عمرهم في البحث عن الإجابات. وكما نعلم فإن الأدبيات الأكثر رواجاً، فيما يتصل بموضوع اللـه، هي كتابات تبشيرية تخلص فيها التجارب إلى الإيمان، وكأن غاية الشكّ الوحيدة، ومآله الحتمي أيضاً، الوصول إلى التسليم المطلق. ومع أن الإيمان خيار فرديّ، إلا أنّ التجربة مع اللـه بقيت غالباً في إطار العمومية، وبتعبير آخر بقيت في الإطار الديني قبولاً أو رفضاً.

أغلب الظن أن هذه الأسئلة تراود الكثيرين بدءاً من المراهقة، مترافقةً مع الوعي المستجد للعالم، ومع فهم معنى الموت الذي لم يكن يعني سوى الغياب في الطفولة. ولكي أبتعد عن التعميم، هذا ما حدث لي، فقد بدأت على نحو شخصيّ التفكير في اللـه مع المراهقة، وفي وقت لا تسعفني فيه معرفتي بالإجابة على أسئلة من هذا القبيل، ومع أن نشأتي الأسرية لم تكن متدينة إلا أن المناخ العام فرض عليّ التوقف عند مسألة الإيمان. كان الإلحاد بالنسبة للبعض من أقراني يعني التمرد على التربية المتزمتة التي نشأوا عليها، أما بالنسبة لي فلم يحمل هذه الجاذبية إذ كان أبي ملحداً وما يزال، وأمي مؤمنة بلا أية محاولة لفرض إيمانها على أبنائها. في الواقع لم يكن لدي ما يدفعني إلى قناعات مضادة من أي نوع، بما أن أحداً لم يكن يفرض قناعاته عليّ بشكل مباشر ومستمر. حتى مقرر التربية الإسلامية في المدرسة كان هامشياً، واقتصر أساتذته على الوعظ الساذج، أو الإرهاب الفكري الساذج بدوره والمرتكز أساساً على وجود محرقة ضخمة يشوي بها اللـه الخطاةَ من البشر.

هل اللـه موجود أم لا؟ لم يكن هذا السؤال مجرّداً بالنسبة لي، فإذا كان موجوداً فهذا يستتبع الإقرار به كما يقرّ به الآخرون، أي إله البيئة الإسلامية التي أنتمي إليها، وهو كما نعلم إله متطلّب، سواء على صعيد العبادات أو على الصعيد الأخلاقي. وإذا أخذنا في الحسبان منظومة الحساب والعقاب، التي تُنسب إلى اللـه، فمن شأن ذلك أن يقيم تعارضاً قاسياً مع الرغبات الطبيعية لأي مراهق. على هذا كنت ميّالاً إلى عدم وجود اللـه، في الوقت الذي لا أستطيع فيه استبعاد وجوده نهائياً. بدت الأحجية برمتها شبيهة بالبحث عن أيهما أسبق في الوجود، الدجاجة أم البيضة، ما دفعني إلى الاطلاع على بعض المؤلفات الفلسفية، التي أضافت بدورها تعقيداً وتشتتاً إلى ذهني. لم أستوعب التعقيدات الفلسفية حينها، ولم أنسجم مع التجريد، وافتقدت الشجاعة الكافية للإقرار بأن النقاش برمته يفوق إمكانياتي العقلية. كمراهق مكابر أقلعت عن قراءة الفلسفة، وحاولت تجاهل اللـه كلما أتيح لي ذلك. عشت بشكل طبيعيّ وبلا إحساس كبير بالإثم، مع أن السؤال بقي مقيماً في داخلي، منغّصاً عليّ عفويتي بين حين وآخر.

أثناء الدراسة الجامعية استهوتني قراءة الأساطير، وبمعزل عن الجانب الفني منها فقد بدأت أعي تاريخ العقل البشري، وتاريخ الأديان، وفي المحصلة تاريخ اللـه. دفعتني الأساطير إلى قراءة تاريخ الأديان التوحيدية الثلاثة، واستخلاص التطور الذي أصاب رؤية الإنسان لنفسه وللعالم، سواء حدث التطور اتصالاً أو انقطاعاً. لن أخوض هنا في التفاصيل والمشترَكات بين الأساطير والأديان، وبين الأديان التوحيدية ذاتها، ومن هذه المشتركات ادّعاء كل من هذه الأديان التوصلَ إلى الحقيقة المطلقة. ما قفز إلى ذهني حينها هي صورة إنسان، بعد ألف أو ألفي عام مثلاً، يقرأ عن أنماط عيشنا الآن، ويستمتع على سبيل المزاج الفني بأساطيرنا، التي نسميها الآن ديناً، ويتسامح مع سذاجتنا وبدائيتنا مثلما نتسامح نحن مع الحضارات البائدة، وربما يتداول مع أقرانه هذه المعلومات الشيّقة عن أناس بدائيين يتخيلون اللـه بشكل ساذج. طبعاً لا أدري ما هي التغيرات التي ستصيب مفهوم اللـه حتى ذلك الوقت، هذا إن لم ينتفِ المفهوم بمجمله.

أرجو عدم النظر إلى الصورة السابقة على أنها طرفة أو نكتة، وإذا كان ثمة مبالغة فيها فقد تكون في عدد الأعوام، إذ أن ما نشهده من انفجار تقني ومعلوماتي ربما يعجّل في جعلنا بدائيين، ولا يحتاج ذلك آلاف السنين على غرار ما سبق. من هذه النقطة، أي بدائيتنا المفترضة، استأنفت التفكير في اللـه، ووجدت الخلل في الأسئلة التي طرحتها على نفسي، وفي المقدمات المؤدية لها، ولعلني أشترك في ذلك مع آخرين. المقدمة الأساسية، المضمرة غالباً، هي أن معرفتنا باتت نهائية أو شبه نهائية. تتفرع من المقدمة السابقة، وتتفرع عنها، قناعات تعاند حتى المكتشفات العلمية التي نقرّ بها. وعلى سبيل المثال ما يزال الكثيرون منا ينظرون إلى الأرض على أنها مركز الكون، مع معرفتنا التامة بوجود مجرات هائلة يستحيل علينا الإحاطة بها أو استكشافها حتى الآن. أيضاً ما زلنا، على الرغم من الإقرار بقصور معرفتنا، مقتنعين بعدم وجود “حياة” إلا على شاكلة الحياة التي نعرفها، ومزهوين بذكائنا مع علمنا بوجود مساحات خاملة في الدماغ البشري.

لا شكّ أن المقدمات السابقة مريحة ليعتز الإنسان بنفسه، إذ يعزّ علينا التذكر دائماً أننا عناصر متناهية الصغر في كون كبير، لكن التفكّر في أمر الوجود يقتضي منا الابتعاد عن المكابرة ورؤية الواقع بكل “فظاظته”. من قسوة الواقعية أننا لا نشغل إلا مساحة صغيرة زماناً ومكاناً، وهذه الظرفية تنسحب على مداركنا، وإلا علينا أن نعترف بصواب كل التصورات القديمة، بما فيها أساطير الآلهة القديمة. الاعتراف بظرفية الدين هو ما يعيد سؤال الوجود إلى موقعه الفلسفي الأساسي، فلا يعود سؤالاً مفروضاً على الجميع، أو بالأحرى تكليفاً دينياً بخيار وحيد هو الإيمان. لندع النقاش حول وجود قوة خالقة “اللـه” جانباً، ولنفترض أن هذه القوة موجودة فمن يجزم بأنها على أية هيئة مما صورتها بها الأساطير السابقة، أو “الأديان” الحالية؟ وحدها التنشئة الدينية تقسرنا على الربط الميكانيكي بين فهم الوجود والعبادة، بالإضافة طبعاً إلى ترحيل القيم الأخلاقية من الحقل الاجتماعي إلى الحقل الديني.

على نحو شخصي، ولأنني ما زلت على نفوري من الفلسفة، لا أستطيع الجزم بمسألة وجود قوة خالقة سلباً أو إيجاباً، ولست “لاأدرياً” أيضاً. ما حدث هو أنني تخلّيت عن التفكير في ذلك منذ سنوات، ورأيي المتواضع هو أنه حتى مع وجود قوة خالقة فهذا لا يُلزمني بشيء، بمعنى أن حياتي مستقلة عن اللـه، ويستحيل عليّ أن أصدّق وجود إله بجيش من المخبرين يرصدون تفاصيل البشر، ومَنْ منهم المؤمن ومَن الملحد، مثلما يستحيل عليّ تصديق وجود آلهة تتصارع فيما بينها على غرار الآلهة اليونانية. ماذا بعد الحياة إذن؟ مع الأسف لا أرى فرصة لي سوى الحياة التي أعيشها. أما من ناحية القيم الأخلاقية فهي موجودة منذ وجد الاجتماع البشري، ولم تُربط الأخلاق بالدين إلا عندما استولى الأخير على الحقل الاجتماعي. ومن السهولة بمكان، نظرياً، الفصل بين الاثنين، فالإيمان قضية شخصية، بينما الأخلاق لا تُمتحن، ولا يتم التواضع عليها، إلا بوجود الآخر.

لست طبعاً بصدد التبشير، فما أوردته هي مجموعة من الشذرات تلخّص سيرتي مع اللـه، وأعتقد أن للكثيرين منا سيرا خاصة في هذا الشأن، بما فيها السير التي يخجل أصحابها من الإعلان عنها، وإذا صحّ اعتقادي فذلك يعيد اللـه إلى موضع الاختلاف. لا أستثني من هذا مَنْ يؤمنون إيماناً مطلقاً، إذ أعتقد أن لكلّ منهم إلهه الخاص الذي لا يتطابق بالضرورة مع “اللـه”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق