سيرتي كطبيب ناجح

أتمنى ألا تأخذوا كلامي باستهزاء، فأنا سأحكي لكم قصتي كطبيب ناجح، وأعلمكم بأن حياتي الطبية بدأت منذ سنتين، فالداعي لكم الآن طالب في السنة الثانية في كلية الطب البشري. وأنتم قد لا تتصورون فرحة أهلي عندما حزت على القبول في الطب، ولو رأيتم الفرحة في عيونهم لعرفتم ما أعنيه بالضبط، فقد أتت البشرى أخيراً بأن أكون أول دكتور في العائلة. أنا أيضاً فرحت فرحاً شديداً، وشعرت بالفخر لأنني لم أخيب ظن أهلي بي، وأثرت بي جداً دموع الفرح في عيني أمي. تذكروا: كان ذلك قبل سنتين من الآن. نسيت أن أخبركم أن أمي باعت خاتماً ذهبياً وقرطاً وأعطتني ثمنهما بعيداً عن عيون أخوتي وأوصتني بألا يعرفوا بذلك.

الجزء الثاني:

أنا الآن أستعد لامتحانات الفصل الأول؛ غارق في المقررات التي يجب أن أحفظها جيداً. المهم في هذا الوقت هو الحفظ، لأنهم لن يمتحنوا مدى استيعابنا للمعلومات، المهم هو الحصول على علامات النجاح، أظن أنكم تفهمون ما أعنيه، وتعرفون طرق التعليم في جامعاتنا التليدة. المهم أنني إذا بقيت على اجتهادي فسأتخرج طبيباً عاماً بعد أربع سنوات، سأكون وقتها في الرابعة والعشرين من عمري. رغبتي الحقيقية هي التخصص في الطب النفسي، أما ما سأفعله حين يحين الوقت فهو التخصص في الأمراض الهضمية، ربما تستغربون ذلك، فأقول لكم إن عدد الذين يفكرون ببطونهم يزيد أضعافاً عن عدد الذين يفكرون بأنفسهم أو عقولهم.

في الثامنة والعشرين من عمري سأكون قد أنهيت دراسة الاختصاص، وفهمت أن ذلك لا يكفي، فلا أحد سيثق بطبيب تخرج من جامعة عربية، لذا سأسعى إلى إكمال دراستي في جامعة أوربية، رغبتي الحقيقية هي إكمال دراستي في إحدى الجامعات الانكليزية، لكن وجود أقرباء لي في ألمانيا سيجعلني أشد رحالي إلى هناك. سيبيع أبي قطعة الأرض الصغيرة التي يملكها من أجل مصاريف سفري، وأمي ستبيع عقد الذهب الذي تخبئه في صندوق صغير، وتعطيني ثمنه وتوصيني بألا أخبر أحداً. سأتعثر سنة في دراسة اللغة الألمانية، أظن أنكم تعرفون ما أعنيه، فسأكون شاباً شرقياً في مجتمع أوربي، والبقية مفهومة…

عندما سأعود إلى بلدي سأكون قد اقتربت من الخامسة والثلاثين، لم يبق لدى أهلي ما يبيعونه من أجلي، وسأبحث عن شقة أستأجرها كعيادة، ستكون الشقة في حي شعبي، فأنا لا أستطيع استئجار شقة في منطقة راقية. سأجلس وأنتظر قدوم المرضى، وغالباً سأنتظر طويلاً فهؤلاء إما يذهبون إلى أطبائهم العريقين في الحي أو يذهبون إلى أطباء مشهورين في مركز المدينة، ولن يغامر عدد كبير في الدخول إلى عيادة لا يعرف عن صاحبها شيئاً.

سأندم لأنني لم أتزوج إحدى زميلات الدراسة في ألمانيا، هناك لا يطلبون مهراً ولا حفلات مكلفة. يجب أن أتزوج فأنا صرت في سن الزواج أو تجاوزته قليلاً، وأمي وأختي تلحان علي في هذا الموضوع، واحدة تدعو لي بابنة حلال والثانية تقترح علي كل شهر عروساً جديدة. وأنا أخجل من الرد عليهما بأن عيادتي لا تعمل كما يرام، وأنني أضطر أحياناً إلى الاستدانة من زميل قديم من أيام المدرسة.

قصة زميلي القديم تكمل قصتي، فهو كان يعتبر من الطلاب الكسالى في صفنا، ولم يدخل الجامعة، فراح يعمل في مختلف أنواع التجارة، وعندما أعود من ألمانيا أصادفه فيلح عليّ كي أزوره ويعرفني على زوجته وطفليه، ويعرض علي إيصالي بسيارته. هو شخص طيب جداً، وقد أثبت ذكاء كبيراً ومهارة في عالم الأعمال، وفوق ذلك يقدّرني كصديق ناجح ولا أعرف لماذا!.

سأقفز سنوات إلى الأمام، ففي الخمسين من عمري قد ترونني طبيباً ناجحاً، وكما تعلمون فهذا يعني امتلاكي لعيادة وبيت وسيارة، وسأكون وقتها قد كونت أسرة صغيرة، وستظنون أنني ناجح منذ زمن طويل، ولن يعرف أحد منكم بثمن هذه المظاهر التي ترونها، وقد يحلم أبناؤكم بأن يصبحوا أطباء مثلي، لذا أرجو ألا تطلعوهم على قصتي، وأن تشجعوهم على دخول الجامعة، وقولوا لهم إن جامعاتنا من أفضل الجامعات، والذين يتخرجون منها يجدون الطريق سهلة أمامهم… وشكراً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق