سيكولوجيا الجماهير الغَفُورة

في مثال شائع ومتداول، قدّم الرّئيس المصري جمال عبد النّاصر بعد هزيمة 67 استقالته باعتباره مسؤولاً عن هذه “النّكسة” القوميّة المهينة، والتي أثبتت السّنوات اللاحقة أنّها كانت فاتحة مشؤومة للكوارث اللّاحقة. الجماهير العربيّة المشبعة وقتها حتّى التّخمة بروح الأب القائد، والثملة بكاريزميته وخطبه “الشعبويّة”، نزلت إلى الشّوارع تعلن بقوّة وعنفوان رفضها استقالة زعيمها وتطالبه بالتّراجع عنها، وهو ما حدث. 

وبدل أن تحاسب الجماهير ومؤسّسات الدّولة رئيسها عن دوره في النّكسة والبحث عن أسبابها، نزلت إلى الشّوارع تطالبه بعدم الاستقالة وتتمسّك به وتؤبّده في وجدانها أباً حامياً وقائداً خالداً لها. ربّما كانت هذه الواقعة تدشيناً لحلم كلّ ديكتاتور عربي أن يحصل على جماهير من هذا النّوع، جماهير تستعذب العذاب، وتخلّد معذّبها وتخضع له دون أن تفكّر في محاسبته أو الخروج عن طاعته. كان عبد النّاصر حلم كلّ ديكتاتور عربي لاحق، يهجس بالسّلطة والجماهير الخاضعة، ويحلم بالتّربع على عرش الأبديّة كأيّ إله صغير لطالما تخيّله. 

ورد اسم غوستاف لوبون في الكتب المدرسيّة كونه أحد الذين أنصفوا الحضارة العربيّة، ولهذا قيمة ادعائيّة كبيرة في منهاج مدرسي “قومجي” مبتذل. وفي نفس السّياق، يرد اسمه في الأدبيّات الإسلاميّة التي لا تغفل عن تمييز ومحاسبة من أنصفوا الحضارة العربيّة الإسلاميّة ممّن لم ينصفوها هنا وهناك، يمكن ذكر اسم غوستاف لوبون، ودون ذكر كلّ كتبه، نذكر أهمّها كتاب سيكولوجيا الجماهير. إلى جانب زيغريد هونكه مثلاً، التي كتبت كتاب “شمس العرب تسطع على الغرب”(طبعاً). 
 بطبيعة الحال سيكون مفهوماً الابتعاد عن هذا الكتاب، سيكولوجيّة الجماهير، كونه “يفضح” الأساليب والوسائل التي تدار بها الجماهير، -(بطريقة مؤسفة لا تمت بصلة إلى الإنشاء واللغو المزمن عن دورها “المزيّف”)- في التّاريخ وقيادة الدّولة والمجتمع، بالنّسبة إلى الأنظمة القوميّة والعروبيّة. 

عادى لوبون فكريّاً، دون قصد ربّما، الحركات الاشتراكيّة الصّاعدة في بدايات القرن العشرين. هذه الحركات التي جعلت من الجماهير الشعبيّة معبودها الأوحد، فوجئت بفكرته عنها، إذ قام ببساطة متناهية بتعريتها من الهالة الاسطوريّة التي سكبها عليها بسخاء، قادة ومنظرون ارادوا من خلال ايديولوجيتهم خلق اسطورة بعيدة عن الواقع الحقيقي وبعيدة عن النّظرة الحقيقيّة التي يخفونها تجاه الجماهير وطرق إدارتها. لوبون لا يؤله الجماهير كما يفعل المتملّقون من القادة والسّاسة، ولا يجرّمها أيضاً كما يفعل المنظرون وعلماء النّفس والاجتماع. إنّه يحلّلها ويصنّفها، تماماً كما يفعل أي عالم طبيعة في أواخر القرن التّاسع عشر، إنّما في حقل علم النّفس والاجتماع.

الأسلوب الواضح والسّلس والعرض العلمي للأفكار الذي يمكن اعتباره سمة عامّة في كتب لوبون، وكذلك التّرجمة الجميلة التي قدّمها هاشم صالح، جعلت من قراءة الكتاب متعة حقيقيّة عدا فائدته.
 
الجماهير المقصودة هنا هي التي تشكّل وحدة عقليّة، أي روح جماعيّة تختلط فيها العادات والتّقاليد والثّقافة المشتركة والعقيدة الدينيّة، وتشمل جميع الأفراد، حتّى وإن توزّعوا على مناطق جغرافيّة متباعدة. تفرض عليهم هذه الوحدة العقليّة سلوكيّات معينة تتعلّق بروح الجماهير، بصرف النّظر عن موقف الفرد الشّخصي الذي ينتمي إليه. الفرد في الجمهور ذائب لا طعم له ولا لون ولا رائحة. هو يتصرّف بانقياد وانصياع لأوامر المجموع، حتّى لو تناقضت هذه التصرّفات مع موقفه الشّخصي من القضيّة. هو مستلب بطريقة ما، أو لنقل إنّه منوَّم مغناطيسيّا، يجري اقتياده طائعاً مختاراً إلى موقف يكون فيه قويّاً قوّة جبارة، تماثل قوّة المجموع، الذي ينتمي إليه. الفرد هنا أداة غير واعية، وضحيّة في نفس الوقت، يمكن أن يرتكب أبشع المجازر بضمير مرتاح لأنّه يقوم بواجب وطني أو ديني. لا يخالجه أدنى شك في أخلاقيّة ما ارتكبه لأنّ ثمّة تفويضاً خفياً منحته إيّاه الجماعة، وبموجبه يكون بعيداً عن المحاسبة، بعيداً عن الرّقابة، لا بل إنّ عمله مجيد يستحقّ عليه التّكريم. “هم مقتنعون بأنّهم ينجزون واجباً وطنيّاً. إنّهم يقومون بوظيفة مزدوجة: فهم في آن القضاة والجلادون ولا يعتبرون أنفسهم إطلاقاً مجرمين” 163

الجماهير كوحدة عقليّة تمتلك خصائص واضحة يمكن معاينتها بجلاء، فهي تفكّر بشكل غير عقلاني، وتتبنّى الفكرة أو نقيضها، وتنتقل بينهما دون أي مساءلة. طبعاً هي تفكر بشكل عاطفي لا يمت للعقلانية بصلة، ولذلك يكون ايمانها بالفكرة المتبناة حماسياً، كاسحاً، لا تراجع عنها. جملة هذه الخصائص تجعل من الجماهير مجرمة أو نبيلة. فإيمانها بقضيّة نبيلة يجعلها تغدق التّضحيات والبطولات المثيرة للإعجاب دون حساب. إنّ اندفاعها في سبيل قيم المجد والشرف يجعل من تفانيها واندفاعها مأثرة حقيقيّة ليست غريبة عنها بل هي جزء من آليّة عملها. هذه الجوانب تتقاطع بشكل طبيعي مع العاطفة الدينيّة، التي تحتاجها الجماهير وتمنحها نفحة التعصّب وعدم التّسامح. (السيّئة الذّكر). النّتيجة المؤلمة التي يصل لوبون إليها هي أنّ الجماهير بحركتها الثّورية والجذريّة العنيفة، لا تغيّر كثيراً من الأوضاع التي عاشت عليها، لأنّها بالجملة محافظة جداً، والتّغيير الحاصل سطحي على العموم. التغييرات الحقيقيّة على مستوى الشّعوب برأيه تحتاج إلى مئات السّنين حتّى تكون بالعمق والجذريّة التي تظهر عليها لاحقاً، لأنّها تطال حينها المعتقدات الايمانيّة الأساسيّة المتجذّرة في الوجدان الشّعبي من عادات وتقاليد وأفكار راسخة. هنا يميّز لوبون بين طبقتين ذهنيتين تحكمان البنية النفسيّة للفرد في الجمهور: 
الطبقة الأولى، والتي تضرب عميقاً جذورها في العادات والتّقاليد والثّقافة الشعبيّة والدينيّة وتكون بمنأى عن التغيير الجذري الآني، بل إنّ تغييرها وزحزحتها يحتاج لأجيال كاملة، وفيها تتركّز الطّاقة الانفعاليّة والعاطفيّة بأعتى أشكالها.(فوق هذه الطبقة) 
طبقة ذهنيّة ثانية، هي حصيلة ما اكتسبه الفرد من علوم ومعارف في المدارس والجامعات وفي الحياة المهنيّة. وهي عموماً طبقة رقيقة تتبخر مباشرة في حالات التحوّل الاجتماعي العاصفة التي تستدعي ذوبان الفرد في الجمهور، وتترك المجال لآليات الطبقة الأولى لتكون هي الفاعلة ولتحدّد درجة انصهار الفرد بالجماعة التي ينتمي لها.
لذلك ليس من المستغرب ضمن هذا المنظور أن يقول لوبون:
“إنّ رأي أربعين عالماً في الأكاديمية الفرنسيّة يتساوى مع رأي أربعين سقّاء فيما يتعلّق بالموقف من القضايا العامّة”. 
لاحظ محمّد أركون منذ الثّمانينات أنّ أغلب قيادات الحركات الأصوليّة الإسلاميّة حاصلون على شهادات علميّة رفيعة في مجال العلوم والكومبيوتر والهندسات وليس العلوم الإنسانيّة. بالطبع هم ليسوا بحاجة إلى الجدل فيما يخصّ الإنسان ومعارفه لأنّ المرجعيّة الرّاسخة والتّليدة موجودة وغير قابلة للنّقاش ولذلك يجري الابتعاد عن الفلسفة وعلم النّفس والتّوجه لتحصيل العلم التجريبي لمنافسة الغرب، واكتساب سلاحه على ما يتوهّم أصحاب هذه الفكرة، دون أن يفكّروا للحظة أن ثورة الغرب العلمية تقوم أساساً على أسس فلسفيّة وفكريّة أولاً ومن ثم انتقلت إلى طور العلم التّجريبي.

لا توجد جماهير دون قائد يمتلك السّمات والخصائص التي تؤهّله لتولي زمام الأمور. قائد يمتلك الهيبة والكاريزما الخاصّة به والتي تجعل من الجماهير تنقاد له وتطيعه. يجب التّمييز بين قادة عظام مثل بوذا والمسيح ومحمّد، كانوا قادرين ذاتياً على أن ينسحبوا من تأثير الجماهير عليهم بحسب تعبير يونغ، وبذلك امتد تأثيرهم آلاف السّنين، وبين قادة عابرين حكموا الجماهير لفترة معينة وكانوا مرآة عكست صورتها وخصائصها. وهؤلاء لا تبدو سماتهم مغرية تماماً إذ يغلب عليهم قصر النظر وقلة الذكاء. وغالبيتهم مصابون بالعصاب، عدا عن أنهم غير عقلانيين وعاطفيين على نحو مرضي ومستعدين للتضحية بأي شيء في سبيل مصالحهم وتحقيق قناعاتهم. وأيضاً لديهم قدرة فطريّة مشؤومة على التّحريض والعبث بمخيلة الجماهير، من خلال فهمهم الفطري لنفسيتها وسبل تحريضها وإثارتها. والقادة عادة ما يتسلّحون في مواجهة الجماهير بكلمات تثير صوراً ذهنيّة بسيطة محمولة على رمح ذي ثلاث شعب، التّأكيد، التّكرار، العدوى. فالتّأكيد المجرّد العاري من كلّ حجّة عقلانيّة يكتسب تأثيره الأبعد مع التّكرار المستمرّ وبعدها يتكوّن تيّار الرّأي العام فتتدخّل الآليّة الجبّارة للعدوى لتفعل فعلها في المجموع وتنتشر الفكرة المراد نشرها. “فقوّة الكلمات وتأثيرها من الضّخامة بحيث أنّه يكفي على القادة أن يعرفوا اختيار الكلمات لكي يجعلوا الجماهير تقبل أبشع أنواع الأشياء” 119

كان القرن العشرين عصر الجماهير بامتياز. صار الرّأي العام هو السيّد الذي يسعى جميع السّياسيين والحكّام والشخصيات العامّة إلى استرضائه وتملقه والاحتيال عليه أيضاً. قوته الحاسمة انتزعت عن جدارة التّفويض الالهي الذي لطالما احتكره الملوك والأباطرة لعصور طويلة، غيبوا فيها القوّة الهائلة التي تختزنها جموع رعاياهم. هو تحوّل غير مسبوق في التّاريخ البشري وينذر بانعطافات كبيرة ومفصليّة. ولذلك يرى لوبون أنّ عصر الجماهير يمكن أن يمثل آخر مراحل حضارة الغرب. طبعاً تكفلت السّياسة الحديثة بعد وفاة لوبون، بما تضمّه من جيش من علماء النّفس والاجتماع والإعلام، بابتكار كلّ الوسائل التي تضمن جعل المارد حبيس قمقم محكم الإغلاق. 

الرّبيع العربي وعلى نحو مباغت، أعاد مفهوم الجماهير إلى الواجهة، الجماهير النّبيلة، الفاعلة التي تنشد التّغيير وتسعى إلى حياة لائقة وكريمة. الزّخم هذه المرّة بأهداف نبيلة وتضحيات هائلة، ولذلك كانت سياسة الاحتواء الغربيّة وتغيير مسارات التحوّل سريعة وحاسمة لدفعها باتّجاه صبغة إسلاميّة معروفة جيداً ومحتواة بشكل كامل لدى الغرب. ولكن هذا لن يقلل من قيمة الرّبيع العربي وأهميّته، لأنّه وعلى غير توقّع من بعض المفكّرين العرب والشعراء الأشاوس المعتادين على التنمّر على شعوبهم وجلدها بالتخلف والتأخر، تلاقح هذا الربيع مع أفكار الغرب التنويريّة على حدّ تعبير “إدغار موران”. “حركة احتلوا وول ستريت” هي الصّدى لميدان التّحرير وليس العكس على ما جرت العادة والعرف. الغرب حالياً بعيد عن تنويره، فخرجت الشّعوب العربيّة لتذكره بإبداع نسيه أو تناساه أو احتكره لنفسه عن شح وأثرة. 

لن يكون غريباً أنّ الكثير من زعماء العالم اليوم يفتقدون لأبسط مقوّمات الزّعامة، ما الذي امتلكه ساركوزي أو جورج بوش أو “بيرل سكوني” وغيرهم كثر؟ ومع ذلك فقد حكموا أوربا وأمريكا والعالم أيضاً، وقدّموا الدليل الكافي على مدى تناسي الغرب لتنويره الأصيل. إنها سمة عامة لساسة الربع الأخير من القرن العشرين وما تلاه. ومن كان قبلهم كان أفضل طبعاً ولكن قياساً لسوء ورداءة الذين أتوا من بعدهم. إنّها السّياسة، والسّياسيون لا يمثلون سوى رأس جبل الجليد الأسود الذي صبغ ويصبغ حياة البشر وأرواحهم بأعتم الألوان وأبشعها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This