شارع الحبيب بورقيبة

أجلس على مقعد حديديّ في شارع الحبيب بورقيبة، أحسّ بتعب شديد، جسدي كلّه أوجاع، عظامي واهنة، المظاهرة فشلت منذ الصّرخة الأولى، أقول لنفسي:” أكيد أنّهم بُلّغوا بمكانها وزمانها، ما أكثر الوشاة في بلدي!» كان عددنا لا يتجاوز المائة، نفس الوجوه نفس الأسماء، وكان عددهم عدد جيش يتأهّب لحرب ضروس. نفس اللّباس الأسود المستورد مع القموح، نفس الهراوات، نفس النظرات المفترسة ونفس الصّيحات المفزعة. أشعر بالبرد في هذه الأمسية القائظة.

آلام رهيبة في ظهري. يبدو أنّي شخت قبل الأوان بعد سنين من الشّغب والمطاردة والمراوحة بين الإيقاف والسّجن. جسمي ما عاد قادرا على تحمّل المهامّ الصّعبة. إيه كيف يهرب الشّباب منّا دون أن ندري! أسحب سيجارة وأشعلها بيدين مرتعشتين. التّدخين رحمة للمتوتّرين أمثالي. أنظر في كلّ العيون الّتي تمرّ أمامي ومن جانبيّ وحتّى من خلفي. الجميع صار موضع شكّي. وحالتي الآن موضع شكّ الجميع..

أحاول أن أهدّئ من روعي حتّى أبدو طبيعيّا كما الآخرين. أستوي على المقعد الحديديّ. أتحكّم في وتيرة أنفاسي. أوجاعي تزداد فأكتمها. أضغط عليها من الدّاخل. أقتلها بابتسامة كاذبة. عليّ أن أجعل نظراتي أقلّ حدّة.

هيّا، كوني وديعة لطيفة كنظرات هذا المخنّث العابر كالنّسيم. ها هي تكون.

عليّ أن أفرج عن قسمات وجهي كذلك الدّاخل مع صديقته إلى قاعة السّينما المواجهة حيث تعلن المعلّقة عن شريط غراميّ. تنفرج.

لا بدّ أن ترتخي عضلات جسمي المنقبضة سخطا وألما. ترتخي.

لم لا أغمز هذه الفتنة المضغوطة من صدرها حتّى أخمص قدميها. أغمزها فتنظر إليّ باشمئزاز قائلة:« ملاّ كعلاف!» ها أنت تجلب لنفسك الإهانة من حيث لا تدري. أبلع ذلّتي الإضافيّة وأصمت.

غنّ في قرار نفسك إن شئت. أغنّي «البحر بيضحك ليه» لكنّ صوت المزود الممتزج بصوت الكونترباس الممتزج بإيقاع الموسيقى الإلكترونية الآتية من أرجاء مختلفة في الشّارع الغريب تعلو على صوتي الدّاخليّ. أصمت مرّة أخرى.

مجموعة من الفتيان يرقصون كالبلهاء على بعد خطوات منّي. أشمّ رائحة الموت في غزّة. عجوز ذو لحية مغبرّة محمرّة يصرخ تحت جبّته:

اللّه يأخذكم يا فجّار!
تقول فتاة من البسكويت لمرافقها الّذي يشبه شعره رأس القبّرة:

ساي با نورمال، قدّاش كثروا المجانن!
يقول لها:
قدّاش كثروا جماعة النّزوح!
أشفق عليهما في سرّي. أشعل سيجارة أخرى. سرب من العصافير المهاجرة فوق رأسي. يفعلها واحد منها على وجهي. أمسح ذلّتي الأخرى بمنديل في جيبي. تذكّرت الهاربين من بلدي على سفن الموت نحو الضّفّة الأخرى. يمرّ أمامي شخصان في الثّلاثين من عمرهما تقريبا. أحدهما يحمل على ظهره قيثارة والثّاني يمسك بيده حقيبة مستطيلة من تلك الّتي توضع فيها كارتونات الرّسم الكبيرة. أظلّ مشدودا إليهما وتكاد دموعي تنهمر من عينيّ حين تذكّرت أنّي عاجز بسبب الدّيون المتراكمة عن اقتناء قيثارة لابنتي الوحيدة. لا أعرف لم تذكّرت الفنّانة الّتي يسمّونها شعبيّة فاطمة بوساحة.

تجلس في المقعد الّذي يواجهني فتاتان. القصيرة البدينة ترتدي سروال جينز يكاد ينفجر بين فخذيها. الطّويلة الهزيلة مثل عصى المكنسة تكاد تكون عارية تماما. تفتح وركيها في عينيّ. أرى من بعيد وكر حشرات تسري على بعضها البعض فأكاد أتقيّأ. توشوش في أذن صاحبتها فتنظر نحوي وهي تقهقه. ذلّة أخرى أقبلها بصمت. يقترب منهما عضروطان. أحدهما على خدّه الأيمن أثر جرح سكّين حديث. والآخر يحمل على زنده المنتفخ وشم كبير، يبدو لي أنّه شعار النّازيين. الأربعة يتفاوضون بصوت مسموع. تحسم البدينة النّقاش قائلة:

لا نقبل أنا وصديقتي بأقلّ من عشاء في مطعم المزار وبعشرين دينارا لكلّ واحدة منّا قبل الذّهاب معكما.
قلت لنفسي:« الكون كلّه وليمة، أمّا أنت وأمثالك فكالأيتام في مآدب اللّئام». تخجلني هذه الصّورة. يحزنني هذا الإحساس. يمرّ بداخلي تيّار هوائيّ متضارب، موجات باردة تتلوها سريعا موجات ساخنة. جسمي يتصبّب عرقا. تنتابني رعدة قويّة….من يدثّرني؟ أضغط بكلتا يديّ على صدري…من يدثّرني؟

أتحامل على أوجاعي. أقطع الشّارع الهارب منّي ومن تاريخي. أدلف إلى حانة “أكسال”. واحد كوكتال خويا…

أعبّه دفعة واحدة. أطلب كأسا ثانية. جاك برال يغنّي « نو مو كيت با ». لها الحقّ في أن تتركني وتنجو بنفسها. رجل فاشل ومحبط أنا. فاشل في كلّ شيء، في الحبّ في الأحلام في العمل في العمل… محقّة طليقتي ناجية حينما قالت لي ذات يوم:

أنت كائن خرب ومخرّب. ولا بدّ أن أنجو بابنتي.
تشتعل في شتّى زوايا جسمي حرائق. أطلب مزيدا ومزيدا من الكحول. تجلس بجانبي فتاة شقراء، مجنونة الشّعر والعينين.

هل أنادمك؟
تطلب كأسا من الويسكي. أقول لها:

أنتِ أيّها الماضي ثانية؟!
تضحك بشهوانيّة:

وهل بقي لك غيري؟!
هل تدثّرينني؟
مسكين!
جسدي ما بين قطبين، وروحي لا مستقرّ لها.
تضع بين كفّيها يدي اليسرى. تفركها. ينساب فيّ تيّار مكهرب. يتسلّل بداخلي صوتها الغريب الحبيب:

محموم أنت.. هيّا إلى البيت….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق