شارع بول فاليري

طلع النهارُ ولم تهبّ الريحُ.
لم تأتِ اليماماتُ التي كانت تدقّ السقفَ. في جبّانة ورقيّةٍ.
أم أنّها التبستْ هنالك بالغيوم
وبالصنوبرِ واقفا متواطئا والشمسَ.
 أم لاذت بأبراج الحمام. الوقتُ ما قبل الظهيرةِ.
حاجز في المرفأ النائي. هنالك.عائمٌ.
بين الحشائش. ثمّ شيءٌ. كان يزحف يَمنةً. مثلي.
 ويزحف يسرةً. متدفّئا
بالشمس.في كسل العظايةِ.
ربّما هو كان يبتدئ الحياهْ

***

في الأفقِ. أبعدَ. ثمّ أشرعةٌ مثلّثةُ الزوايا. في مقدّمة السفائن.
وهي تمخر بحرها.
ما بين مقبرة قرأناها. ومقبرة أراها
البحر يبدأ كَرّة أخرى الطفولةٌ وهي تسبقني الطفولةُ وهي تتبعني.
كما لو أنّها مطرٌ يعود إلى الهطول

***

ـ أنا قد نسيتُ مظلّتي. لو تسمحونَ. سأحتمي معكم. لبعض الوقت. بضعَ دقائقٍ لا غيرَ. حتى ذلك البارَ القريبَ. ترونه؟
إنّي أحبّ الأيروبيكَ. رياضةً أعني وموسيقى. ولكنّي نسيت مظلّتي.أنا لست أفهم كيف تمطر فجأة.
في سيتَ. كيف يسوءُ جوّ مثل هذا فجأة
في مثل هذا الوقتِ.
 ـ بول فاليري إذن؟
هذا دليلي مذ أتينا سيتَ. قلت لـ”منصف غشّام” ليلةَ لم نجدْ بيتَ المضيّفِ.
كان أقربَ ما يكونُ.
ونحن نخبطُ في الشوارعِ. حذوهُ. ونطوفُ. من ضوءٍ إلى ضوءٍ . به. نمشي إليه. ولا نراهُ.
والمدينةُ لم تزل تجترُّ ليلتها.على حبل المراسي البحرُ أهدأُ ما يكونُ البحرُ. حيث رأيتُ قارب جورج براسّنس. صندوقا مغطى بالضبابِ. يلوحُ مثل كمنجة العرب القدامى. وهو مشدودٌ إلى جلد الخروفِ
 ـ بـول فاليري الشوارع كلّها منه. إليه. هنا. فكيف إذن نتوهُ
ـ شكرا. وصلنا

***

في الليل يأتي
S D F
بجراب راعٍ. قلت ها جاء الغريبُ أخي. سيجلسُ في مكاني.
 وهْو يشربُ أو ينام
 
ماذا تقول له؟
وتعرف أنّ هذا البيت (أعني جيّدا بيتَ القصيدة). ليس لكْ
ماذا تقول له إذن ؟

لا بيتَ لي !
ولقد سلكتَ
إلى القصيدة هذه من حيث بول فاليري سلكْ
ماذا تقول له إذن؟

حتى اليمامَ وأنت تُغويهِ ليمشي في القصيدةِ. ليس لكْ!
أتقول؟ إذ تتربّصُ الكلماتُ بالكلماتِ. والكلماتُ لولا نقطةٌ أو فاصلٌ
نطّت هنا وهناكَ. أو لبدتْ لنا.
 كالهرّ فوق أريكة. مستمرئا كسل الملكْ

أنا sdf آخرٌ ياسيّدي. والحال ليست بعد كلّ الياسمين التونسيّ كما يرام التونسيّ. إذن. ستشرب سيتُ نخب ربيعكم التونسيُّ
ليكنْ. ولو في الصيفِ. حدُثني الحياةُ الملتحونَ الناسُ. بعد رحيله الجنرالُ. والاحزابُ؟
 قلْ!

 ***

 ماذا أقول؟ وبعضها فنّان إعلاناتْ
مستأجرٌ أبدا جدارا عاليا أو صفحةً يوميّةً لزعيمهِ
 ماذا أقول ؟ وبعضها فيضٌ من الخيراتْ
 العائدونَ من الضباب اللندنيّ إلى “المدينةِ”

حيثُ لا بدرٌ ليطلع من ثنيّات الوداع لهم. ولا شمسٌ.
ولم يدروا بأنّ محمّدا قد ماتْ
 ماذا أقول له إذن؟
والبعضُ صنعتهُ الصرافةُ. وهو يبرعُ دائما في عقد صفقتهِ.
ونحن عمولة الصرّافِ.
لا تعجبْ
فإنّ الحال بعد الياسمين التونسيّ كما ترى.
ماذاأقول له إذن ؟
والبعضُ منها راسبٌ في ما قاله دجوغاشفيلي
 أو قيصرُ السوفياتْ
ماذا أقول له إذن؟
 والبعضُ بالونٌ هوائيّ خفيفُ الوزنِ.
لا يدرِي بأنّ الأرض دارت قبلهُ.
والأرض دارت بعدهُ دوراتْ

 ماذا أسرّ؟
وبعضها مثلي وديعٌ كالمسيحِ.
على اكتهال جئته في القيروانِ
الأزرق الفيروز والحجر الكريم الأزرق المخضرّ إذ يمتصّ أحمرهُ
صدى حلم قديمٍ.
كنت أقطع عاميَ الخمسينَ كالحلزونِ. من شغلٍ إلى بارٍإلى سفرٍ. ومن سفرٍإلى شغلٍ إلى بارٍ. وكان البارُ يفتحُ قبل منتصف النهار لنا.
 أحبّ القيروان. شتاءَها. حتى وإن سحبتْ سماءُ الله رحمتهَا. ولم تمطرْ. ركامَ غيومها في الأفْق. ضوءَ القيروان. يشفّ أزرق. ثمّ أبيض. ثمّ أزرق. ثمّ أصفر. ثمّ أزرق. ثمّ أخضرَ باردا.
وأحبّ حيث الوقتُ ينتظرُ الزبائنَ حزنَها المسكينَ. وهو يلوذ بي. في حانة “المكني”. وقد “رقّ الحبيبُ” لنا.
أحبّ نساءها ينضجنَ. قبل أوانهنّ القيروانيّاتُ.عطرُ بَخور مريم.إذْ
شميمُ اللوز مرّا فاغما من تحت سرّتها.وإذ
يدها على صدري كما في الأوبرا. شدّتْ
ونحن نقيس ليل القيروان بحلمة سوداءْ

 الـ SDF يقول لي :
لا مشكلٌ في الموت..لا لغزٌ..وإنّ الموتَ يعرف جيّدا ماذا يريدُ..الموتُ أوضحُ ما يكونُ
المشكل الأبقى الحياةُ المشكل الأعصى الحياهْ

***

 في بيت فانسان مضيّفنا.
أقول لصاحبي.
لا شيء يشبه ليل سيتَ.هنا.سواهْ

***

لا عينَ للرؤيا
وقد رمّمتُ بالنسيان ذاكرتي.
ومن يومين.في جبّانةٍ بحريّةٍ.في دار مملكة المعزّ الفاطميِّ.لعلّها
سيتٌ لنا.أخرى.رأيتُ هناك.في ثيدروسَ.أهراءَ المنازلِ.والدّلاءَ على التلالِ.وفي الحقولِ.
رأيت فيلاتِ الرومانيّين.فلاّحينَ.صيّادينَ.
قلتُ لبائع السردينِ:
ـ هذا بائتٌ.هذا المجمّدُ.أقصدُ السردينَ؟
ـ لا.بل طازَج.مثلي ومثلك.غير أنّا.ذات يوم.سيّدي.
سنكون لحما باردا.للدّود.كالسردينِ.
 ” نحن من المنيّ إلى المنيّة.” قلتُ. فيما البحر في شبه الجزيرةِ.
 كان يهدرُ من ثلاث جهاتهِ.
لي برزخٌ.منها. إليها.دار مملكة المعزّ الفاطميِّ.وكنتُ أدخلُ دائما
من سورها الغرْبيِّ.أذكرُ
 أنّني لمْ آتِها من أيّ باب جئتها.
إلاّ حلمتُ بأن أقضّي الليلَ.كلّ الليل. في الميناءْ

***

غنّي لنا
لليل طال عليّ في المهديّه
غنّي لنا
 يا جارتي البحريّه
 
***

لم أدر كيف جمعتُ بين أبي العلاء هنا وبول فاليري.
 وكيف رأيت من هذي الهضابِ “معرّة النعمان” تأتيني على ماءٍ.
 وتأتيني على يبسٍ.
وصوتُ أبي العلاء يقول لي: يا ابن الوهيْبي
ذا طريق اللون فاذهبْ.لا تخفْ
لا تنتظرني عند باب المعجزهْ
 وأقول تكفي قَشّة من بيته الشعريِّ.في جبّانةٍ بحريّةٍ. في سيت. أوْ ورقيّةٍ.
وفسيلُ أغنية لنا.من جورج براسنس
 لمْ يأْنِ لي أن أغرزَهْ
وأبو العلاء يقول لي: لا شيءَ بعد الموتِ غير الموتِ. فاذهبْ. لا تخفْ.
ظلّ للاشيءٍ أنا سمّيتهُ.
يكفيك ما يكفي لتقصم ظهرهُ.
يكفيك ما يكفي لتبتدئ الحياهْ

***

في “سيت”. أذكر. أنّني أحببتها يومينِ. ثم نسيتها.

***

الليل منزلقٌ.
ومن فخذيكِ حتى رَبلتيْ ساقيك كان الضوءُ يهبط فيكِ.
وهو يضيءُ ذاكرتي. وكنت هناك. أسمعُ صوت مريم فيكِ.
حيث الأرضُ من تحتي ترنّ الليلُ يصعد عاليًا.

لو تدركين شراهة الستين. حيثُ نحسّ أكثر بالربيع الأنثويّ.
ونحن نفصل. في الظلامِ. محارةً. عن بعضها.
ونجوسُ.في خطِّ استدارتها.ومفرقِ حاجبيها .لَوْ.
لنا جسدانِ. في الستينَ. لَوْ تدرينَ. لَوْ.
جسدٌ يضيء الحلمُ ظلمتهُ .لَنا.
جسدٌ له هفوات مبتدئٍ. يدورُ. ولا يمدّ لنا.سوى أغصانِه الحمقاءْ

***

هذا ضريحك حيث كنت لمحت ظلّ عظايةٍ.
بين الحشائشِ. وهي تزحف يمنةً مثلي. وتزحف يسرةً. وأنا أقول لعلّها وُلدتْ لساعتها.
ولكنّي نسيتُ ونحن نهبط أن أواسيَها.
ولكنّي لمحتُ يمامتين تحوّمان.
وقاربا يدنو.
 وكان البحرُ يبدأ كَرّة أخرى.
 سلاما. أنت. بول فاليري

————————-

سيت (فرنسا) / القيروان جويلية / أوت2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This