شاعرات عربيات عاشقات / صلاح الشهاوي

ادَّعى بعض النقاد العرب أن إبداع الشاعرة العربية ظلَّ طوال تاريخه متَّشحاً بالسواد، ومجلَّلاً بالدموع والأحزان، منذ أن وقفت «نائحةُ بني سليم» سيدةُ الشعر النسائي العربي ترثي أخاها في سوق عكاظ، وكأنها أسرت الشعر النسائي بطوق من الدموع، مصادِرةً سائر أغراضه. لكن الشاعرة العربية لم تكن منذ أقدم العصور بمعزل عن الحياة الأدبية للمجتمع لسبب واضح وهي أنها لم تكن بمعزل عن الحياة الاجتماعية، فكانت تشارك في كل شيء حتى في الحروب.

يروي الميداني في «مجمع الأمثال» فيقول: «إذا صاحت الدجاجةُ صياحَ الديك فلتُذبح». معلِّقاً عليه كالآتي: «قاله الفرزدق في امرأة قالت شعراً»!

وبغضِّ النظر عن صحة القول المنسوب إلى الشاعر علينا أن نتأمَّل مغزى كلمتَي «صاحت» و«صياح»، فهما تخفيان حقيقة شعر المرأة على مرّ العصور، وهما المدخل لأيّ دارس للتراث الأدبي الذي خلّفته المرأة سواء أنصفه التاريخ الأدبي أم ظلمه، ومعنى هذا أن «صوت المرأة» لم يكن يشبه دائماً «صوت الرجل».

ويذكر الدكتور أحمد الحوفي في كتابه «المرأة في الشعر الجاهلي»، أن الشواعر كنَّ يُحاكين الرجال الشعراء، ولكن أجنحتهن قعدت بهن عن التحليق في أجوائهم. وأنهن لم يستطعن أن يسِمْن شعرهن بسمات الأنوثة البارزة التي تُفرده وتميِّزه عن شعر الرجال في كل موضوع من موضوعات الشعر. ومع تسجيل اختلافنا مع تلك النظرة التي أوردها الحوفي، إلا أنه يمكننا أن نضيف أن المرأة العربية كانت تميل إلى التجسيد، لأنها تعيش في عالم من الرموز والمعاني والخيال الرحب. والرجل يميل إلى التجريد لأنه يعيش الواقع بكل آلامه ومرارته، فهو يحمل سلاحه ويخوض الحروب، ممارساً حياته اليومية خارج البيت، محاولاً التعبير عن هذا من خلال أُطر الشجاعة والفروسية والكرم والجود. في حين تُعبِّر المرأة عن ذلك بما ينعكس على حياتها بشكل مباشر، فقد كانت تتعامل مع زوجها الفارس الجواد باعتبارها فرداً من الأسرة والمجتمع، يتملَّكها الخوف على انهيار الأسرة إذا حدث لزوجها مكروه، ويبدو أن هذا الخوف يزداد وضوحاً إذا عبَّرت المرأة عنه شعراً.

ولذا فإن ملامح إبداع المرأة العربية الشاعرة، قد ظهرت في فنّ الرثاء بما فيه من إمكان للبوح والاستدعاء وتوليد المعاني، بما يُشبع غريزة المرأة من التعبير عن نفسها بإفاضة وإسهاب. وأظهر الشاعرات في هذا المجال الخنساء.

ويبدو أن كثيراً من النقاد قد اكتفوا بفهم شعر الخنساء على أنه رثاء لأفراد أسرتها، ومن ثم فهو شعر ذاتي محض، غافلين ذلك الملمح الذي تنطلق به بلسان الذات الجماعية. وللنقاد عذرهم. فهذا ديوان «أنيس الجلساء في أشعار النساء» للسيوطي قد ذُيِّل بمراثي ستين شاعرة عربية من الجاهلية وصدر الإسلام، حتى ليُخيَّل إلى القارئ أن حواء العرب تظلُّ معقودة اللسان، معطَّلة الحسّ، صمَّاء الوجدان، إلى أن تقوم مناحة فتُحلّ عقدة لسانها، وتتفجَّر ينابيع الحس في وجدانها!

وذلك الظن جعل واحداً مثل ابن سلام لا يعترف لشاعرة من طراز ليلى الأخيلية بمكان مع شعراء طبقته، بل ذكرها عرضاً في ترجمته للنابغة الجعدي! وإنما هو أهدرها لأنها خرجت على المجال الفني للمرأة الشاعرة، ألا وهو الرثاء!

لكن الرثاء لم يكن الفن الشعري الوحيد لدى المرأة العربية، فقد برعت أيضاً في الوصف والغزل. نعم الغزل. فأسلوب التصوير لدى الخنساء – التي تُمثِّل نموذج المرأة الشاعرة – يؤكد لنا ما ذكرناه آنفاً. فإذا كان الشاعر الرجل يبدأ من المحسوس إلى المجرّد، فإن الخنساء في شعرها تبدأ بالصفات ثم تجسّدها في صورة محسوسة كقولها في رثاء أخيها صخر:

«قذىً بعينكَ أمْ بالعين عوَّارُ

أم ذرَّفتْ إذ خلتْ من أهلها الدارُ

كأنَّ عيني لذكراه إذا خطرتْ

فيضٌ يسيلُ على الخدَّين مدرارُ

تبكي خناس على صخر وحقَّ لها

إذْ رابها الدهرُ، إن الدهرُ ضرَّارُ».

 

ملمح آخر لدى الخنساء يؤكد أنوثتها وعالمها الخاص، حيث نقع على مدى اهتمام المرأة الطبيعي بالزينة والتزويق والألوان والولع بالتشكيل والموسيقى عالية الجرس، في قولها:

«تعرَّقني الدهر نهساً وحزا

وأوجعني الدهر قرعاً وغمزا

ببيض الصفاح وسمر الرماح

فبالبيض ضرباً وبالسُّمْر وخزا

ونلبس في الحرب نسجَ الحديدِ

ونلبس في السلْم خزاً وقزا».

 

أليست تلك أدوات المرأة: التطريز والخز والقز الأبيض والأسمر والزركشة المختلفة طوال القصيدة، خصوصاً في قوافيها؟

وينسب تاريخُ الشعراء العذريين إلى عفراء قولها ترثي عروة بن حزام:

«ألا أيها الركب المجدّون ويحكمْ

بحقٍّ نعيتمْ عروةَ بن حزامِ

فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموا

بأن قد نعيتمْ بدرَ كلِّ ظلامِ

فلا تُهنئِ الفتيانَ بعدكَ لذَّةٌ

ولا رجعوا من غيبةٍ بسلامِ».

 

ومما يُنسب كذلك إلى ليلى العامرية صاحبة قيس قولها:

«لم يكن المجنونُ في حالةٍ

إلا وقد كنتُ كما كانا

لكنه باحَ بسرِّ الهوى

وإنني قد ذبتُ كتمانا».

 

ولها في المعنى نفسه:

«باحَ مجنونُ عامرٍ بهواهُ

وكتمتُ الهوى فمتُّ بوجدي

فإذا كان في القيامة نُودي:

مَن قتيل الهوى؟ تقدَّمتُ وحدي».

 

ومن شعرها المختلف:

«كلانا مُظهرٌ للناس بغْضاً

وكلٌّ عند صاحبه مكينُ

تُبلِّغنا العيونُ بما أردنا

وفي القلبَين ثَمَّ هوىً دفينُ».

 

وهذه شاعرة عاشقة اسمها ضاحية الهلالية شعرها من أرقّ شعر الغزل، حيث تقول:

«وإني لأنوي القَصْد ثم يردُّني

عن القصْد ميلاتُ الهوى فأمِيلُ

وما وجْدُ مسجونٍ بصنعاء موثقٌ

بساقَيه من حبس الأمير كبولُ

وما ليلُ مولى مسلمٍ بجريرةٍ

له بعدما نام العيونُ عويلُ

بأكثر منّي لوعةً يوم راعني

فراقُ حبيبٍ ما إليه سبيل».

 

ولها بيتٌ في الغزل مشهورٌ، تقول فيه:

«أَلا لا أرى للرائحين بشاشةً

إذا لم يكن في الرائحين حبيبُ».

 

وفي العصر العباسي ظهر لعلية ابنة المهدي العباسي – أخت هارون الرشيد – ديوانُ شعرٍ متعدِّد الأغراض. وكانت من أحسن نساء زمانها وجهاً وأظرفهنَّ خلقاً وأوفرهنَّ عقلاً وأدباً. ومن أشعارها:

«ليس خطبُ الهوى بخطبٍ يسيرِ

ليس ينبيك عنه مثل خبيرِ

ليس أمر الهوى يُدبَّرُ بالرأيِ

ولا بالقياس والتفكيرِ».

 

وذات يوم طلب منها الرشيد أن تأتيه بالرقّة، فذهبت وهي تقول:

«إشربْ وغنِّ على صوتِ النواعيرِ

ما كنتُ أعرفها لولا ابن منصورِ

لولا الرجاء لمن أمّلت رؤيتهُ

ما جزت بغدادَ في خوفٍ وتغريرِ».

 

ونلاحظ هنا أن عُلية لم يمنعها حياؤها من البوح بمشاعرها، مع أنه كان يُروى عنها أنها كانت أزهد الناس.

أما الخنساء بنت التيحان فقد أحبَّتْ جَحْوَش الخفاجي حباً عذرياً، وهي العاشقة القائلة:

«أمنتذرٌ قتلي إن العين آنستْ

سنا بارِقٍ بالغورِ غور تِهامِ

فلا زال منهلٌّ من الغيث رائحٌ

يُقادُ إلى أهْلِ القَضا بِزمامِ

ليشرب منه جَحْوَشٌ ويَشمَّهُ

بعينَي قَطاميٍّ أغرّ شآمي

بنفسي وأهلي جَحْوشٌ وكلامهُ

وأنيابُهُ اللاتي جَلا بِبَشامِ

ألا إن وجْدي بالخَفاجيِّ جَحْوَشٍ

برى الجِسمَ منّي فهو نضوُ سَقامِ

وَأقسم إنّي قد وجدتُ بجَحْوشٍ

كما وجدتْ عَفراءُ بابنِ حِزامِ

وما أنا إلا مِثلُها غير أنّني

مؤجّلة نفسي لوقتِ حِمامِ».

 

وهي القائلة:

«إنَّ لنا بالشامِ لو نستطيعهُ

خليلاً لنا يا تَيِّحان مُصافيا

نعُدُّ له الأيامَ من حبِّ ذِكْرِهِ

ونحصي له يا تَيِّحان اللياليا

فليتَ المطايا قد رفعْنكَ مصعَداً

تجوب بأيديها الحزون الفيافيا».

 

ومن شاعرات هذا العصر اللاتي اندفعنَ في تصوير الحبّ والشوق إلى مدى لم يبلغ كثير من الشعراء جرأته، الشاعرة عشرقة المحاربية التي جاهرت بحبِّها مع عفَّة الألفاظ حين قالت:

«جريتُ مع العشاق في حلْبةِ الهوى

ففقْتهمُ سبقاً وجئت على رسْلي

فما لبسَ العشاق من حلل الهوى

ولا خلعوا إلا الثياب التي أبْلي

ولا شربوا كأساً من الحبِّ مُرَّةً

ولا حلوةً إلا شرابهم فضْلي»

 

أما ابنة قبيلتها أمّ الضحاك المحاربية فكانت أجرأ حيث كانت تحبُّ زوجها حباً جمَّاً ولكنه طلَّقها فأسرفت في تولُّهها قائلة:

«سألتُ المحبِّين الذين تحمَّلوا

تباريحَ هذا الحبِّ في سالفِ الدهرِ

فقالوا: شفاءُ الحبِّ حبٌّ يُزيلهُ

لآخرَ، أو نأيٌ طويلٌ على هجرِ».

 

وهذه شاعرة عاشقة أخرى تُدعى خيرة بنت أبي ضيغم البلوية، عشقتْ ابن عمٍّ لها، فعلمَ أهلها بذلك فحجبوها عنه، فقالت شعراً تصف فيه مرارة الهجر وشماتة العذَّال ودوام الهوى، وتتذكَّر فيه أيام اللقاء في البطحاء:

«فما نطفةٌ من ماءِ بهمنَ عذبةٌ

تمنّع من أيدي رقاةٍ ترومُها

بأطيبَ من فيه لَوَ انَّك ذقتَهُ

إذا ليلةٌ أسجتْ وغاب نجومُها

فهلْ ليلة البَطْحاءِ عائدةٌ لنا

فَدَتْها الليالي خيرُها وذميمُها

فإنْ هي عادتْ مثلها فألِيَّة

عليَّ وأيام الحَرور أصُومُها».

 

وقالت هذه الشاعرة العاشقة أيضاً:

«وبِتنا خلاف الحيِّ لا نحنُ منهمُ

ولا نحنُ بِالأعْداء مختلطانِ

نُرجِّي يَقيناً ساقِط الطَّل والنَّدى

من الليلِ بُردا ليلةٍ عَطِرانِ

نلوذ بذِكر الله عنَّا مِنَ الصَّبا

إذا كانَ قلبانا بهِ يَجِفانِ

ونصْدر عن أمْر العَفاف وربّما

نَقَعْنا غليلَ النفسِ بالرَّشَفانِ».

 

وقالت أيضاً:

«هجرتكَ لمّا أَن هَجرتك أصبحتْ

بِنا شمتاً تلك العُيونُ الكواشِحُ

فلا يفرحِ الواشونَ بِالهجْرِ ربّما

أَطالَ المُحِبُّ الهجْرَ والقلبُ ناصِحُ

وتَعدو النوى بينَ المحبّين والهوى

مع القلب مَطْويّ عليه الجوانحُ».

 

وفي الأندلس نالت المرأة العربية قسطاً وافراً من التعليم والتثقيف، لذا لا عجب أن نجد شاعرات عاشقات كنَّ زينةَ المجالس، وكان لبعضهن منتديات أدبية تضمُّ عليَّة القوم، أمثال: حفصة بنت الحاج الركونية، وولادة بنت المستكفي، وعائشة القرطبية، ونزهون بنت القلاعي الغرناطية، وسارة الحلبية، وحسّانة بنت المخشى، وأم الكرام بنت المعتصم بن صمادح… وكلّهنَّ كنَّ يعقدن في قصورهن بقرطبة ندواتٍ أدبيةً حافلةً بالشعراء والأدباء ورجال العلم والفنون.

والحديث عن شاعرات الأندلس مما أفاض فيه الباحثون والنقاد، لا عن كثرتهنَّ فحسب، بل عن اقتحامهنَّ معظم فنون الشعر وأبوابه، وعن جرأتهنَّ على مواضيع لم تكن شاعرات المشرق يجرؤن على الاقتراب منها، فصارت الشاعرة تتغزَّل بالرجل كما يتغزَّل بها. فقد كانت ولادة بنت المستكفي صاحبة ابن زيدون، تكتب بالذهب مُفاخرة بأنوثتها على الطراز الأيمن من عصابتها:

«أنا والله أصلح للمعالي

وأمشي مشيتي وأتيه تيها»

 

وعلى الطراز الأيسر:

«أُمكِّن عاشقي من صحن خدّي

وأُعطي قبلتي من يشتهيها».

 

وذات مرَّة كتبت إلى ابن زيدون تطلب زيارته قائلةً:

«تَرقَّبْ، إذا جنَّ الظلامُ، زيارتي

فإني رأيتُ الليل أكتم للسرِّ».

 

وبعدما زارته قالت تُودِّعه:

«ودَّعَ الصبرَ محبٌّ ودَّعكْ

ذائعٌ من سرِّه ما استودعكْ

يا أخا البدر سناءً وسنا

حفظ الله زماناً أطلعكْ

إن يطلْ بعدك ليلي فلكمْ

بتُّ أشكو قِصَرَ الليلِ معكْ».

 

يقول بدر الدين الصديق صاحب كتاب «نزهة الأبصار والأسماع في أخبار ذوات القناع» عن ولادة إنها كانت «سرية النفس شريفة الأصل لا تترك أحداً يتصرَّف في مجلسها ولا بالدرهم الفرد».

أما أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح، وهي من شاعرات القرن الخامس الهجري، فكانت تقول في حبيبها الذي كان أحد فتيان قصر أبيها:

«ألا ليت شعري هل سبيل لخلوةٍ

يُنزَّه عنها سمْع كلِّ مراقبِ

ويا عجباً أشتاقُ خلوةَ من غدا

ومثواهُ ما بين الحشا والترائبِ».

 

لكنَّ نزهون بنت القلاعي الغرناطية (ت: 1155م) تجاوزت أم الكرام في غزلها بالوزير أبي بكر بن سعيد وعشقها له حين تقول:

«لله درّ الليالي ما أُحيسنها

وما أُحيسن منَّا ليلة الأحدِ

لو كنتَ حاضرنا فيها وقد غفلتْ

عينُ الرقيب فلم تنظر إلى أحدِ

أبصرت شمس الضحى في ساعدَي قمرٍ

بل ريم خازمةٍ في ساعدَي أسدِ».

 

«الغاوون»، العدد 52 2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق