شاليه 19.5

كان بإمكاني دوماً أن أقطع رياضة الضاحية ذهاباً وإياباً كسلحفاة رشيقة، أنْ أقوم بتمرين ضغطٍ واحد مدعوماً بالركلات، تحمّل البذاءة والعقوبات الليلية التي تجعلُ منّا رجالاً حقيقيين، نتحمّل البرد أكثر من دبّ قطبيّ.
في أحد الأيام علّمونا كيف نعيش في الأسكيمو!، مع أننا لسنا مضطرين للعيش هناك!، سألنا المدرب :
من يود العيش في الأسكيمو ؟
أطرقنا رؤوسنا، لأننا لا نرغب في العيش هناك، لكنه أصرّ على ذلك، وكانت بداية تعرّفي على هكذا حياة. بدأنا بخلع ثيابنا العسكرية قطعةً قطعة، ولكنه لم يدعنا نخلع سروالنا الداخلي، أحسسنا بالبرد آخذاً بالتسرّب إلى عظامنا، لكننا كنّا بالفعل نسافر باتجاه الاسكيمو، فقد رأيت صديقي وجسده يتغطى بفراءٍ أبيض وأسود آخذاً ملامح بطريق!، لكنه بطريق لا يمشي وقوراً؛ نافخاً صدره ورافعاً رأسه، ولأنني أمتلك كرشاً كبيراً، فقد كنت أختزن بعض الحرارة، ما يجعل سفري باتجاه المحيط المتجمّد بطيئاً، كسلحفاة رشيقة، ولأنّه فشل في البلوغ بي إلى المحيط، فقد لجأ إلى ضابط آخر :
إنه لا يستطيع التحليق ولا بلوغ المحيط !!
عندها حدّق فيّ ملياً، لكنه لم يكلّمني في شيء سوى أنه سأل :
ما اسمك ؟
ايفان
هل تحسن قيادة سيارة مرسيدس ؟
فأجبته بنعم، ولم يسأل عن شيء آخر، ومن يومها صرت أبتعد عن المحيط والاسكيمو والبطاريق، وصرت سائقاً محترماً، أضع على شعري الجل والكريم، ويجب أن أظهر دوماً أنيقاً، كوني السائق الرسمي لعائلة الضابط، صاحب الصوت والعمر الزاحفين نحو التقاعد .
كان علي دوماً أن أكون جاهزاً، والسيارة بكامل عدة الاحتياط، الكريكو … يدك الاحتياط …. المفاتيح ..و…
وكان عليّ أن آخذ الآنسة حيث تشاء، والمدام حيث تشاء، والضابط حيث يشاء، وعلى كرشي أن يأخذَ موقعه ومجدهُ جيداً بين المقود والمقعد .
في أحد المرّات قمت بأخذ الآنسة بصحبة خطيبها إلى قمة الجبل، حيث الوادي أسفل إطلالة المقصف، المزروع هناك على عجل، وتقاسم العاشقان القبلات، واستكملا العناق تحت إحدى الأشجار التي تطل على الوادي، ونجحتُ بترك مسارٍ لعيني الجائعتين، كرشي متدلٍّ فيمَا أستند بظهري على السيارة، وحيوانات الشهوة تدقّ وتخفق كالقلب، والقلب يتقافز كحيوان منويّ، وسارح أنا في كل ذلك، والجلبةُ الحاصلة في الجوار لا تعنيني، لأنّ ضجيج حيواناتي تركني شارداً، وحين اخترقَت الجلبة ضجيج الحيوانات تلك، كان خطيب الآنسة قد شبع ركلاً وضرباً مبرّحاً من مجموعة الشبان هناك، وآنستي تصرخ، وأنا سائق لا أشارك في قتال لم يأمرني به أحد، عندها تقدّمتُ بدمٍ باردٍ وأتيتُ بالآنسة إلى داخل السيارة. حين تعبوا من ضربه وغدا كممسحة سيارة، حملته وقذفت به في الكرسي الخلفي، ومن ثم إلى بيته.
في أحد الأيام أعلن الضابط – بصوته المتقاعد- النفير العام للسائقين الأربعة، وكَوني أقدمهم فقد كان الحديث موجهاً إليّ مباشرة :
عليكم أن تكونوا على أُهبة الاستعداد صباح الغد، لا أريد أية أخطاء، لا أريد كسلاً، لأننا سنذهب إلى الشاطئ (وكأننا ذاهبون إلى حرب) في سرّي .
ونمنا واستيقظنا باكراً، وحلقت ذقني جيداً، ووضعت الكريم والجل على شعري، لكننا لم نقم بأي تجهيزات.
هل كل شيء جاهز؟
نعم سيدي
ولم يكن ثمّة شيء جاهز، ولأننا لسنا مجهزين، فإن السيارة حتماً ستتعطل، وبالفعل فقد تعطلت السيارة في الطريق، لا كريكو لا مفاتيح .. لا…
كاد الضابط يجنّ، ويتحوّل إلى شارلي شابلن، والغضب مستولٍ عليه، وبخاصة على الشعر القليل المتبقي على جلدة رأسه، ” أيها الكلاب، أيها …صات سأعاقبكم بالسجن بالضرب ..بــــــ ..بـــــ”
كنتُ أضحك في سري، لأني كنت سأسرّح من الخدمة، خلال خمسة عشر يوماً، وهو التوقيت الذي لن يكون فيه ضابطي قد عاد بعد من إجازته، انتظرنا قرابة الساعة حتى وصلَنا الدعم، وأنا استقبل وبشكل خاص الشتائم والعقوبات الافتراضية، وعندما وصلنا الشاليهات قمنا بإنزال الضابط مع المدام والآنسة، كان الشاليه يحمل الرقم “20” وهو الرقم الذي تحتجّ الآنسة عليه وتصفه بالرقم الغبي.
ولكن أين سننام نحن “سيدي”؟
طلب إلينا النوم في جهنم الحمراء أو في السيارات، ولكننا قمنا بجمع ما لدينا من بطانيات عسكرية، وخياطتها مع بعضها البعض لتصبح على مساحة خيمة واسعة نصبناها في حديقة الشاليه، وقمنا برشها ببخاخ أزرق اللون، ليكون على تناسق مع أزرق الشاليهات الأخرى، وكتبنا بما لدينا من موهبة وبخط مستقيم قدر الإمكان “شاليه 19.5” وقبل أن ننجح في إطلاق الشخير، كانت الشرطة العسكرية قد هدمته فوق رؤوسنا، فنمنا بعدها في سياراتنا. أخذت موقعي في المقعد جيداً، وكرشي متدلّ بين المقود والمقعد، وأنا أحلم بالرحيل باتجاه القطب المتجمد، وأسكن في غرفة مبنية من الجليد مرقمة بالرقم 19.5وصوت البطاريق والكلاب القطبية يعلو في الخارج.                 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق