“شبح أنطون تشيكوف” لمحمد عبد النبي: فــي مديــح الهُجنــة والالتبــاس / منصورة عز الدين

في مجموعته القصصية الثالثة «شبح أنطون تشيكوف» يقوم القاص المصري الشاب محمد عبد النبي بخلق أسلافه وفقاً للمعنى البورخيسي. بدايةً من العنوان يحيلنا الكاتب إلى أنطون تشيكوف أهم الآباء المؤسسين لفن القصة القصيرة، عنوان المجموعة هو عنوان القصة الأخيرة فيها، وهي معارضة قصصية لقصة «البدين والنحيف» للكاتب الروسي الشهير. هذه المعارضة تعد المفتاح الأول لمحاولة فهم العمل ككل، ولفهم علاقة الكاتب بأسلافه، وهي علاقة مراوغة لعوب تحمل من المكر والمخالفة أكثر مما تحمل من الطاعة والامتثال.

يأتي أنطون تشيكوف كشبح، بكل ما تحمله كلمة شبح من معانٍ متعددة. هو شبح الأب أكثر منه الأب ذاته، شبح من أشباح الماضي المسيطرة على شخوص المجموعة رغم محاولاتهم المتنوعة للفكاك من أسرها، رغم محاولاتهم للنسيان مستعينين بالنار «سنحاول أن ننساه وستساعدنا النار على ذلك»! فالنار كما تظهر في أول قصص المجموعة المعنونة بـ«يناير» (القسم الأول يضم 12 قصة تحمل أسماء الشهور) تبدو كشيء سحري وسري يربط مجموعة الأصدقاء المتحلقين حولها متأملين فيها. للنار هنا وظائف متعددة أهمها الإمتاع. «نعرف نحن أن التحديق في النار أمتع من الذهاب للسينما ومن قراءة الروايات، لأننا نختلق بأنفسنا الصور التي نشاهدها، ونرتجل لحظة بلحظة النص الذي نقرأه. بالطبع كان النص المرتجل، شأنه شأن مشاهد الفيلم المتخيل، يتبدد ما أن يظهر، وهذا نفسه سر روعة هذه العادة».

هكذا، وربما من دون أن يقصد، يقدم عبد النبي لقارئه «وصفاً» مناسباً لقصصه، فقراءتها أشبه بالتحديق في نار مبهمة وغامضة، وعبر هذا التحديق يختلق القارئ تأويلات وصوراً مرتجلة، أي أنه يشارك في ارتجال تأويل مناسب للنص الذي يقرأه، في حين يقف الكاتب بعيداً مستمتعاً باللعب متظاهراً بالبراءة التامة، لأن ظاهر النص، إذا اكتفى القارئ به، لن يجعله يشك في غموض ما، أو شيطنة مختفية وراءه. بل ربما يمدح بساطة الكاتب و«التزامه» بكلاسيكية تناسب خلفاً مطيعاً لأسلاف في حجم محفوظ وتشيكوف.

التأويلات المرتجلة التي يخرج بها القراء المتشككون في الظاهر والباحثون عما وراءه، تشبه هي الأخرى «نصوص النار» تتبدد ما أن تظهر تاركة أصحابها في سديم اللايقين، كأن «المسألة كلها أوهام في أوهام». فالبدين حين لا يتذكره «صديقه» النحيل في قصة «شبح أنطون تشيكوف»، يغمز له بأنه ليس عليه بالضرورة أن يتذكره فعلياً، وليس بالضرورة أن يكونا صديقين من الأساس، يمكنهما فقط إدّعاء ذلك وتلفيقه، أي عليهما الاستسلام لغواية اللعب والتظاهر والإيهام.

هذا التواطؤ الذي يتوقعه البدين من النحيل، هو نفسه التواطؤ الذي ينتظره عبد النبي من قرائه، وهو تواطؤ ضروري لفك الشيفرات المبثوثة بعناية بين ثنايا النصوص. لذا من الطبيعي أن يتساءل النحيل قرب نهاية القصة، إذ يجد نفسه مهجوراً في عراء الشك والأسئلة: «ماذا لو كان البدين يسخر منه، ويتلاعب به؟ هل وقع هو أيضاً ضحية بهلوان أفاق؟ كيف انطلت عليه كذبة حقيرة وتافهة كتلك؟».

وهي أسئلة مشروعة إذا طرحها القارئ، حين يكتشف مع السطور الأخيرة لقصة «شبح أنطون تشيكوف» أنه وقع، على امتداد قصص المجموعة، ضحية سارد أفاق ومضلل متخفٍ في ثياب آخر بسيط ومباشر يحكي بألفة خادعة تقترب من الحكي الشفاهي.

أهم «خدع» المجموعة، الصادرة عن دار فكرة، هو هذا الاستدعاء المراوغ لتشيكوف، فباستثناء تسمية البطلين بالبدين والنحيل، والإشارة في الهامش إلى أن القصة معارضة قصصية لقصة الكاتب الروسي، سيكون من الصعب على القارئ أن يجد ما يربط بين القصتين، في قصته يحكي تشيكوف عن صديقين حقيقيين (موثوق في صداقتهما) يتقابلان بعد سنوات من الفراق بالصدفة في محطة سكة حديد نيقولاي، صديقين يتذكر أحدهما الآخر تماماً وبلا مشقة، ويتعاملان بألفة إلى أن يكتشف النحيف أن صديقه البدين قد أصبح مستشاراً سرياً رفيع المستوى في حين ما يزال هو محكم هيئة، فترتفع الحواجز تلقائياً بين الصديقين، ويبالغ النحيف في معاملة صديقه بتكلف واحترام تضيع معهما الألفة والحميمية.

أما محمد عبد النبي، إذ يعارض قصة المعلم الروسي، نراه ينقل بطليه، المختلفين عن بطليّ تشيكوف، إلى غرفة انتظار بإحدى العيادات، بادئاً من الشك منذ الكلمة الأولى: «أغلب الظن أنهما التقيا في غرفة الانتظار بإحدى العيادات». الراوي هنا غير متيقن من شيء، والبطل النحيل، إذ يذكره البدين بصداقة قديمة وتاريخ مفترض بينهما، يبدو غارقاً في النسيان، لا يتذكر أي شيء عن هذا «الصديق» المتلاعب به، وسرعان ما يخرج من النسيان إلى الشك حين يمرر له البدين في حوارهما المشترك إشارات خفية تحيل إلى أن المسألة قد تكون ملفقة، ولا تعدو كونها لعبة يلعبانها معاً.

على عكس العالم الواضح المعالم والبالغ اليقينية في قصة تشيكوف، نجد العالم بأكمله مشكوكاً فيه ومفبركاً في قصة عبد النبي، الصداقة قد تكون ملفقة، والمسألة كلها «وهم في وهم»، بل إن القصة بأكملها قد تكون مجرد خدعة، وإلا كيف يبدأها الراوي بجملة «أغلب الظن أنهما التقيا في غرفة الانتظار بإحدى العيادات» ثم يبني ما يلي ذلك من أحداث على هذا الافتراض المشكوك فيه؟!

في مواجهة أشباح الماضي

البدين، هنا، يظهر كأحد أشباح الماضي، وأشباح الماضي كما ذكرنا من بين الأفكار المركزية للقصص، هي أشباح مهدِدة مخيفة طوال الوقت. «صارت أشباح الماضي تترصد حتى الفنانين، أتقى عشاق للحياة والمباهج». الفنانة التشكيلية أرملة الشاعر في قصة «يونيو» تعيش في ظل شبحه الذي وضع حدوداً واضحة بينها وبين أصدقائه، حدوداً لم تكن موجودة أثناء حياته. وحنان في قصة «يوليو» تعيش علاقة جدلية مع شبح أمها المتوفاة، في لحظة زوال الحب بينها وبين زوجها أحمد. هي التي عاشت خائفة من أن تصير كأمها، ترهل جسدها واخشوشن صوتها وصارت أخرى أقرب لصورة الأم. «أنا الآن أمي، وما العيب في ذلك؟».

وفي قصة «أغسطس» يحضر ضيف ثقيل من طفولة الراوي لزيارته، فيفتح باباً لكل أشباح الماضي التي يحاول طردها دونما جدوى.

المجموعة إذاً، في وجه من وجوهها، محاولة لصرف أشباح الماضي والتحرر منها، وهي إذ تسعى لذلك، فإنها تقوم وعلى نحو مفارق باستدعاء أشباح أسلاف الكتابة، ممثليّن في تشيكوف ومحفوظ، للعب معهم و(خيانتهم؟). وإذا كان تشيكوف يحضر بشكل واضح ومباشر بداية من العنوان، فإن محفوظ يظهر بشكل مراوغ بين السطور، يمكن تلمس حضوره مثلاً في لغة السرد في بعض المواضع، حيث نجد جملاً كأنها خارجة من عمل لمحفوظ «كل آت قريب، عهدي بك أقوى من ذلك»، كما يحيل الكاتب إليه في معرض وصفه للرسامة «ما زالت لها السمرة الحارة، السمرة المذهبة. سمرة المغيب الرائقة التي يحب نجيب محفوظ أن يشير إليها كثيراً في رواياته، معه الحق، ما أندر السمرة الرائقة يا عم محفوظ». غيرأن التقاطع الأوضح مع صاحب «الحرافيش» يظهر في قصة «ديسمبر» حيث يخطف «الفتوة» الصحافية الثورية مصطحباً إياها في عربة تجرها الخيول إلى الحسينية، في رحلة عبر المدينة وعبر الزمن في الوقت عينه، إذ تجد الصحافية نفسها في النهاية ترقص مرتدية بذلة رقص قديمة الطراز وفوق رأسها شمعدان مذهب، وحولها حلقة من رجال بالأبيض والأسود، «شواربهم مبرومة ومعاطفهم داكنة واقفين وفي يد كل منهم عود خيزران».

وما أن يطمئن القارئ لإمساكه بخيط هذا اللعب مع عوالم محفوظ، حتى يعود المؤلف لهوايته الأثيرة «ومجونه» الفني، إذ في هذه اللحظة بالذات، يتمرد على دقة محفوظ وانضباطه الأسلوبيين، ويغرق – مستسلماً لغواية اللعب – في تكرار مفردات جمع المؤنث السالم على امتداد صفحتين كاملتين: «كلا، لا أرغب في التحول إلى واحدة منهن، مع كل احترامي للعاهرات الداعرات الساقطات الفاجرات الفاسقات المشتهيات الرخيصات…………….».

فاللغة هنا، في نهاية الأمر «ذات نيات ومقاصد تختلف عن نيات ومقاصد محفوظ، فأنا لا أعرف أين أذهب باللغة في أحيان كثيرة، ومن أسعد لحظات حياتي حين ظللت أتداعى بمفردات جمع المؤنث السالم (قصة ديسمبر) وكأنني كمبيوتر أصابه العطب، أو كأن جهازي اللغوي لم يعد وظيفياً أو أدائياً براجماتياً، بل جمالياً ولعوباً، ولنقلها صراحة: متهتكاً ومستهتراً». يقول عبد النبي.

الأنوثة والذكورة وما بينهما من أطياف

إلى جانب العلاقة الجدلية مع الماضي وأشباحه والأسلاف وأثرهم، ثمة خيط آخر لا تخطئه العين يربط بين نصوص المجموعة، ويسيطر على لا وعي السرد، إن جاز لنا استخدام هذا التعبير، وأقصد به الانحياز للمناطق البينية بين الأنوثة والذكورة، واللعب على الأطياف والظلال بين هذين القطبين. «الأنوثة» هنا، هي في الأغلب أنوثة افتراضية، مشكوك فيها. و«الذكورة» هي ذكورة خائفة مهدَدة تخشى الاغتصاب كما في قصة «يناير»: «هل كنت حقاً تخاف أن نغتصبك ذات ليلة أم تتمنى هذا ولا تدري كيف تصرح لنفسك به؟». وحتى حين يظهر النموذج الذكوري التقليدي والخشن ممثلاً في الفتوة / المعلم (قصة ديسمبر) فإنه يتلاشى فجأة أو ينتهي به الأمر وجرمه الهائل «مكوم على السجادة بلا حراك».

الانحياز للمناطق الملتبسة بين الذكورة والأنوثة يتضح أكثر ما يتضح في قصص: «مارس»، «سبتمبر»، و«أكتوبر».

في الأولى نجد أنفسنا أمام شاب ناعم الملامح الذي «لو رآه كفافيس لانعقد لسانه ولما كتب سطراً واحداً يشي بطلعته البهية»، والذي فشل «في العمل كما يعمل الرجال، وفي الحب كما يحب الرجال». هذا الشاب الناعم هو ضحية أم أجمل من اللازم وأكثر قسوة من اللازم أيضاً، يجلس مأزوماً في البار محاولاً التخلص من «شبحها»، (ها قد عدنا لأشباح الماضي مرة أخرى).

وفي قصة «أكتوبر» نقابل أزميرالدا الرفيقة المؤقتة في مؤتمر ما. وهي كائن بيني بامتياز. كانت ببساطة شيئا آخر. «لا بنتاً تربك الرجال ولا شاباً يغوي البنات. كانت امرأة ما (……) امرأة قد تتجنبها البنات، عندما يشعرن بالحفاوة الزائدة التي تخصهن بها، وتصدم هي الرجال، برفضها محاولات التقرب في استهانة. أدرك الآن، أننا معاً، كنا شيئاً آخر».

أما قصة «سبتمبر» فإنها تمثيل للهُجنة في أعلى مستوياتها، فتقنياً، يقع النص على تخوم الأنواع الأدبية، إذ يمكن النظر إليه باعتباره نصاً مسرحياً (النص بأكمله عبارة عن حوار بين شخصين)، كما يمكن اعتباره نصاً قصصياً، أو حتى تمثيلية إذاعية. ومضمونياً نجد تبادل الأدوار بين «الأنوثة» و«الذكورة» في أوضح صوره، تبدأ القصة بصحافي يجلس مع رجل آخر انتظاراً لـ رجل/ سيدة (على الأغلب ترانس) رغبةً في إجراء حوار صحافي معه/ معها. يطلب منه الرجل أن يخاطبها حينما تأتي بصيغة المؤنث ويبدأ في سرد سيرتها، ثم يعرض على الصحافي المساعدة طالباً منه أن يخاطبه على أنه هي، كي يدربه على الحديث معها. وفجأة تنقلب اللعبة إلى «حقيقة»، إذ يتقمص الرجل شخصية «الأنثى» بالفعل، ويثور على الصحافي حين يخاطبه كرجل، ووسط ضباب المشهد الدائر أمامنا، نجد أنفسنا في حيرة الصحافي نفسها، لا نعرف هل «الرجل» أمامه هو «الترانس» بالفعل، أم أنه يسخر منه ويتلاعب به، كما تلاعب البدين بالنحيل في قصة «شبح أنطون تشيكوف»؟

وبهذا يوجه محمد عبد النبي ضربته الموفقة ضد أسطورة النقاء، وضد المعنى الوحيد، الواضح، والمحدد بألف لام التعريف. كل قصة تقدم اقتراحاً ما، هو في النهاية مجرد اقتراح يقع في المناطق البينية والملتبسة، وكل قارئ يمكنه أن يخرج بتأويل ما، هو في النهاية مجرد تأويل ضمن تأويلات متعددة.

 

عن ملحق السفير الثقافي  

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق