شبه هوية… أو العثمنة المفتقدة من شرقنا الأوسط

فرهاد كردي سوري هاجر إلى الغرب منذ ما يقارب الأربعة عقود، ويريد الآن العودة إلى بلده. لا يعاني أولاد فرهاد في هذه العودة إلا من مشكلة واحدة: فأمهم من تركيا ووالدهم كردي سوري، وهم عاشوا كل حياتهم في السويد. لذا، هم يتقنون الكردية، لغة أبيهم، وتعلموا التركية من أمهم، وكذلك تعلموا الإنكليزية والسويدية من المدرسة. لكن حين العودة إلى سورية لا بد أن يتعلموا اللغة العربية.. وبذلك يغدون متكلمين بخمس لغات وبعضهم لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره بعد.

فرهاد المصر على العودة إلى بيئته الأولى لا يفسر مشكلة أولاده هذه كمشكلةلغوية فقط، بل يرى لها أبعادا في مستوى الثقافة السياسية في هذه المنطقة. فهو يقول مثلا: يستغرب المرء حين لا يرى أغنية تركية واحدة في كل الفضائيات العربية، رغم كل التاريخ الثقافي والسياسي المشترك بين الشعبين، ولا ترى برنامجاثقافيا إيرانيا واحدا على التلفزيون السوري، رغم كل الترابط السياسي الذي يجمع نظامي البلدين. ويضيف فرهاد: طبعا ما يثير البال أكثر من ذلك هو أن الفضائية السورية التي نستطيع استقبال موجاتها حيث نحن في السويد منذ سنوات لم تجذب أولادنا في أي شيء، وكأنها ليست فضائية بلدنا الذي نحن منه. والشيء الأخير الذي يقوله فرهاد: استغرابي الرئيس هو، لمَ لا يستطيع أولادي الذينيتقنون الكردية العيش بطريقة سليمة في سورية، رغم أن الكرد يشكلون عشرة بالمئةمن سكان البلاد، فلا شيء إداريا وثقافيا وأعلاميا وسياسي في هذا البلد بهذه اللغة.

في الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا مئات القصص الشبيهة بتلك المعضلاتوالحكايات الثقافية الإثنية واللغوية والمذهبية التي تختلط بالسياسية وتشوشبها. وهي بالتأكيد شبيهة بغيرها من مناطق الشرق الأوسط، ولو بدرجة أقل توترا.

لو عاينا شعوب المنطقة كمجموعات ثقافية في جغرافيا المنطقة في النصف الأخير من القرن المنصرم، لرأيناها شديدة التأثر بمنعكسين بالغي الخطورة على ما سنسميه (الهوية شبهالمشتركة لأناس عاشوا تاريخا مشتركا لقرون). المنعكس الأول: رغبة ثلاث أيدلوجيات سياسية رئيسية (هي القومية العربية بتمظهرها السياسي وبالذات البعثي منه، والقومية التركية الكمالية، والقوميةالفارسية التي تحولت إلى الإيديولوجية السياسية للمذهب الشيعي بعد الثورة الإسلامية) بالتحول من الشكل السياسي الإيديولوجي إلى شكل ثقافي واجتماعي، لاغية للاختلافات والتباينات البديهية بين هذه الجماعات الثقافية المنضوية فيالإطارات السياسيةلكل من تلك الدول.

لقد تكونت الدول المعنية، وبدرجات متفاوتة، نتيجة المعادلات الدولية وليس نتيجة تفاعلات داخلية في المنطقة، ونتيجة لذلك كانت كتلتها الرئيسة في أغلب الأحيان قريبة من حجم باقي الكتل، وليست حتىبالكتلة الرئيسة في الحجم. فانعكس ذلك ردة فعل من قبل باقي الكتل التي ازدادت تمركزا على نفسها ضمن الإطار السياسي الواحد .

المنعكس الثاني، هو أن الإحساس العميق من قبل الأنظمة الحاكمة في تلك الدول بعدم شرعيتها على المستويين الدستوري والإنجازي، دفعها لخلق وتغذية أي تناقض بينها وبين غيرها منأنظمة وشعوب المنطقة، وفي مرحلة لاحقة تحويل ذلك التباين السياسي إلى تناقض ثقافي واجتماعي، يغذي رابطة القطيع بين “القائد” وشعبه، بهدف إنشاء شرعيةمفترضة قائمة على التناقض مع الآخر في المنطقة فحسب. وكانت العلاقة العربيةالفارسية خلال حرب الخليج الأولى خير مثال على ذلك. وهي تعود في إلى التأجج من جديد خلال الأزمة اللبنانية الأخيرة.

قد لا يكون البحث عن الهوية المشتركة بين هذه الشعوب الموجودة في المنطقة هو المطلوب، بل المطلوب هو عدم الإحساس المرضي بالتناقض والتباين بينها كشعوب وجماعات لها مصير مشترك محكوم بالجغرافية ذاتها (إن وضعنا التاريخ جانبا).

وسنأخذ مثالا على انعكاس كل من المؤثرين المذكورين سابقا ودورهما في خلقذلك الإحساس التناقضي:

–مسيحيو كردستان العراق يطالبون منذ الحرب الأخيرة بحكم ذاتي ضمن الإقليمالكردي في منطقة تسمى سهل نينوى. المنطقة تلك لا تتعدى مساحتها مساحة عدةعشرات من القرى في أفضل الأحوال، وسكانها لا يزيدون على الخمسين ألف نسمة، وهم موزعون على عدد من المذاهب والقوميات. وهم يبحثون منذ الحرب الأخيرةعن اسم جامع لهم، ورغم كل ذلك يودون تكوين كيان سياسي خاص بهم . لكنهذا ليس بالمهم مقارنة مع الشعور الأكيد الذي يسكنهم بعدم القدرة على العيش مع المحيط الكردي، الذي بقي لنصف قرن ينادي بحقوق الأقليات، وبعد ذلك تجد منالأقليات من لا يريد العيش معهم .

–الملف النووي الإيراني (السلمي افتراضا) وحالة الهلع التي تصيب الشارعينالتركي و العربي بسببه (حتى عرب موريتانيا)، وهذا الهلع ليس ناجما عما قد ينتجعنه من صراع غربي إيراني ينعكس على المنطقة برمتها. بل هو أحساس مرضي لا يعوزهالحسد من تقدم تكنولوجي للقومية الفارسية (ودون شك من المذهب الشيعي). طبعا لا تزيد التصرفات الهوجاء للنظام الإيراني هذه المنازع المرضية إلا اشتعالا .

كانت الهوية العثمانية ذات أبعاد ثقافية واجتماعية، تمنع التناقض الصراعي بين مكونات المنطقة على أقل تقدير. فمدن يريفان وبيروت والبصرة وأزمير وديار بكر كانت قبل قرن من الآن بألوان ولغات وثقافات شتى، لكنها كانت مع كل ذلك مدنا عثمانية. كما هي العلاقة بين روما وباريس الأوربيتين، أو واشنطن وأوتاوا الأميركيتين الشماليتين اليوم. مدننا التي كانت كذلك، قرأ عنها فرهاد كثيرا في روايات أمين معلوف، وبتلك المخيلة يحارب فرهاد كل يوم منطقا يخيم على المنطقة منذ نصف قرن، منطقا يمكن اختصاره بـ “إما أن أحيا أنا أو تحيا أنت”، ويصر على العودة إلى بلده. وبمثل تلك المخيلة يحاول إقناع أولاده بالعودة أيضا. غير أن المخيلة تبقى في الواقع الراهن مخيلة فحسب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق