شذرات غاضبة

ثلاثة مرافق عامة ينبغي إلغاؤها. التربية والثقافة والأوقاف. الأولى تكثر من عدد العاطلين عن العمل والأميين المتعلمين، والثانية تزوّد الكسالى بأوهام تقتل قوة الكسل، والثالثة تكرس التوحش – السقم الذي لا نرى منه غير التقوى الساذجة. كي لا يقوم العاطلون بخدمة الكسالى المتنعّمين، حالما يتصدّق عليهم بالعمل، ولا يصغي أحد إلى سذاجة التقوى الشرسة، فلا يظهر الوحوش أنيابهم التي لا يملكون سواها.

***


على الشاعر أن يكون مثل الحيتان بلا لسان، عليه أن يسير على دروب الأشباح بلا هوية، ويكثر من المرح بقوّة الأحلام التي لا تحتاج إلى أسماء قدر حاجتها إلى عون عدالة غاضبة حتى اليأس، وكريمة حتى الموت.

***


لا شكّ أن سيفاً من السموم المزهرة الزاهية في قلب الشاعر يدفعه إلى السقوط في الغناء المهين كما تسقط شمس في جيفة ملاك وسيم. إن هذا السيف مؤلف من الموت أكثر من تأليفه بالنور الغارق في وقت الدموع.

***


أطباء ومحامون. تذكير مزدوج ومستمرّ بالموت والحقّ المقابلين اليائسين للحياة والظلم. إذا أضفنا إليهم رجال الدين، فإنّ كارثة الجنس البشري تكتمل، ويمكن لأجل السير في جنازة شعبية مفتوحة وعارمة، تحت ظلال الواجب والغباء والعافية الداهنات، تقديم الشكر والعزاء الجماهيريين للأصناف الثلاثة على براعة أفعالهم الوبائية.

***

القوة التي تدفعنا إلى الضحك هي التي تقينا الدمار. فالجدية تتخشب والالتزام، كالأصل، بداية التيه الوضيع.

***


ثمة مصافحات تشبه تموّجات عناق لطيف. ثمّة ابتسامة لا تختلف عن ثقل ورداءة أقنعة سرعان ما تتهرّأ فتختار بديلاً لا يلبث أن يشيخ. العناقات التي لا تدوم أكثر من وقتها الضئيل العابر هي ذاتها الابتسامات الكاذبة المرافقة مصافحات مقنعة.

***


تبقى الشمس وتبقى المياه. انعكاس في وجه النبع الذي لا نجرؤ المكوث طويلا قربه. للحيوانات هي ذكريات الملوك الموتى، الهبات الحقيقية، لأن من يعطي لا ينتظر رداً، ومن يتلقى لا يهمه معرفة صاحب العطاء.

***


ليس الجمال بالأمر الهين كل حين. ما ينثره الزمن المدوخ باعتباط أليف، يعيده الجمال، ليحفظه ويمنحه، ببطء منهك.

***


حتى الهواء يدمع إذا بلغ البرد عظام المنازل وقلب أحجار الرصيف.

***


بتحويل الكذب إلى غناء والتسطح إلى فن، تتحول الروح إلى جثة واقعية متسلطة، ويحل العقاب كجريمة ضد العناء.

***


لم تعد المرأة مغرية. كلما تعرت أكثر كلما بان سطح مغلق وجليد لحم عكر وحزين. وبمجاراتها سلطة الرجل في لهاث أحمق يخسر الرجل جمال المسافة الفارغة بينه وبينها، وتفقد المرأة لغزاً ينبغي عدم الإفصاح عنه، لغز لولاه لما كانت هي نفسها الأخرى.

***


ظاهر ارتباط الحيوانات ببعضها اعتباطيّ طارئ ومحمول على قوة النشاط. إنها لا تفكر قدر ما تفعل وتعمل. فيما نظن أنّ علاقات البشر فيما بينهم تميل إلى التنظيم والتعقيد أكثر فأكثر. ينتج عن صدف الحيوانات الرائعة جمال مستمر، لا حاجة به إلى أي بعد معقول. إن نظامها الغريزي ثابت النجاح رغم عدم تغيره. يثبت البشر عبر جنوحهم المستمر إلى التغيير والتهذيب المنظم، أكثر من مرة، أنهم باستغلالهم المنظم لبعضهم يزدادون توحشاً وعزلة واغتراباً.

***


للإحساس النظيف البطيء الهادئ بروعة الكسل، ولرفع الكسل إلى المرتبة التي يستحق من جمال ومتعة، ينبغي ألا يهدأ الإنسان عن العمل والانتباه، حتى يخال إليه أن عمله نفسه، وانتباهاً متواصلاً، ليس سوى ثمرة من ثمار كسله الأقوى من كل عمل.

***


كل تغيير يحمل مرارة مزدوجة بفعل تقابل الذاكرة مع الخيانة والنفاد مع الاستمرار والوفاء مع الثبات. عندما تفرح لأنك ملكت نضجاً شخصياً، إزاء تبدل أحوال سريع، لا يعود للتغيير أي تأثير، وتتحول المرارة المتصلة إلى رجم حال منقضية، إلى سخرية تهب كريح في وجه رجاء متفحم.

***


يبدو نهمُ الربّ فظيعاً إذا قورن بنهم البشر الذي يقلّدون ربّاً أكثر مكراً من مجادلاتهم الخداعة. لا يرضى الربّ سوى عن مؤمنين تقاة، وهم بدورهم يفسرون الإيمان عبر نعم قدسية غارقة، كي يكتمل التقليد الممسوخ أكثر فأكثر.

***


ثقة الأوفياء بالصداقة خرافية. لا تحتاج الخرافة إلى برهان. حالما نبرر أو نبرهن على ما نحن عليه، يزحف علينا وجه الشكوك المرعب حيث يمكن لأتفه تصرف أن يظهر سخفنا ووضاعتنا عبر إشارات صريحة هي الشكل اليومي من حلول الكوابيس بين نظراتنا.

***


الحب المثلي حبٌّ عاقل. إنه يثق بإغواء عدمي أكثر من ثقته بوجود ذهبي بارد. كون الحب ذاك لا يثمر أي تناسل ولا تحويل قوة إلى أخرى أضعف، أي لا يترك خلفه غرقاً إضافياً، فإن شغفه بنفسه يتحول إلى عقاب عنفي مشتهى.

***

تصاريف حياتنا ليست أحداثها، ولا كلامنا عن أحداثها. تصورنا عنها أو شكوكنا إزاءها، خوفنا من أننا صنيعو الأحداث، هي ما يلطخ أفكارنا ولا ينجيها من وقوعها الحبيس في ترهل واضح.

***

الأديان والقوميات، ولا ينبغي قط إغفال أضدادها الشبيهة بها، هي ما تفوت فرصة البشر عن تمتعهم ورعبهم إزاء عري لا يستحقون غيره، ملكيتهم الوحيدة الممكنة والجديرة.

***


كثرة مواقع الانترنيت تعطي القيمة الصورية نفسها للنفاية كما للخمور المعتقة، وبتفسخ الصور الحديثة تتفسخ العين التي لا تقرأ الكلمات سوى كونها وحدات صورية مترافقة يلغي تشابُهها انفصالَها. الحياة البدائية تستعيد وجهها الذي لم يكن يوماً.

***


مع الفقر يكثر تعاطي الخمور والتدخين والمخدرات؛ فيقدم البؤس أفضل فرصة ليزيد الأغنياء ثروتهم التي لا يقوم بحمايتها وتبديدها واستمرار فضلاتها سوى ضعف الفقراء أنفسهم.

***


لمنظر ورقة نبات تسقط، أو لبريق طفل رضيع، بهاء لا محدود. تخبرنا الورقة بلطف عن نضوجها الكريم وأن سقوطها اليسير تم في أوانه، فيما يعجز الرضيع عن تحويل نظرة عينيه اللامعتين إلى كلمات، فنزداد ولعاً وفضولاً لمعرفة وسماع الكلمات التي لم يقلها. إنه منظر مرئي صامت لموسيقى واحدة مستمرة تلف وجودنا كله.

***

يخرج الأمل قوياً من لحم الجهل الفاضح مثلما يبزغ القمل السريع لامعاً من الإهمال. في وسط كهذا يكون الموت المنقذ الوحيد؛ ليس لأنه يضع حداً للحياة، إنما لقدرته الدائمة على سحق الجميع.

***


عظيمة هي قدرة الغيوم على التحول، لكن الأعظم منها استسلامها وهشاشتها اللتان تتحولان إلى هطول وحشي للبصاق السماوي العزيز.

***


يستحق الواقع الاحتقار لا الكشف؛ فمنذ أن تم تسطيحه وتعريته وسحقه لم يعد محلاً للندم ولا الحنين. إن أي مضي – الآن – في دروب المجاري الموحلة لهو شكل ساذج من أشكال تداول الزيف الاجتماعي المتبادل. ثمة من يؤخر الاختناق العام بأخلاقية الصبر النهمة المتسلطة، ويجمل الرداءة بحميمية الحياة اليومية، ويداهن الفقر بالزهد العنيد المترفع. الزهد والصبر يقابلان العار والجريمة، وتبسيط الحياة اليومية بحيلة الحميم الرائجة دفاعٌ مخزٍ عن الرخاوة المتبلدة . ذا منفذ يسير لمساواة الحقيقة بالعجز، ثم ماذا تكون الحقيقة غير موت حامليها وإماتة مستمعيها في إيقاع بلاهة مطربة.

***

يؤسَّس وعي جيل كامل على " البديهة "، و" التنوع" و" التسامح". إنها مرادفات النسيان المجرم والتعميم الشمولي الشنيع. ثمة بلد يوصف بأنه " مهد الحضارات". تفضي البديهة التي هي غموض شائع مقبول إلى الثقة المسترخية التي تبنى على فراغ العقل من أي سؤال، ويقود التنوع إلى احتمال ظهور أي طفح طالما كان التنوع قناع ومرض الجلد المجتمعي، أما التسامح فإنه سيف الكذب المحبوب. على هذا فإن مهد الحضارات يمكن أن يكون قبرها. إنه أحد الاحتمالات المسكوت عنها التي يقدمها التنوع إلى البديهة التي لم تجد من التسامح غير الخوف والكراهية.

***

ما لم يكن خلف القصيدة جوع عقلي مرير وشره ساطع في كسر الألم ليزداد إيلاماً، فإن لسانها لا يمنح غير منظر النائم: كتلة لحمية تتحطم وهي أقرب إلى الموت منها إلى وجْدٍ سحيق بالكلام.

***

تظهر أنماط كسولة ومعدية من العمل المقيد الجديد، وهي مظاهر لفكرٍ ملموسة، غير أن الأنماط هذه ليست ماهيات مستمرة ومولدة ولم تأت من اختيار حر، فكلما رددنا النمط إلى الماهية الجامدة قلبنا المؤقت القاحل إلى ثابت محصن ضد أي شك وأي تبدل.

***


الوطن ذريعة ميتة لعقل مقموع. يحتاج الفاقد لأرض خطواته وهماً يشبع خوفه من الضياع؛ وأي ملاذ أفضل وأرحب، أي أكثر تجرداً وتعالياً، لعلاج هكذا سخف سارٍ من تحويل الأرض الصغيرة المداسة إلى وطن لا يُنال أبداً، لا يتكلم إلى أحد سوى قبر من المجردات.

***


لا شيء يفسد الحاضر مثل الماضي، ولا شيء ينزع عنه كيانه الماثل مثل المستقبل.  ما مضى، مثل الزمن القادم، يخرب الطموح الحالي، ويشوش العقل، أي يخصيه عن أي فعل.

***


اكتملت الطموحات العجيبة بإتلافها الشهم المعافى. الآن صار النسيان الصلب الواسع الأمرَ الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه في وجه الطموح المخملي المهلهل.

***


لا تتكلم عن اليأس أرجوك. الهراء وحده يناسب كلماتنا عن يأس لم نعشه قدر ما عرضناه على كل شيء وألبسناه كل رداء. التخلص من اليأس شكل من أشكال خسارة طاقته التي لا تجعلنا نيأس من شيء عدا أفكارنا النابحة.

***


 ليست عاداتنا هي التي تعيقنا عن العمل الذي نحب، بل فقدان أعمالنا لأي اعتياد ممتع. الاستمرار في العمل المحبوب عادة لم نألفها. يسوقنا الضجر كما يحرق التسرع نيات عمل طيبة.

***

يعمل الخوف، ومثله الارتياب المؤامراتي، على تقسيم المجتمع إلى مجموعات منفصلة. منفصلة ومتشابهة في انكماشها على نفسها، والتعامل الشكاك خارج حدودها الثقافية الاجتماعية الضيقة. يغدو الضيق والانغلاق محبوباً وممثلاً لهكذا فئات متكلسة. إنها لا تتلاقى إلا على الحد المحفوظ، على الصمت الذي يقحل الرفقة الممكنة والصداقة الراغبة. يتعفن الود وتثقل اللطافة إلى ابتسامات مجمدة. تتبادل الريبة كما تتم المقايضة على عجل. كل كلمة قبل أن تخرج يعترضها حساب الشك والخوف. القسوة هي ما يبقى والجفاء هو ما يسود. عبور يجعل الولادات الممكنة استحالتها الحاصرة.

***

لكثير من الأيام تخيلتُ نفسي بلا معين. ذا سبب مقلوب عن طفولة لم أنل شيئاً من عذابها سوى طيش ومدامع حب متفجرة، كما لو كان الحب رهين دواخل كرات من الرمان. الآن أفكر بأولئك الذين أجبرهم الفقر وسوء المعاملة على الاستيقاظ كل صباح والتوجه إلى أماكن لا يحبونها حيث ينبغي عليهم التعامل مع قساة قلب خانعين، لأنهم لم يجدوا أحداً يدافع عن حقهم في حياة دون قسوة ودون فقر، ولا حتى هم أنفسهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This