شرائط الصّيرورة التاريخيّة

 ندرك جيّدا أن العقلانيّة في أوروبا ليست مفهوما أو مصطلحا فلسفيّا مجرّدا من سياقاته التاريخيّة بقدر ما هي تجربة إنسانيّة لها صيرورتها التاريخيّة وسياقاتها الفكريّة وتحوّلاتها المعرفيّة وأدواتها الرّمزية، أفرزت نظاما سياسيا علمانيّا ومنهجا اجتماعيّا ليبراليا واقتصادا رأسماليّا، تخضع تلك المناهج الإنسانية للتجربة العلميّة والملاحقة العقلانيّة المعرفيّة من مرحلة تأريخيّة إلى أخرى. كلّ ذلك لم يكن إلّا أثرا من أثار تشظّي الظّاهرة المسيحيّة، فخرجت حركة الإصلاح الديني (البروتستانتية) من رحم المرجعيات الكاثوليكية، كما خرجت بعد ذلك مقولات الفلسفة الإنسانوية (Humanisme) من رحم الحقيقة الدينية والنظريات اللاهوتية الكبرى، تلك المقولات التي أسّست ما نسميه بعصر النهضة الأوروبية، ومن ثم عصر الأنوار الذي فرض قطيعة مع السّماء في إدارة شؤون الدولة وتنظيم العلاقات الإنسانية. 
 لم يكن العقل الاجتماعي الغربي رافضا للدّين أو راغبا في إحداث قطيعة مع الله، بقدر ما أزعجته تأويلات الظّاهرة الدينيّة وتعسّف الكنيسة الكاثوليكية واحتكارها لصكوك الغفران، بل احتكارها للحقيقة التأريخية، هناك في الغرب خرجت تجربة إنسانيّة منسجمة مع صيرورتها التاريخيّة وسياقاتها المعرفيّة وأدبيّاتها الإنسانية، حيث تجلّت فيها شرائط الانفجار السياسي والاجتماعي والدّيني بصورة كبيرة.
 نحن العرب لم نمارس منذ القرن الثامن عشر (قرن اليقظة العربية) سوى اسقاطات فكريّة في الأدوات والصّياغة والمنهج والتّاريخ، وهي بالرّغم من أهميّتها ومن حاجتنا الماسّة إليها اليوم لكنّها لا تقوى على معالجة كافّة الاشكاليات التي نرزح تحت وطأتها، إشكاليات في الفكر والدّين والسّياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من دوائر صنع معادلة الإنسان المتحضّر والدّولة المدنيّة. لا بدّ للمجتمعات العربيّة من صيرورة تاريخيّة ذاتيّة أشبه بتلك الصّيرورة التاريخيّة التي مرّ بها العقل الأوروبي، قادرة على إنتاج تجربة إنسانية لها عمقها الثقافي والتاريخي والإنساني، ينفعل فيها الدّين بالأرض والسّماء بالإنسان، تمتزج بخلط الأوراق المقدّسة وصناعة الدّم المقدس وظهور استثناءات التّأريخ لكي تتحوّل الذات العربيّة من ذات منهكة الى ذات فاعلة في مسار الكائنات البشريّة. 
 لا توجد شروط للنّهضة كما يتصوّرها مالك بن نبي في كتابه الشّهير المسمّى بـ شروط النّهضة، بل ملحمة تاريخيّة توصلنا الى حتميّة انفجار الذّات، ومن ثمّ ولادة نهوض حضاري، سياق تاريخي مضطرب ينتهي بصناعة كائنات مستقرة ومجتمع مؤسساتي بمفهومه وأدواته ومساراته الخاصّة، به انفعالات واعية وغير واعية في كثير من لحظاتها التّاريخية تحدث نتيجة انفعال مسارات معقدة في المجتمعات والشّعوب نعبر عنها بمصطلح ” الصّيرورة التاريخيّة” التي تنفعل فيها الذّوات الفاعلة اجتماعيا وسياسيا ودينيّا بثقافتها وتراثها وتاريخها وواقعها، تختلف فيها التوجهات، بل تتضاد وتتصارع فيها قوى متعدّدة لتحدث توازنات صناعة الإنسان المتحضّر. 
 لن أكون عنيفا في فهم المخاض التي تمرّ بها صيرورة تاريخيّة ما، وشرائطها الحتميّة من أجل خلق مولود حضاري جديد، أو من أجل صناعة منعطف تأريخي في عجلة دوائر الكائنات البشرية، بيد أن قراءة تأمليّة بسيطة في تأريخ الظّاهرة الإنسانيّة بشكل عام وتأريخ الظاهرة الدّينية بشكل خاص، ندرك من خلالها أن بناء الحضارة أيّا كانت، ما كان ليتمّ إلا وفق هذه المعادلة وذات تلك الشرائط الثلاث، فقد رأينا كيف انفعلت الظاهرة المسيحيّة في الغرب حول ذاتها ليكون لها شهودها الحضاري، وهكذا بالنّسبة إلى الإسلام المبكّر، لم يتشكّل في مصائر العالم آنذاك ولم يتحكم فيه إلا بعد مروره بشرائط الصّيرورة التاريخيّة، خلط في الأوراق المقدّسة وصناعة الدّم المقدس وظهور استثناءات التاريخ، وظلّ أثر تلك الملحمة حاضرا، وتجليّاته ظاهرة في العقل الإسلامي طوال خمسة قرون، ثم بدأ يخفت. 
 لقد سقط العقل العربي منذ وقت مبكر بفعل الانسداد المعرفي الذي وصل إليه، لكنّنا لن نسعى هنا لنمارس تنصيصا للتأريخ وذلك بإسقاط ذواتنا الفكرية فيه، كما أننا لن نحاكم الذات في العوامل التي تسببت في إخفاق العقل العربي وعدم قدرته على مسايرة بقيّة الكائنات البشريّة، فهذا ليس موضوعنا على كل حال، غير أنني أطلب من القارئ العربي أن يعيد النّظر بنفسه في أبرز المحطات التأريخيّة التي مرّ بها العقل الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، بداية من القرن السّابع الهجري قرن الانهزام المعرفي، نهاية عصر الفلسفة، نهاية علوم الكلام، بداية الانسداد الفقهي، ممارسة الدوجماتية في العقل الإسلامي، سقوط السلطة السياسيّة في براثن الفقهاء والمحدثين، وسقوط الفقهاء في لعبة الممارسة السياسية، انتشار الأسطورة والخرافة،… الخ.
 إن ما تمرّ به الأمّة العربيّة اليوم ما هو إلا مرحلة مخاض شرائط الصّيرورة التاريخيّة، وسيمر قطاره بلا توقف، وتحولاته بلا خجل، لينهي دورته كاملة، لا ينبغي إذن أن نُكثر من عقلنة الحدث السّياسي وتعليله تعليلا سطحيّا، ولا حتّى ذلك الاجتماعي والديني الذي يحدث هنا وهناك، متى سيسقط الأسد ؟ ومن سيحكم مصر ؟ وأين سيكون موقع الإسلام السياسي والإسلام الليبرالي من العقل الجمعي ؟ وهل ستعود الدكتاتوريات بعد ثورة الربيع العربي ؟ كلّ ذلك ليس سوى أحداث عابرة سرعان ما تتغيّر وتتبدّل وتتقلّب موازين القوى فيها، وكما ظهرت الجزيرة من قطر، ستظهر محطّات اعلاميّة أخرى من مصر وتونس وليبيا… تسلّط قناعاتها وفكرها على قطر وغيرها، لتكتمل دورة الرّبيع العربي. لكن كل ذلك لا يهم، علينا إذن أن ننظر |إلى الأحداث كظاهرة، ونقرأها كصيرورة، لكي نتمكّن من تخيّل ذلك المولود الحضاري الجديد. 
 كنت أتصوّر وأنا أقرأ نهوض الحضارة الغربيّة وصناعة حضارة الإسلام المبكّر أنّ العنف المقدّس، يمثّل جزءا هامّا من تأريخ الظاهرة الدينية، غير أنني أدركت الأن أنه ليس إلا إحدى مراحل مخاض صناعة الظاهرة الإنسانيّة، فالتحوّلات الديناميكية التي تحدث في الطبيعة عندما تنفعل مع ذاتها تشبه بشكل كبير تلك التحوّلات التأريخيّة التي تشكل الصيرورة التاريخية للكائنات البشرية، بل تشكل مخاضها الفكري، ولن نحتاج في سياقات المحنة السياسية التي نمر بها اليوم إلا اكتمال بقية المراحل الأخرى المتمثّلة في ظهور استثناءات التأريخ وخلط الأوراق المقدّسة حتّى يكتمل مسرح الصّيرورة التاريخيّة. 
 إنّني متفائل جدّا بلذّة الأمل- ونحن في بداية الطّريق- نحو صناعة صيرورة تأريخية خاصة بنا رغم قساوة الألم، فالذّات لا تنهض إلا بصدمة عنيفة تغير مسارها الطبيعي لتشكل لها مسارا آخر، يكون فيه الكفر بالذات الأرضيّة المتحكّمة في مصائر الكائنات البشريّة مقدّمة لكفر أكبر، وعندها فقط نبدأ في دخول المسار الصّحيح لصناعة جدليّة الذّات.
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق