شراكة ضد الاتجار في البشر / هيلاري كلنتون

تركت أوكسانا رانتشف، 20 عاما، منزلها في روسيا عام 2001 طلبا لما كانت تعتقد أنها وظيفة مترجمة بقبرص. وبعد أيام قليلة، عثر عليها قتيلة بعد محاولتها الهرب من متاجرين في البشر حاولوا إجبارها على ممارسة البغاء.

وتعد قصة أوكسانا من قصص الاسترقاق المعاصرة، حيث يعيش حول العالم الملايين من المواطنين تحت نير العبودية، ويعملون في الحقول وداخل المصانع تحت تهديد الإيذاء إن حاولوا الهرب، ويخدمون بالمنازل، ولكنهم يعيشون في الواقع سجناء، ويجبرون على ممارسة البغاء أو التسول في الشوارع. وتحبس النساء والرجال والأطفال من مختلف الأعمار بعيدا عن أوطانهم لا مال ولا وسائل اتصال ولا أية طريقة لطلب المساعدة. ويكتشفون بعد فوات الأوان أنهم وقعوا في مصيدة السخرة والاستغلال الجنسي والعنف الوحشي.

وتقدر الأمم المتحدة أن 12 مليون شخص على الأقل في مختلف أنحاء العالم ضحايا للاتجار في البشر. ومن المؤكد تقريبا أن هذا الرقم قليل جدا، لأن ضحايا الاتجار في البشر يعيشون ويعملون بعيدا عن الأعين. وأكثر من نصف ضحايا السخرة من بين النساء والفتيات اللاتي أُجبرن على العمل الشاق كخادمات داخل المنازل أو على القيام أعمال مرهقة مقابل أجر زهيد أو على ممارسة الرذيلة، كما حدث مع أوكسانا. ويتعرضن لفقدان حريتهن واعتداء جنسي وإيذاء جسدي.

وقد يبدو بالنسبة للبعض أن الاتجار بالبشر مشكلة محصورة داخل مناطق أخرى من العالم. ولكن في الواقع إن هذا الأمر يظهر داخل كل بلاد العالم، ومنها الولايات المتحدة. وأمامنا مسؤولية محاربة ذلك كما يفعل الآخرون. ويوجد للآثار المدمرة للاتجار بالبشر أثر علينا جميعنا، فهو يضعف الاقتصادات الشرعية، ويتسبب في تفكك الأسر، ويزكي أعمال العنف، ويهدد الصحة العامة والأمن، ويمزق النسيج المجتمعي اللازم لتحقيق التقدم. ويقوض الاتجار في البشر من الجهود التي تبذل على المدى الطويل من أجل تعزيز السلام والرخاء في مختلف أنحاء العالم. كما أنه يمثل إهانة لقيمنا والتزامنا إزاء حقوق الإنسان.

وتنظر إدارة أوباما إلى الحرب ضد الاتجار في البشر، داخل الولايات المتحدة وفي الخارج، على أنها أولوية مهمة بأجندة سياساتنا الخارجية. وتمول الولايات المتحدة 140 برنامجا لمكافحة الاتجار في البشر داخل قرابة 70 دولة، أضف إلى ذلك أن هناك 42 فريق عمل محلي للتنسيق بين السلطات المحلية وداخل الولايات مع المنظمات غير الحكومية من أجل مكافحة الاتجار في البشر. ومع ذلك، ما زال هناك الكثير الذي يجب القيام به.

وتتسم المشكلة بإلحاحية في الوقت الحالي، حيث تعاني الاقتصادات المحلية في مختلف أنحاء العالم من أزمة مالية عالمية. ويشعر المواطنون بصورة مضطردة بالحاجة إلى دعم أسرهم، ويجعلهم ذلك أكثر عرضة لحيل المجرمين غلاظ القلوب. وتعني الضغوط الاقتصادية دافعا أكبر للرؤساء المجردين من الضمير والمبادئ للضغط من أجل الحصول على ما يستطيعون من العمال المعرضين للمخاطر، كما تعني أيضا موارد أقل بالنسبة للمنظمات والحكومات التي تسعى للتصدي لهم.

ويوثّق التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية عن الاتجار في البشر، الذي نُشر أخيرا، نطاق هذا التحدي داخل كل دولة. ويُظهر هذا التقرير أيضا الحاجة إلى التعامل مع الأسباب الجذرية التي تقف وراء الاتجار في البشر، ومنها الفقر، والتراخي في تطبيق القانون، واستغلال النساء، والآثار المدمرة لهذه الأسباب على الضحايا وعائلاتهم. ومنذ عام 2000، وضعت أكثر من نصف دول العالم قوانين تحظر الأشكال كافة للاتجار في البشر. وأدت الشراكات بين المنظمات غير الحكومية وهيئات تطبيق القانون، ومنها دور رعاية النساء ومنظمات حقوق المهاجرين، إلى الآلاف مع عمليات المقاضاة، بالإضافة إلى تقديم المساعدات لكثير من الضحايا.

ويظهر تقرير 2009 التقدم الذي حققته كثير من الدول من أجل تكثيف الحرب ضد الاتجار في البشر. وفي قبرص، حيث جرت عملية الاتجار المرتبطة بأوكسانا رانتشف وتم قتلها، اتخذت الحكومة إجراءات جديدة لحماية الضحايا. وهناك مثال آخر في كوستاريكا، التي تعد مركزا للاتجار في البشر للاستخدام الجنسي. ففي العام الحالي، مررت كوستاريكا قانونا لمكافحة الاتجار في البشر، وقامت بتدريب نحو 1000 رجل شرطة وعميل في قطاع الهجرة وعامل في القطاع الصحي للتعامل مع علميات الاتجار في البشر، كما دشنت حملة توعية قومية، وقامت بتحسين الجهود من أجل تحديد ورعاية الضحايا. ويعد هذا التقدم أمرا مشجعا. ويرجع في كثير منه إلى العمل الدؤوب الذي قام به ناشطون محليون مثل ماريليانا موراليس بيريوس، التي أسست مؤسسة «الرحاب» في كوستاريكا عام 1997 وساعدت الآلاف من الناجين من عمليات اتجار في البشر على إعادة بناء حياتهم المعيشية. وساعد الناشطون، على غرار ماريليانا، على استثارة عملية التغيير من القاع إلى القمة، وهو ما دفع الحكومات إلى القيام بإصلاحات مطلوبة من القمة إلى القاع.

ويجب أن نعتمد على مثل هذا الجهد. وعندما بدأت في الترويج ضد الاتجار في البشر في التسعينات، رأيت بنفسي ما حدث للضحايا، ففي تايلاند، قابلت أطفالا في الثانية عشرة تعرضوا للاتجار في البشر وكانوا يموتون بسبب الإصابة بالإيدز. وفي أوروبا الشرقية، بكيت مع نساء كن يتساءلن هل سيتمكن من رؤية أقارب لهن مرة أخرى.

ويتطلب تحدي الاتجار في البشر منهجا شاملا يعتمد على الهجوم على الجناة ورعاية الضحايا. وقد حان الوقت لإضافة بند آخر إلى استراتيجيتنا في هذا الصدد، التي تعتمد على المقاضاة والحماية والوقاية، وهذا البند هو إقامة شراكات.

تستعبد الشبكات الإجرامية الملايين من المواطنين في مختلف أنحاء العالم وتمتد عبر قارات العالم، ويجب أن يكون ردنا بالمثل. وتلتزم الولايات المتحدة ببناء شراكات مع الحكومات والمنظمات في مختلف أنحاء العالم، والوصول إلى طرق جديدة وأكثر فعالية للقضاء على مشكلة الاتجار في البشر. ونريد تقديم الدعم لشركائنا في الجهود التي يبذلونها والوصول إلى وسائل لتحسين الجهود الخاصة بنا.

يشهد الاتجار في البشر ازدهارا في الخفاء، ويتطلب ذلك اهتماما والتزاما ورغبة منا جميعا، ونحن عاقدون العزم على الاعتماد على نجاحنا في الماضي وتحقيق تقدم خلال الأسابيع والأشهر والأعوام المقبلة. ويجب أن نبقي سويا على مصباح داخل كل زاوية في نواحي المعمورة وأن نساعد على بناء عالم لا استرقاق فيه.

*خدمة «واشنطن بوست»

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق