شرف قبيلتكم مخصيٌ في الصّميم

                           كانت الوانُ قوس قزح تحيط بجسدهما العاريين، وكانت البلابل تشدو شدواً شجياً في ذلك النّهار، اقتربتْ إليه على مهلٍ، ناولتْهُ تفاحةً حمراء بهيّة، مشى خطوتين إلى الوراء مبتعداً عنها خوفاً من العقاب الإلهي…

تسللتْ بنظراتها إلى عينيه وغرقت بهما، تحسّست وجنتيه بعفويةٍ فأعجبه ذلك، وتناول التفّاحةَ من بين يديها السّاحرتين وأكلها بفرحٍ وكانت المصيبة ونزل آدم وحواء إلى الأرض عقاباً على ما فعلا!

هذه هي القصّة التي يقصّونها علينا منذ بدء الخليقة، قصّة آدم وحواء والتفّاحة وشجرة المعرفة، وفيها نجد أن اصبع الاتّهام الأوّل بالخطيئة موجّهٌ إلى حوّاء والمبطن بقدسية التصقت على الدّوام بمثل هذه الرّوايات…

ودوماً كنتُ أتساءل وبصوتٍ مرتفع مفترضةً أنّي صدّقتُ هذه الرّواية وفهمتُها، إذا ما كان الله قد عرف منذ البداية أنّ آدم وحوّاء سيأكلان التفّاحة أو من شجرة المعرفة تلك فلماذا لم يوقفهما؟ هل أرادنا جهلاء إلى الأبد مثلاً؟ أم أنّه عرف ذلك وأراد إخراجنا من الجنّة؟

بحسب العهد القديم والتوراة لم يكن العقاب مقتصراً على النزول إلى الأرض وحسب إنّما فَرض آلام الحيض والولادة على حوّاء وفُرض على آدم العمل في الأرض والتّعب ليلا ونهارا، وبحسب الإسلام كانت هذه الرّواية كافيةً لنزولهما إلى الأرض وإذا اقترفت حوّاء الخطيئة فينبغي تنزيل العقاب بها!

 كانت هذه لمحة بسيطة لما مرَّ في خيالي بعد أن تعرضتُ إلى انهيارٍ عصبي شديد جداً حين سمعتُ بالواقعة الآثمة في أوّل الأسبوع بوجود صديقتي القديمة مقتولةً في شقّتها الحيفاويّة بعد أن استدرجها والدها من الجامعة إلى الشقّة ليقوم بفعلته البشعة فقد كثرت الاشاعات والأقاويل حول منى بأنها على علاقة مع شاب في الجامعة وكانت الصدمة الكبرى حين اثبتت التّقارير والفحوصات بعد تشريح جثتها اليوم أنّها مازالت عذراء…

وتساءلتُ بيني وبين نفسي من هو المتهم بهذه الجريمة البشعة؟ الأب؟ الأخ المتعصّب؟ المجتمع؟ التّربية؟ التّمييز منذ الصغر بين الولد والبنت؟ العقل المتخلف؟ الثقافة المنافقة؟ الترّهات الدينيّة التي تمجّد وتبجّل حكم الدّيانة وتقتل الإنسان؟

 جميعاً، الكل مُلام!

يكفيني أن أعود إلى قصة آدم وإغواء حواء لأفهم معضلة هذا الشرق التافه ومشكلة عار مجتمعنا الذي هو أصلاً دون شرف لأجد أنّ كل المجتمعات الأخرى قد اتخذت هذه الرّواية كرواية تاريخيّة دينيّة لا غير، إلّا مجتمعنا فقضيّة الخطيئة وهاجس الغواية لا زالا يشغلان فكر معظم أشباه الرّجال وأشباه البشر لدينا ولولا ذلك لما ظللنا نسمع كلّ يوم عن عنف جديد ضدّ النّساء وعن عمليّة قتل لإنسانةٍ كل ذنبها 

أنّها أنثى لا غير ولمّا ظللت أحاول طرد هاجس الكتابة عن هذه القضيّة من زوايا قلبي الباكية، وأعود لأكتب وأكتب!

فما هي هذه الجريمة؟ ولماذا لازالت معشّشة بيننا؟ ولماذا يظل ملاك الموت مبتسماً في وجه المرأة في مجتمعنا منذ ولادتها حتّى مماتها، من مقولة: “يلا مبروك الله يطعمك الصبيان” و” هم البنات حتى الممات” إلى أن ترحل هذه المرأة إذا تجرّأت ورفضت فإمّا أن تكون مجنونة أو صامتة أو متمرّدة منعزلة أو منافقة كاذبة كي تنال رضا الآخرين والكل يكذب على الكل وهكذا دواليك…

ولماذا يحدق عزرائيل في وجه نسائنا إذا طالبن بحقّهن في الخروج إلى سوق العمل لتحقيق طموحاتهن حتى وإن تطلّب ذلك منهن مجهوداً أو عودة متأخّرة إلى البيت؟ ولماذا نبحث عن وصمة العار في حياتهنّ إن أقمنَ علاقة خارج إطار الزّواج؟ أو بحثن عن المساكنة مع من يُغرمن به قبل أن يفكرن بالارتباط إلى الأبد؟ 

والأدهى من ذلك كله هو إغماض أعيننا عن أمورٍ صغيرة جداً نَرفض الاعتراف بها لكنّها موجودة، ففي بعض القرى والمدن العربيّة يُحظر على المرأة التنقل دون محرم حتّى لو أرادت الذهاب إلى البحر مثلا أو إلى حفلةٍ موسيقيّة خارج البلدة لوحدها؟ وهذا طبعا لا يساوي شيئاً أمام محاولاتهم إحباط الفتيات العربيات بمنعهنّ من زيارة معرض رسم جريء مثلاً أو دراسة الفنون والتمثيل أو ينسفون كل أحلامهن إن أردن التعلم أو العمل خارج البلاد، وإن سمح الأهل لإحداهنّ بالتعلّم خارج البلاد وخانت ثقتهم بحسب ما يدّعون ينبغي إعادتها ملفوفة بكفنها؟

ولا تستغربوا فالدنيا ليست بخير كما تظنون أو على الأقل كما ظننت أنا فحقا ونحن في هذا القرن لازالت ظواهر كهذه موجودة، فلماذا تُمنع المرأة من التعليم أو العمل أو حتّى أن تبدي رأيها بصراحة وتتحدّث عنه؟ ولماذا يقلدون أوسمة البطولة لأشباه الرّجال في مجتمعنا ويمنحون إكليل أزهار القبور لنسائنا؟

والجريمة لها اسمٌ واحد: جريمة وقتل وسرقة حياة مقدسة، ولا يهمني ما السبب، شرفُ عائلة، سمعة عائلة، فأنا أرفض هذه التّسميات لأنّه لا شرف لعائلةٍ تَقتل ابنتها، أمّها، أنثاها عامّة، والقتل جريمة بحكم كل الشرائع ولوائح حقوق الانسان، فتوقفوا عن استخدام عبارة القتل على خلفيّة شرف العائلة.

بهذا نعطي مبرراً للقتل وندين الضحية بدل الجاني!

سألني صديقي البارحة ممتعضاَ: “لماذا تصرّين على الاستمرار بكتابة هذه المواضيع”؟

وضعتُ القلم قريباً إلى قلبي، ضممتُ يدي وشددتُ على يده فوق صدري بقوّة وقلت: “سأظل أكتب حتّى يتوقّف هذان عن العمل: قلمي ونبضي، فأنا لا أرى تغيراً إلا ظاهراً، وألاحظ أنّ نسبة المتعلمين والأكاديميين ترتفع وشباب اليوم يختلف عن شباب البارحة والأمسيات والنّدوات تُعقد كل يوم ” وكل شيء بمبي” لكنّه في الظاهر فقط!

ولو كان عكس ذلك لتوقفنا عن سماع أخبار ضحايا القتل على خلفيّة هذا الجهل، فقبل أيام فقط خسرنا زهرة أخرى على هذا الكوكب”!

وأجل هذه هي مشكلتنا: عدم سماع أو فهم الآخر فالنّساء يحاربن منذ سنين، هذه تكتب وتلك ترسم وتلك تمثل وتلك تصرخ وتلك… لكن لا شيء يتغيّر فأنتم ذكور القبيلة لا تريدون سماعنا، ومجتمعنا يمارس الإرهاب الاجتماعي في حقنا، لتخويف المرأة منذ الصغر، من قصة آدم والتّفاحة إلى منعها من اللعب مع الأولاد ثم منعها من ركوب الدراجة أو الخيل أو قيادة السيّارة، إلى منعها لاكتشاف شريك الحياة والتعرّف عليه جسديّا وفكريّا وجنسيّا أيضاً.

حتى عندما يسمح لها بالتّعليم فأنتم تخيطون لها وظيفة تناسبكم وتبحثون لها أنتم عن رغباتها والأجدر أن تكون معلمة مثلا فهذا يتناسب مع وظيفتها كزوجة وماكنة للتفريخ فقط لا غير، هذا إن سمحتم لها بالتعليم أصلاً!

فيا ويلها إن خرجت عن درب الإوز مع أن الحريّة تُؤخذ بالقوّة ولا تمنح بمزاجكم المغفل السخيف فمن أنتم حتّى تمنحونا حقنا في العمل والحريّة والتنقل والحياة؟

عقدتكم في هذا المجتمع هو المرأة القوية والجنس، فتقتلونها بسبب عقدكم النفسيّة وعقولكم المريضة رغم أنّ الاحصاءات قد أثبتت في السنوات الأخيرة أنّ 90% من النّساء المقتولات ثبتت عذريتهن بعد تشريح جثثهن!

وتقول لي كلّ شيء على ما يرام؟

هل تعلم أنّ هنالك نساء قتلن بسبب مكالمة هاتفيّة؟

هل تعلم أنّ هنالك فتيات قُتلن خوفاً من الفضيحة بعد أن قام أحد أقارب العائلة باغتصابهنّ على مدار سنوات؟

هل تعلم أنّ هنالك عروساً قد قُتلت لأن عريس الغفلة لم يكن فحلاً أو جحشاً بما يكفي ليفض غشاء عهره؟

هل تعلم أنّ المرأة قد تفقد عذريتها لأسباب عدة، بسبب رياضة قاسية مثلا؟ أو بسبب جلسة غير سويّة فوق خيل مثلا؟ أو لمجرد استخدامها أداة حادة أثناء قيامها بالعملية السريّة التي يمارسها الجميع دون استثناء ذكوراً وإناثاً!

هل تعلم أنّ كل الدّيانات قد حرّمت القتل؟

حتّى وإن شاع عن علاقة بين رجل وامرأة ففي الإسلام يفيد العقاب بالبينة والشّهود، والقاتل يقتل، وكم علاقة جنسيّة كاملة قد أثبتت على يد شهود بأم العين مثلا؟

وفي المسيحيّة: ” من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”!

ثم إنّ الإشاعات في حياة البعض قد تسيطر على عقول النّاس المريضة وتجعلهم عبيداً لها، فهل هذا يكفي لقتل إنسان؟ و” الكذبة قد تطوف حول العالم بينما تزال الحقيقة ترتدي ملابسها”!

ثمّ لماذا تنظرون إلى جسد المرأة على أنّه خطيئة؟ كل امرأة حرّة بما تفعل بعقلها وفكرها وجسدها ولا سلطة لمخلوق عليها كائناً من كان!

ولماذا هذه المهزلة بحقّ السّماء “وكيف يوافق الذّكر في مجتمعنا على علاقته بسارقة، أو كاذبة، أو قاتلة، دون تردّد، لكنّه يرفض الزّواج من امرأة عرفت رجلاً قبله”؟ إذن هي غير شريفة؟

الشّرف هو أن تكون إنساناً قبل كلّ شيء، أن تكون راقياً وصادقاً ومحباً للغير مهما اختلفت معه في الرّأي ، الشّرف موقف وكرامة وليس غشاء بكارة، قطعة من لحم موجودة عند بعض الحيوانات الأخرى أيضا!

هذا هو الشّرف وهذا ما أفهمه أنا!

فشرف قبيلتكم مخصيٌ في الصّميم، حين تلقون باليمام إلى النّار وبرك الدّماء…

وشرف قبيلتكم مخصيّ في الصّميم، حين تنزعون وسام شهامتكم من صدر رضعتم منه ماء الحياة ثمّ أحرقتموه…

وشرف قبيلتكم مخصيّ في الصّميم، حين قررتم أن تقبلوا لنساء غيركم ما لا تقبلونه لنسائكم، وحتّى وإن قبلتم فأجسادهن ليست ملككم لترفضوا أو تقبلوا ذلك!

وشرف قبيلتكم مخصيّ في الصميم، حين تركتم مصير أمّة بأكملها معلقاً بعذريّةٍ واهمة ونفسٍ مريضة وأحلام يقظةٍ قد تغطيها ابرة طبيب بلمح البصر، لتخفي معالم ليلة جميلة أو حادثة تافهة أو اغتصاب وحشي أو حتّى مجرّد تجربة عابرة!

فأوقفوا قتل نسائنا الآن وفوراً وتخيّلوا لو كان غشاء البكارة موجود عندكم يا ذكور القبيلة، كم مرّة كنتم ستُقتلون يا ترى؟

العار ثم العار لأمّةٍ تَقتل رمز الجمال والحياة فيها!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق