شعريةُ النّفَّري

يتوقّف القارئ، مرتجفاً كاللهب، بين فضاءين، حالتين هما اكتمال حال واحدة تظلّ في نقصان مفتون، وتوالٍ متداخل شائك إلى ذاتَها، إلى قول (موقف) ليس ذي حال واضحة! كتابة تنطلق من لامكان، ولا زمان، هي كتابة محوٍ خالقة. كأنّ الحرفَ غرَقُ الليل في الصوت وكأنّ الجسدَ المنادى محْضُ شكل! والكلام على هذا المنوال المدوخ لا يصدر إلا من لبّ الحرف عينه، من بحر أصل مكتوم. الحرف باعتباره أيضاً الميل نحو الضدّ، الليَّ والالتواء، الحدَّ، وسلْكَ غير المرغوب خاصة. حرفٌ مثل جهلٍ،جهلٌ كبراءةٍ لا نزال ندافع عنها كمن يدافع عن المستحيل! أنجزها النفري، محمد بن عبد الجبار، في مواقفه الباذخة برنينها المنضغط، ومخاطباته السارحة بانسيابها المتماسك.

شعرية النفرّي، على ما يرى الشاعر عبد الوهاب المؤدب، تتأتّى من مضاعفة شخصيته عبر تغييبها في (هو) الغائب الواقف في غيابه، مرققاً ذاته حدَّ تحويلها ذاتاً بلا ملامحَ، واهباً المتون المتموّجة بالمطلق حدَّها الناقص، متكلّماً دوماً من مسافة ذهنية صارمة. عبر هذه الحوارات المتتالية، شبه المتماثلة على اختلافاتها ، مع المطلق بذرى انفعالية، تتجلّى كتابةُ محْوٍ صامتة، وعنفٍ عاشق. المحو رديفُ الليل؛ انسحاراً يكسو النهارَ عقابَه الحزين. وحده الصامتُ يتألم. طيف المسيح حاضر هاهنا. المسيح أيضاً هبة انمحاءٍ مقتَنى. يتخم النفري مواقفه من غنائها المرّ، وسريّتها العارية المفقِرة. هي عارية فقيرة لأنها من كلمات قليلة، من جمل تظلّ في دوارها اللانهائي. المحو قرين مهيمن. العري كشف بلا إسراف، ومن يكشف يرَ ومن يرَ لا يتكلّم: ( إنما أحدّثكَ لترى فإنْ رأيتَ فلا حديث). النفري لا يتكلم! يكاد يبلغ الحدّ الأقصى من تكثيف اللغة واضغاطها وكسر ألفتها. ألّا تشير ألّا تفسّر ألّا تدري فأنت ترى وحسب، رؤيا هي عجزٌ عن الرؤية .

العجْزُ الذي هو الاسم المدمَّرُ من العشق، والعين المتأسّية على بهائها، واليقين الذي من إفراطه في اليقين يغدو بخارَ وهمٍ. ويحدث أنّ امتلاء النصوص، بسمتها الظاهرية الساكنة، يجعل المشاعر في خضم أحوال متقلبة كما أنّه ينميها مغذّياً لا ارتواءَها! قراءة المواقف والمخاطبات بإيقاع ساهٍ حذرٍ متأنٍّ ينهك الرؤى السليمة كما لو أنّ الخير الجميل كلّه قد دوّن على وتيرة لوعة لا ترتوي؛ على وهج تلألؤات هي ما تفحم عن جلد حياة خاثرة. لا فكاك، أو بقول النفري نفسه: لا وفاق. هو كتابٌ يبقى دون دراية مقنعة دون تبرير كاف. النفري. من النفري ؟ شخص آخر، فريدٌ، شخص آخر مهموم متوحّد، وهارب. النفري بعذابه الروحي المديد؛ كأنه ذائب للتوّ في كلامه، كأنه متخَفٍّ ومنصهِرٌ في كلّ رعشة، لا يزال دافع قوّة غريبة ومطفِئَ لغاتٍ اختصرت في بؤر دائمة الإشعاع . الاختصار ثمّ الاختصار ثمّ الاختصار. والعمل الكلّيّ في ضربات واحدة واكتناهٍ يثقب اللسان من الداخل. ثمّة ما يوحي بشكل خفيّ أنّ لديه تفاعلاً لذيذاً من ذاته التي تسرّبت وتشعّبت وتشبّعت باللغة كطريقة وحيدة للوجود والخطاب والتأثير، انهماكاً في إطعامها فقراً ليس كالفقر، كما هي حال اللغة التي لا تعرف للإشارة مستقرّاً أبداً، وتظلّ تتكلّم كأنما من فمٍ وحيدٍ على شكل نبع. رغم تجريديتها الثاقبة أو بفضلها، يحفّزُ النفري امتناعنا المبهج، حياءً والهاً، إزاء أشياء العالم؛ حتى لنمتلك حقاً ما تخلّينا عنه، ونرى العالم بلا أشياء وبلا صاحب وبلا ثقل .

إن في خلوّ العالم من أحقية أشيائه وجدارتها حرماناً مبهجاً دافئاً، دونما اعتبار ذلكم الحرمان إعداماً لأشياء موجودة. مع النفري لا يتصالحُ النفْيُ مع العدمية، ولا القلقُ مع العطالة، ولا الحزن مع الموت. على العكس، فنفْيُهُ المستمرّ عافيتُهُ المتجددةُ، وقلقه قطعة صافية من الانتظار الأبدي، على قول محوَّرٍ من رولان بارت. إنّه لضربٌ عذبٌ قدر ما هو افتقارٌ مختارٌ، قدر ما هو نُبْلِ تَخَلٍّ صارمٍ مترفّع عمّا لا يجدر طلبه. إنّها لخسارة حيويّة حين تعثر الروحُ على أصالتها فيما هو خافتٌ وناءٍ وفقير. يبدو هذا المنحى، هائم النفاذ، خبطاً في حجج المستحيل المستغلقة، وبنفس الحمية، خَطَّاً لنغمةٍ طيفية مضلّلة. اللطافة نادرة كطلوع إله؛ اللطافة التي هي الندرة والغرابة والرحابة. الرغبة تتأرجح، لا تعرف الصدى ولا الصدأ، بين ماء في القمر وقمر هو غرقٌ في ماء السماء!! الأصل، مثله مثل الاسم، يتخلخل. المعنى المنفعل يتجاوز التسمية المجردة إلى تغيّرات في الذات الناطقة. فهي، أي اللغة، تدلّ في أكثر جذورها عمّا انفعل وتلقّى وتصاوَر وتحاوَر. إنّها حاصل تغيّرات في الشخص قبل الاسم، في الوجه قبل صورة الوجه، أو بقول ميشيل فوكو: ” لا تتجذّر اللغة من جهة الأشياء الواقعة تحت دائرة الحسّ والانفعال، بل من جهة دائرة نشاط الذات ورغبتها “. فاللغة كالعمل “تعبّر عن إرادة جامحة”. ذلك أنّ اللغة تتحرّر وتنساب عبر قدرتها أساساً على إيضاح إرادة الناطقين بها وترجمتها. إنّها طاقة حرية الإنسان .

يتماثل لدى النفري النطق مع التفكير، والتفكير مع العمل والعمل مع المحو والإلغاء، والإلغاء مع العطاء. إنها لعلامات طافية صافية مع سطوة العبارة وسطوعها الصلب؛ حيث كلّ شيء، رغم خفائه، نواة للعمل والطاقة والإرادة والرغبة، بلغةٍ انطوَتْ على ذاتها وازدادت تقشّفاً وتقوّساً وتحسباً، فاكتسبَتْ عمقاً ذاتياً وفرادة بلا نظير. إلغاءٌ مقلق، لا ينصرف إلى نسخ الماضي، كما أنه لا يعد ببناء قادم. إنه محصور ومحدّد ومطعون بزمن مغلق أقرب ما يكون خرقاً لسماكة اللحظة وطفواً في نهر الزمن. الكلمات قلقلت جمود الكلمات، أظهرت خفّة الروح، وخفاءَها، في نحو أفكارها ونحتها وتوسيعها، وأعادت إحياء ذلك الجزء الصامت من كلّ نشيد، ناهلة من الخبيء أنوثته المتوارية على حدٍّ رأى فيه غاستون باشلار الأنثويَّ ثاوياً ومنتظراً في ما هو خبيء. مرّة أخرى، عبْرَ ( فوكو ): ” لا يكون الله فوق المعرفة، بل في مكانٍ ما قبل الجُمَل التي نتفوَّه بها”. لم يعد محجوباً ولا معروفاً، ذلك أنه ينبثق آن يقال، ويدوم آن يمحى؛ صمتاً مثل نحتٍ، نحتاً في الهواء الممتزج بالرغبة، في الأنفاس معابرَ من ظلام إلى ظلام، في الشمس التي هي اللغة بعد أن رضختْ للحبّ واكتسَتْ (إشفاقاً يتبادلُهُ إلهان يتألمّان)؛ عبارة من أعذب وأعمق ما تركه عاشق آخر هو فريدريك نيتشه، نتذكّره هنا مع النفري لفرط ما نسيناهما. “يا عبدُ لا في الرؤية صمتٌ ولا نطقٌ، إنّ الصمتَ على فكرٍ، وإنّ النطقَ على قصدٍ، وليس في رؤيتي فكرٌ فيكون عليه صمتٌ، ولا قصدٌ فيكون عليه نطقٌ”. دائرة مشمولة بالنفي، ونفْيِ النفي، واللوعة منساقة بهما تغرق وتفرح، تحطّم وتنقذ! كلام النفري من كلام الينابيع التي لم يعد أحد يسمعها، كما أشار هايدغر يوماً- مقارباً شعر هلدرلن – بألمٍ هو نجم الخسارة المضيء وكلامُ السماوات المفقودة: ( يا عبْدُ من رآني عرفني، وإلا فلا).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق