شعريّة التخييل قراءة في فهرست الحيوان للمنصف الوهايبي

إذا كان النقّاد لا يجادلون في أنّ الممارسة الشّعريّة عند المنصف الوهايبي موسومة بحرصه الدائم على التّجدّد(1) فإنّ من مظاهر هذا الحرص سعيه إلى تنويع مدارات القول الشعري وتغيير النّزعة المهيمنة من مجموعة شعريّة إلى أخرى، وهو ما يمنح كلّ عمل من أعماله من الخصوصيّة ما يتميّز به عن غيره. فإذا كان استلهام التّراث الصوفي هو ما يميّز مجموعة الشّاعر الأولى ” ألواح ” (2) فإنّ السّمة المهيمنة في ديوان ” مخطوط تمبتكو” (3) اتّخاذ المدن مدارا للقول الشّعري و استنطاق المكان بأبعاده الجغرافيّة و خصائصه الثّقافيّة و التّاريخيّة. أمّا في السّنوات الأخيرة فقد طغت على الممارسة الشّعريّة عند الشاعر القيرواني نزعة أخرى تتمثّل في بناء القصيدة على حكاية(Histoire) تتّصل في الغالب بعالم الحيوان. ونعني بالحكاية المحتوى السردي أي الأحداث الّتي تتعاقب و تشكّل موضوع الخطاب و مادّته الأساسيّة(4)و قد جمع الشّاعر هذا اللّون من الشّعر في كتاب وسمه

بـ” فهرست الحيوان”(5).

إنّ لهذه النزعة الّتي نريد أن نتأمّلها في هذا البحث جذورا في كتابات الشاعر السّابقة ففي ديوانه الثاني” من البحر تأتي الجبال” باب موسوم بـ ” حديث الحيوان” (6) و في ديوان ” ميتافيزيقا وردة الرمل” باب مماثل عنوانه ” حيوانات المنصف الوهايبي” (7)

ويتجسّد كذلك هذا النزوع إلى استدعاء الحكاية في الشعر في بعض قصائد “مخطوط تمبكتو” (8).

إنّ بناء القصيدة على الحكاية يدعو إلى إثارة عدد من التساؤلات تتصل بطبيعة العلاقة المحتمل انعقادها بين الشعريّ و السرديّ و بالجدوى الفنّيّة من استدعاء الحكاية في الشعر ومدى انسجام مثل هذه النصوص السردية مع نصوص أخرى في مدوّنة الشاعر موغلة في التجريد و الغموض (9) و تنأى كلّ النأي عن الجوهر الدلالي الملازم لكل حكاية، بل إنّنا قد نتساءل، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ توظيف الحكاية في الشعر العربي الحديث ظاهرة دشنها أحمد شوقي منذ ما يقارب القرن، عن محلّ هذا المنحى الفنّي من قيم الابتكار و التجديد و التجاوز التي ما فتئ الشاعر العربي المعاصر يعلن تبنّيها والالتزام بها.

إنّ هذه التساؤلات ماثلة في خلفيّة هذا البحث غير أنّنا لا نزعم، بسبب الحدود التي رسمناها له، تقديم إجابات عن جميعها، وحسبنا في هذا المقام أن ننظر في وضع الحكاية في مدوّنة المنصف الوهايبي الشعريّة و نقف عند المقاصد الفنّيّة من استدعائها في شعره. و قد كان في حسابنا أن نباشر هذه الظاهرة من خلال مفهوم التوظيف، إذ كنّا ننزع إلى افتراض أنّ الحكاية في القصيدة الحديثة لا يمكن إلاّ أن تكون مجازا يعبر منه الشاعر إلى دلالات خفيّة تتجاوز ظاهر المحتوى السردي. غير أنّه مع تقدّمنا في البحث و معاودة النظر في نصوص المدوّنة بدت لنا ضرورة تعديل هذه الخطّةّ. فقد اتضح أنّ الحكاية في شعر المنصف الوهايبي قد لا تخضع بالضرورة لمفهوم التوظيف و قد لا تستجيب لشروطه، و هو ما أفضى بنا إلى التمييز بين شكلين من حضور الحكاية في مدوّنة الشاعر: الحكاية الموظّفة أو غير المقصودة لذاتها و الحكاية المقصودة لذاتها. إنّ فهمنا الخاصّ للتّوظيف قائم في أساس هذا التّمييز لذا علينا أن ننصرف أوّلا إلى تحديد المقصود بهذا المفهوم.

{{I. في مفهوم التوظيف}}

إذا كان لمفهوم التوظيف استخدام واسع في مجال الدراسة الأدبية و” قيمة إجرائيّة متأكّدة ” (10) فلأنّ العمليّة الإبداعية تنهض في أساسها على هذا المبدأ، فالأدب يستمدّ أدبيّته و الشعر شعريّته من توظيف اللّغة توظيفا يتعدّى الاستعمال العاديّ الّذي يرمي إلى مجرّد التواصل و الإبلاغ إلى غايات إبداعيّة جماليّة.

على أنّ المقصود عادة بالتوظيف يتجاوز هذا المعنى العامّ إلى ضرب آخر مخصوص يتمثّل في توظيف نصّ سابق في نصّ لاحق وهي الظاهرة الأدبيّة الّتي تباشر في الدراسات الإنشائية المعاصرة بمفاهيم مثل التناص و التطريس . إنّ التوظيف بهذا المعنى أثر من آثار تفاعل المبدع مع نصّ أو نصوص سابقة يستدعيها في نصّه و يخضعها لبنيته ويحوّرها وفق رؤيته الخاصّة(11) إنّ النصّ الموظّف يكون والحال هذه موضوع استلهام و مادّة يستثمرها المبدع لبناء نصه و تشكيل عالمه الخاصّ و هو ما يكسبه دلالات جديدة لم تكن له في الأصل.

و سواء تعلّق الأمر بتوظيف الظّاهرة اللغويّة في الخطاب الأدبي أو بتوظيف نصّ سابق في نصّ لاحق فإنّ مفهوم التّوظيف يفترض تفاعل الظّاهرة الموظّفة مع سياقها الجديد تفاعلا يفضي إلى توليد معان ثوان انطلاقا من المعاني الأول و على أنقاضها. إنّ الحكاية هي أيضا إذ توظّف في القصيدة لا تعدو أن تكون مادّة يستثمرها الشّاعرلإنتاج المعنى. وهو ما يتطلّب تحويل هذه المادّة وفق رؤيته الخاصّة ومقتضيات بناء عالمه الشّعري. فالبحث في توظيف الحكاية إذن إنّما هو بحث في صيرورتها في القصيدة وفي الوظيفة الّتي تضطلع بها، و هي وظيفة فنّيّة تكون الحكاية بمقتضاها مجازا للعبور من العالم الّذي تحيل عليه إلى عالم النص ومن دلالتها الأصليّة إلى الدّلالات الجديدة.

إنّ الحكاية قد تستدعى في الشعر مثلما أنّ الشعر قد يستدعى في الأجناس السرديّة. إلاّ أنّ استدعاء الحكاية في الشعر لا يندرج ضمن مفهوم التّوظيف إلاّ إذا اقترن إدراجها في القصيدة بتحويل دلاليّ تكتسب بمقتضاه المادّة السرديّة دلالات لم تكن لها في الأصل. فلا توظيف دون تحويل دلالي. إنّ ما يدعونا إلى تأكيد هذا الأمر أن الحكاية في بعض نصوص الشاعر لها أهمّيتها في ذاتها و دلالتها كامنة فيها في حين يفترض مفهوم التوظيف الانتقال من دلالة أولى هي دلالة الحكاية في ذاتها إلى دلالة ثانية أو ثالثة هي إفراز للعلاقة التي تقوم في النصّ بين عالم الحكاية والعالم الّذي يحيل عليه الشاعر. بناء على ما تقدّم ننظر في طور أوّل في الحكاية الموظّفة و في طور ثان في الحكاية لذاتها.

{{II. الحكاية الموظّفة}}

إنّ الحكاية في النماذج الشعريّة الّتي تستجيب لمفهوم التوظيف لا تستدعى لذاتها أي أنّ وظيفتها لا تقتصر على إحالتها على العالم الّذي تعرضه وعلى الدّلالة الّتي تنطوي عليها(12) وإنّما هي مادّة يستثمرها الشاعر لبناء النّصّ و صناعة المعنى الّذي يتولّد و الحال هذه من العلاقة التي تنشا في القصيدة بين العالم الذي تحيل عليه الحكاية والعالم الذي يحيل الشاعر. إنّ دلالات القصيدة في هذه الحالة تكون نتاجا للتّعامل بين العالمين والبحث في توظيف الحكاية في الشعر يعني تبيّن طبيعة هذه العلاقة التي أتاحت الانتقال من دلالة الحكاية الأصليّة إلى دلالة النص الشعري الإيحائيّة.

إنّ فحصنا لمدوّنة المنصف الوهايبي الشعريّة بيّن لنا أن الحكاية في شعره لا تعدو وظيفتين. فإمّا أن يكون الغرض منها التمثيل و نعني به استدعاء الحكاية على أساس علاقة مشابهة صريحة أو ضمنيّة بين العالم الّذي تعرضه و العالم الذي يحيل عليه الشاعر مثلما نعني به التشخيص أي اتخاذ الحكاية أسلوبا لإخراج معنى مجرّد أو لتصوير حالة أو تجربة(13) وإ مّا أن تضطلع الحكاية بوظيفة رمزيّة فيحيل معناها الظاهر على معنى آخر خفيّ يدركه المتلقّي بتأويلها تأويلا مجازيّا.

{{1ـ علاقة التّمثيل}}

إنّ استدعاء الحكاية لغاية التمثيل نلمسه في العديد من قصائد الوهايبي منها قصيدة ” حديث الكلب” (14). لقد صدّر الشاعر هذا النص بإهدائه ” إلى الجاحظ” و هو إهداء وظيفي يحيل على المصدر الذي استوحى منه الشاعر مادّة النصّ السرديّة. فقد جاء في كتاب” الحيوان” أنّ الرجل إذا كان باغيا أو زائرا أو ممّن يلتمس القِرى و لم ير نارا عوى و نبح، لتجيبه الكلاب، فيهتدي بذلك إلى موضع الناس”(15). لقد ولّد الشاعر انطلاقا من هذا النص حكاية تخييلية:

مرّة في صبايْ

ضللت الطريق إلى بيتنا..

(كنت مبتهجا

أحفن الماء

أو أرشق السمكات الصغيرة في النبع..

حتّى رأيت الظلامْ

باردا يتكوّم في فجوات الحجارة و الكون يعتم

فانتابني الخوف و ارتعدت ركبتايْ)

كنت أجري و أنبح..أجري و أنبح..

حتّى علا أفق من نباح الكلاب

فقلت اهتديت

و لكنني ما تبيّنت في الرمل

غير خطى و بقايا عظام!

إنّ هذه الحكاية التي تخبر عن صبيّ ضلّ طريقه إلى البيت فاستنبح الكلاب حتّى أجابته و حسب أنّه اهتدى وما اهتدى، ليست سوى مجاز عبر منه الوهايبي بواسطة المشابهة إلى حكاية الشاعر الباحث عن لغة بكر:

من ثلاثين

أذرع ليل المدينة

أبحث بين الأزقّة

عن لغتي الضائعهْ.

إنّ الحكايتين تتجاوران في النصّ بصورة تستدعي المقارنة بينهما و هو ما يجعل علاقة المشابهة صريحة. غير أن العبور من حكاية المستنبح الباحث عن موضع الناس إلى حكاية الشاعر الباحث عن لغته الضائعة ما كان ليتسنّى دون تحوير الحكاية الأولى تحويرا أفضي إلى تحويلها دلاليّا. فالمستنبح مضطر في سبيل النجاة إلى التخلّي عن اللغة البشريّة وإلى تقليد نباح الكلاب و كذلك الشعر لغة ثانية يأخذها الشاعر الصبي عن أسلافه الشعراء و قد يحسب أنّه بذلك يدرك الغاية و لكن هيهات! :

وقلت اهتديت

و لكنّني ما تبيّنت في الرّمل

غير خطى و بقايا عظام

قدر الشاعر إذن أن يضلّ الطريق إلى “البيت” الّذي ابتناه الآخرون و ملؤوه بمعانيهم الخاصّة ليبتني سكنه الحر و يبتدع بيته الخاصّ. و حتّى يتسنّى له ذلك سيظلّ يعدو و”ينبح” في اتجاه نبع الخلق و الإبداع حتّى يرد مياهه البكر:

كنت أجري وأنبح..أجري و أنبح..

حتّى إذا طلع الفجر

كنت على حافة النبع أقعي

إنّ علاقة المشابهة بين عالم الحكاية الموظّفة و العالم الّذي يحيل عليه الشاعر قد تكون ضمنيّة مثلما هو الشأن في قصيدة ” حلم في تمبكتو.. كنز في ترشيش.. حلم في ترشيش.. كنز في تمبكتو”(16). يشير الوهايبي في هامش القصيدة إلى أنّ” هذا النص صياغة شعريّة لحكاية أوردها التنّوخي في ” الفرج بعد الشدّة” “. غير أن القراءة المتأنّية تبيّن أنّ هذا القول لا يخلو من مخاتلة. ذلك أنّ الشاعر أدخل من التغييرات على مضمون الحكاية الأصلية ما حوّل من دلالتها.

لقد أورد التنوخي في”الفرج بعد الشدّة” خبرا(17) يعلّل الغنى المفاجئ الّذي ظهر على رجل من بغداد. ومختصر الخبر أنّ هذا البغداديّ أتلف مالا جليلا ورثه و ضاقت عليه الحيلة حتّى رأى في المنام كأنّ هاتفا يخبره أنّ غناه بمصر فخرج إليها ولم يظفر فيها بشيء وقبض عليه الطّائف و هو يهمّ بالتّسوّل، وضُرب فقصّ قصته و حديثَ المنام، فوصفه الشرطي بالحمق و أخبره أنه هو أيضا رأى في المنام أنّ له كنزا ببغداد في منزل فلان وفي موضع كذا و ذكر منزل الرّجل و سدرة كانت ببستانه فلم يقل البغداديّ شيئا و عاد إلى بلده و قطع السدرة فوجد تحتها قمقما فيه ثلاثون ألف دينار.

لقد أدخل الوهايبي تحويرات عديدة على هذا الخبر أهمّها تغيير الإطار الجغرافي والمكاني للوقائع فإذا رحلة الرّاوي الباحث عن الكنز تنطلق من تومبكتو و” هي عند صاحب النص قناع القيروان”(18) إلى ترشيش و هو” اسم قديم كان يطلق على تونس” ليؤوب بعد ذلك إلى تومبكتو و قد ظفر بالكنز في زاوية الجيلاني عند جذع النخلة. إنّ هذه التغييرات عزّزت لامحالة الأبعاد الصوفيّة في الحكاية و لكنها إلى ذلك، و هذا هو الأهمّ، وصلت المحتوى السرديّ بهاجس أو معنى أساسيّ في شعر الوهايبي يتمثّل في المقابلة بين تمبكتو أو القيروان “المدينة الأولى” الّتي” تشبه الشاعر” (19) و يتماهى معها و ترشيش أو تونس المدينة النقيض أو المدينة اللاّفظة. وإذا صحّ أنّ لكلّ إنسان مكانا يعدّه مركز العالم(20) فإنّ القيروان هي هذا المركز بالنسبة إلى الشاعر و هي عنده بمثابة سرّة الأرض و الأصل الّذي منه تحدّر وإليه يعود وهي لكلّ ذلك ترمز إلى عالم الشاعر الدّاخلي و ما يمثّله من غنى لا ينفد. و في المقابل فإنّ ترشيش(21) “حلم مبتور” و وهم و سراب:

قلت أشدّ رحالي في الفجر إليها

و لأضرب في الصحراء

ترشيش الجنّة ترشيش الخضراء

و الحلم المبتور

و في قصيدة أخرى:

و نظرت أهَذي ترشيش

لكن ما بال الأشجار هنا تهذي

و نجومك لا تتوقّد في عتبات الماء(22)

وإذا كانت تومبكتو تحيل في بعد من أبعادها الرّمزيّة على ثراء العالم الداخلي فإنّ الغنيمة كلّ الغنيمة في الإياب إليها. ولعلّ التحوير الذي أدخله الشاعر على خاتمة القصيدة في الطبعة الثانية لـ”مخطوط تمبكتو” (23) يؤكّد ما ذهبنا إليه فقد حذفت كلمة “كنز” التي تقترن بالمكسب المادّي ليحل مكانها رمز الديك(24) بما يحيل عليه من معاني النخوة و الأنفة وهي مشاعر تقترن بذاتيّة تثبّت سلطتها في مواجهة سلطة” الخارج” أو ترشيش.

نتبيّن ممّا تقدّم أنّ قصيدة ” حلم في تومبكتو…” ليست صياغة شعريّة لحكاية التنّوخي في” الفرج بعد الشدّة” وإنّما هي توظيف لها فالشاعر وإن احتفظ من الخبر بالشكل الدائري المنبني على فكرة العود على بدء وهي أساس المشابهة الضمنيّة بين عالم الحكاية الموظفة والموضوع الّذي يحيل عليه الشاعر فإنّه أدخل على المادّة السرديّة من التحويرات ما حوّل من دلالتها وأخضعها لرؤية مخصوصة نجد آثارها في غير هذا النصّ من مدوّنة الوهايبي. و مدار هذه الرؤية الانتصار لفرديّة الشاعر و الاحتماء بغنى العالم الداخلي الذي يتماهى مع تومبكتو أو القيروان تارة ومع” مسكلياني” أو مسقط رأس الشاعر تارة أخرى.

إنّ الحكاية في شعر المنصف الوهايبي لا تحيل دائما على عالم آخر بمقتضى علاقة مشابهة صريحة أو ضمنيّة، ذلك أنّ المحتوى السردي في بعض نصوصه لا يعدو أن يكون أسلوبا لمعالجة معنى مجرد أو تمثيل حالة أو تجربة. وإذ يستدعى الحيوان في هذه النصوص فعلى سبيل الاستعارة مثلما هو الشأن في قصيدة ” خفّاش”(25) أو في قصيدة” قنفذ”(26) أو لتكون حكايته بمثابة ” المعادل الموضوعي”(27) لـ”حكاية” أخرى مثلما هو الشأن في قصيدة”حشرة سراج الليل” (28) أو في قصيدة” عظاية”(29) الّتي نقف عندها فيما يلي.

بنى الشاعر هذه القصيدة على حكايتين: حكاية متكلم استبدّت به حالة من التّوجّس و الخوف و حكاية عظاية تسبُت في السقف. وقد استهلّ الشاعر القصيدة بخطاب هذا المتكلّم وهو يسترجع حالة حصار تذكّر بالنبي المهاجر أو بأهل الكهف:

هل كان مُلتجأ دلفت إليه أم قبرا؟

جلست مفتّح العينين..أهجس..

قلت : بعد هنيهة يتعقّبون خطاي..

بعد هنيهة يتسلّقون الصخر..

فاخرج عاريا

ولتأخذ الصحراء ما شاءت إذن!

في هذا السياق اتخذ الشاعر من حكاية العظاية” معادلا موضوعيا” يسمح له عن طريق الإيحاء بالكشف عن الجوانب الخفيّة أو المحجوبة في حكاية الراوي و صياغة وجهة نظره فيها:

لا شيء غير عظاية في السقف تسبت

ربّما التمّت على أحلامها

و استنبتت جنحين

إنّ العظاية ليست سوى صورة أخرى للراوي المنكفئ على ذاته مستعيدا مغامرات قادته إلي مدينة ” ضيّع في طرقاتها مفتاح بيته” و إذ يفيق من غفوته تلتبس عليه الأشياء و يختلط الواقع بالخيال و الحقيقة بالحلم:

و حين أفقت..

كان الفجر ملتبسا

و كان دم على الأحجار!

قلت: لعلّ وقتي جاء.. فلأخرجْ!

و لكن أين؟

هذي كوّة مفتوحة في الصخر..لا تفضي إلى شيء!

و قلت لعلّهم جاؤوا.. و أنت ممدّد

( عينان مسبلتان.. وجه غائر..

قدمان داميتان..)

فارتاعوا و ولّوا هاربينْ!

و إذا كانت مغامرة الرّاوي تنوس بين الحقيقة و الوهم فإنّ رصد وضع العظاية يبدو بسبب تركيب الحصر أقرب إلى اليقين:

لا شيء

غير عظاية في السقف

تسبت أو تموت!

هكذا تبدو لنا حكاية العظاية ” معادلا موضوعيّا” أتاح للشاعر صياغة وجهة نظره في مغامرة الراوي المتكلّم في القصيدة. ألم تكن هذه المغامرة سوى أوهام أفرزتها حالة من التوجس و الخوف و الانكفاء على الذّات ؟ إنّ استدعاء هذا الزاحف الذي يستنبت في الحلم جنحين يبرز التقابل بين واقع الالتصاق بالأرض و وهم التسامي. و لعلّه يصل وضع الراوي بمعان مثل توهّم الفعل بالخيال والإحجام عنه بالفعل والرّسوب في اجترار الوهم.

{{2ـ العلاقة الرّمزيّة}}

إنّ العلاقة بين عالم الحكاية والعالم الذي يحيل عليه الشاعر قد تتّخذ في بعض النصوص طابعا رمزيّا فتنبني القصيدة في هذه الحالة على صورة بلاغيّة محدّدة هي الأليغوريا (allégorie) مثلما هو الشأن في نصّي ” إستراتيجية الديك” (30) و( أكواريوم لمروان” (31) ونورد فيما يلي النص الأول:

لم يعد الديك كما كان،

فقد ضمّ جناحيه و غضّ الصوت

و أخلد للنّوم.

قلت لماذا لا أتهجّى أوقات الليل إذن

فأقسّط أصوات الدّيك عليها؟!

و تسلّلت إلى سطح البيت هزيعا

–كانت تمبكتو نائمة تحت سطوح منازلهاـ

و أخذت أصيح

و أنفش في ريح اللّيل يدين جناحين،

إلى أن جاوبني ديك في أعلى السور..

فديك ثان.. ثمّ علا أفق بصياح ديوك:

كان التمبكتيّون معي،

من سطح، في الليل، إلى سطح يتنادون

و قد مدّوا أعناق ديوك، لنهار موعود.

و أنا أعلو بجناحين:

جناح بالمشرق معقود، و جناح بالمغرب معقود.

و قوائم في الغيم.

نسج الشاعر الحكاية في هذا النصّ على منوال أسطورة الديك الكوني الّذي يرد في المأثورات الإسلاميّة ” بحجم الكون رجلاه في تخوم الأرض السفلى و عنقه مثنيّة تحت العرش و قد أحاط جناحاه بالأفقين مشرقا و مغربا(…) فإذا كان هنة من اللّيل صاح سبّوح قدّوس فتصيح الديكة” (32) . لقد وظّف الشاعر هذه المادّة الأسطوريّة في بناء حكاية تخييليّة انفتحت باختلال في التوازن مصدره تخلّي الدّيك عن وظيفته الطبيعيّة المتمثّلة في إعلان المواقيت و تلاه ردّ فعل الراوي المندرج في الحكاية وقد عمل على إصلاح هذا الافتقار بالحلول محلّ الديك في تقسيط أوقات اللّيل. و حذا حذوه التمكتيّون الّذين تحوّلوا بدورهم إلى ديكة تمدّ الأعناق مبشّرة بنهار موعود. و بذلك يتماهى الراوي بالدّيك الكونيّ ويكون بالنسبة إلى التمبكتيّين مثلا أعلى شأنه شان الديك الأسطوري الّذي هو ” بمثابة النموذج الأصلي لجميع الدّيكة الّتي على وجه البسيطة”(33).

لقد بنى الوهايبي قصيدة ” استراتيجية الديك” على الأليغوريا مفيدا في الوقت نفسه من أسطورة الديك الكوني الإسلامية و من رمزيّة الديك. والأليغوريا صورة بلاغيّة ذات نسيج سردي أو هي وفق عبارة ميشال أكيان ” صورة تنجم في سياق سردي ذي بعد رمزي”(34). و بذالك تكون للحكاية دلالة حرفيّة غير مقصودة و دلالة إيحائيّة هي المقصودة. و قد تظافرت مكوّنات الحكاية من شخصيّات و أحداث و إطار زماني ومكاني في بناء هذه الدلالة الإيحائيّة .

غير أنّ الأليغوريا في هذه القصيدة ليست بسيطة، فالشاعر لم يسعف القارئ بما يجعله ينتهي إلى مغزى فكري أو أخلاقي محدّد. و قصارى ما يمكن استخلاصه أنّ الحكاية ترصد تحوّلا في الموقف و الوعي جسّده الرّاوي الذي يضطلع بدور الداعية أو القائد الّذي يسعى فيما يشبه الوثبة أو الانتفاضة إلى إخراج قومه من الديجور إلى النور فيستجيب له التمبكتيّون و يستعيدون زمام الفعل متطلّعين إلى” نهار موعود”. إنّ دلالة الحكاية خاضعة للتّأوّل إذ أنّها قد توحي بتحوّل في الموقف السياسي لاسيّما و أنّ لفظة “استراتيجية” في عنوان القصيدة تنتمي إلى حقل معجمي موصول بالسياسة و الحرب. و قد تنطوي الحكاية على التبشير بانبعاث الشاعر النبيّ، وقد تحيل على غير هذه المعاني. و مهما يكن من أمر، فإنّ الأليغوريا في هذه القصيدة منفتحة على التأويل و هي تتوفّر على نسبة من الغموض توافق طبيعة الشعريّة في القصيدة الحديثة.

إنّ ما ذهبنا إليه في شأن هذه الصورة البلاغيّة في شعر الوهايبي يتأكّد في قصيدة أخرى هي “أكواريوم لمروان” (35) و قد افتتحها الشاعر برصد حركة الأسماك في الأكواريوم و التّساؤل عن الأسباب الكامنة وراء التحوّل في سلوكها:

ماذا ينقص هذا الأكواريوم ؟

هذي الكرة الزرقاء

الموج أم الريح؟

ماذا ينقصه؟

الأسماك به تغدو و تروح

لكن ليس بها نزق الأسماك و بهجتها

إذ تتقافز ضاحكة في الماء!

لكأنّ الأسماك

تسبح ذاهلة فيه

لكأنّ الأسماك

يوغرها شيء لا أدريه!

و تطّرد أسئلة الشاعر و تسفر الإجابة عن حاجة الأسماك إلى تغيير مجالها الحيويّ:

أوَ لا بدّ لهذي الأسماك إذن

من صيّادين ومن سفن و شباك؟!

حتّى يصبح هذا الأكواريوم

بحرا تغدو أسماكك ضاحكة فيه و تروح

لا بدّ إذن للجنّة من نار

لا بدّ لها من أفق مفتوح.

إنّ الطابع الأليغوري للصورة الّتي تخترق هذه القصيدة من بدايتها إلى نهايتها يدعو القارئ إلى عدم الاكتفاء بالمعنى الظّاهر و تأويل النصّ تأويلا مجازيّا. و لعلّه من اليسير بعد ذلك أن يرى في الأكواريوم رمزا للفضاء المغلق و في الذهول ما يشبه الموت و في البحر ما يوحي بالانطلاق و الانفتاح و في الموج و الريح ما يحيل على معاني الحركة والحيويّة و التغيّر…غير أنّ هذا لا يعني أنّ الأليغوريا في هذه القصيدة تفضي إلى معنى محدّد فتستنفد طاقتها الشعريّة بمجرّد الوصول إليه، ذلك أنّ المتأوّل للحكاية في هذا النصّ قد ينتهي إلى أكثر من دلالة رمزيّة فقد يذهب إلى أنها تنطوي على رؤية فلسفيّة تؤكّد مبدأي التناقض و الصراع و ضرورتهما في الوجود وقد يضفي عليها مغزى سياسيّا فيذهب إلى أنّها تنطوي على موقف يدعو إلى الحرّيّة و ينقد الأنظمة الاجتماعيّة المنغلقة.

{{III. الحكاية لذاتها}}

إذا كان مفهوم التوظيف يفترض ألاّ تستدعى الحكاية في القصيدة بسبب مضمونها في حدّ ذاته و إنّما للعلاقة الّتي تربطها بالموضوع الّذي تمثّله أو تحيل عليه فإنّ من الحكايات المدرجة في شعر الوهايبي ما لا يستجيب لهذا المفهوم و هو ما يعني أنّ الحكاية في هذه الحالة مقصودة لذاتها و أنّ دلالتها كامنة في العالم الّذي تعرضه.

إنّ الكلام عن حكاية لذاتها في مدوّنة شاعر لا يختلف النقّاد في انتسابه إلى الحداثة الشعريّة يستدعي إثارة بعض التساؤلات. فهل نحن إزاء عودة إلى “الشعر القصصي” الّذي يقوم على تظافر القصّة و الشكل الشعري و الّذي أقبل على نظمه عدد من الشعراء العرب في النصف الأوّل من القرن العشرين؟(36) أم إنّ مبرر إدراج هذه الحكايات يتعدّى هاجس القصّة إلى وظائف غير فنّية مثل الإحالة المرجعيّة على سياق خارج النص؟ و أخيرا قد نتساءل عمّا يميّز الشعر عن الأجناس القصصيّة إذا بني هو الآخر على رواية حكاية لذاتها؟

إنّ الإجابة عن مثل هذه التساؤلات تتطلّب فحص بعض النماذج الشعريّة الّتي تندّ الحكاية فيها عن مفهوم التوظيف. و لقد انتقينا لهذا الغرض نموذجا أوّل هو قصيدة قصيرة عنوانها ” مالك الحزين” (37) و قد صدّرها الشاعر بهذا النصّ من ” حياة الحيوان الكبرى” للدّميري:” من أعاجيب الدنيا أمر مالك الحزين، لأنّه لا يزال يقعد بقرب المياه و مواضع نبعها من الأنهار و غيرها، فإذا أنشفت يحزن على ذهابها و يبقى حزينا كئيبا، ربّما ترك الشرب حتّى يموت عطشا خوفا من زيادة نقصها بشربه منها”. و فيما يلي نصّ القصيدة:

ما الّذي يوغره هذا الصباحْ

و هو في هدأته ينتف من ريش جناحيه،

و يلقيه على الريح فتلقيه عليه؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This