شعوبنا البائسة ونخبها الآيلة إلى الانقراض

لم يتأخر العسكر، فور سيطرتهم على السلطة السياسية في العديد من البلدان العربية، في الانقضاض على النخب الثقافية والإطاحة بها وبقيمها وبمكانتها الاجتماعية، بحجة أنها فئة معيقة للصيرورة الثورية ومشوِّشة لمسيرة التحرير. فهي، بحسب ادعائهم، لا تجيد سوى الكلام النافل الذي لا يحرر أرضا ولا يبني دولا، وأنها خانت النخب الثقافية والســياسية التـي سبقتها ببضعة عقود، والتي قامت بدور مركزي ورئيسي في استقلال بلداننا من الاستعمار والانتداب الغربيين ومن الاحتلال العثماني. بل الأنكى من ذلك، ادعاء النخب العسكرية أنها الوريثة الشرعية لتلك النخبة في حملها راية التحرير والتصدي للأطماع الغربية ومقاومة عدوانها.
 

من المعروف أن هذه السلطات استطاعت تحقيق انتصارات ساحقة على النخب الثقافية عبر خنقها وتضييق مجالات اشتغالها، وتمكنها من الإطاحة بقوام هذه النخب وتفكيك بناها وتفتيتها، بحيث اضطر قسم منها للانصراف إلى العمل بمجالات أخرى لتأمين معاشه بعد إغلاق مصادر رزقه، وقسم آخر زجت به السلطات في المعتقلات لفترات طويلة جدا بذرائع واهية وملفَّقة، ما اضطر قسما ثالثا للهجرة إلى البلدان الغربية ساعيا الى تحقيق طموحه الإبداعي، مستفيدا من الحرية والمكانة الاجتماعية اللائقة التي يوفرها الغرب للنخب الثقافية؛ بعد أن ارتقى هذا الغرب إلى مرحلة نبذ العنف وإعادة الاعتبار إلى جميع نخبه التي اضطهدها في فترات انحطاطه.
 

لكن فعلة السلطــات العســكرية لم تقتصر في أذيّتها على النخب الثقــافية، خاصة أنها لم تتمكن من كبح توالدها أو منعها من محاولة استعادة موقعها ومكانتها الطليعـية عند كل فرصة تراها سانحــة، بل جريــرة فعلتــها الأشنع تمثلت في تمكــنها، بوسيلـة أو بأخرى، من تحويل الشعوب العربية إلــى شعـوب بائسة: تكفر بمثقفيها وتزدريهــم، وتعامل نخبها، خاصة الثقافية منها، على أنها فائضة على ضرورات وجــودها الاجتماعي والسياسي، وتنظر إلى المثقفين على أنهم شواذ عن جوهر الأمة. فباتت ترضى بإبادة هذه النخب، بعدما صدّقت عدم فائدتها وجدواها في التصدي لـ«الهجمة الغربية الشرسة». بل باتت تردد بلـغة ببغائية ما تقوله سلطاتها من أن هذه النخب عميلة لهذا الغرب المعتــدي، وأنها تمهد له السبل والدروب لغزو بلـــداننا ونهــب ثرواتها. وانطلت عليها كذبة اتهام نخبها بأنها توهن عزيمة الأمة وتضعف روحها؛ جاهلة أن لا روح للأمة من دون نخبها، فهــي مقلـة العين فيها، بها يمكنها أن ترى، وبواسطتها تميز، وبلحظها تجب المعــرفة وتغــرف الـكلم، وما روح الأمة إلا انعكاس لصورة نخبها: ببؤسها وحريتها.

بؤس هذه الشعوب أعماها عن دورها بتقدير نخبها وحمايتها، وأنساها أن أعمال مبدعيها، التي شاركت بازدرائهم، هي التي يدرسها أبناؤها في المدارس والجامعات، ومن دون إبداعاتهم لن يجد أبناؤها ما يدرسونه غير سفاســف يدونها موظفون متحدرون من سلالة العسكر: نزعوا بزاتهم العسكرية وتنكروا بهيئة مثـقفين سلطويين مقنّعين بشهادات جامعية وأكاديمية زائفة. وانه ليس غير هذه النخب من بقية فئات الشعب، حتى لو علت مناصبها الإدارية والسلطوية، يمكنها أن تصــنع هويـة للأمة أو تنفخ فيها روح تمايزها وتساويــها بغيرها من الأمم: فلا السلاح ولا المسلحــون ولا المال والمتمولون ولا القوم والمقاومون، يمكنهم أن يصنعوا أمما؛ وحسبهم في أحسن نياتهم أن يصنعوا بلدانا فقيرة فيها مدن سيــاحية، يمكن أن تنهار أمام سلاح أعتى أو مال أوفر أو جبروت أقدر.

إن من بين أهم مكونات هويات الأمم التي تُعرَّف بها هم مثقفوها وإبداعاتهم. فسوريا، على سبيل المثال، لا روح لها ولا هوية من دون سعد الله ونوس أو صادق جلال العظم أو عارف دليلة وميشال كيلو وبرهان غليون وممدوح عدوان وفايز سارة وخالد خليفة وأنطون مقدسي وطلال أبو دان وعمر أميرلاي وأنور البني ويوسف عبدلكي، والعشرات غيرهم والمئات الذين سيخلفونهم. فإن ضحّى الشعب السوري بهذه النخب وشرعن اضطهاد مبدعيها جزاء لأقوالهم وآرائهم، فإنما يفرّط بذاته وبأمته.
 

ليس المقصود بتناول الموضوع من هذه الزاوية وضع النخبة الثقافية في مواجهة الشعوب، كما تفعل بعض مؤسسات الإعلام المرئي الشعبوية بغية إظهار النخب كأنها خارجة ومارقة على إرادة شعوبها، مما روّج لتكوين معادلة جديدة وغريبة تكون فيها الشعوب هي المفكِّرة والنخبة لا يتعدى دورها عن أن تكون أبواقاً لها. وهذا العبث ـ المقصود أو غير المقصود ـ ساهم في إعطاء ذرائع جديدة للسلطات كي تتابع قضم وقرض النخب الثقافية العربية مستندة إلى هذه المعادلة الجائرة بحق الشعوب وبحق نخبها. وصارت السلطات تستقوي على النخب تحت يافطة المفهوم العددي المغلوط للديموقراطية، فتعتبر أن الحكم بين صوابيتها وبين خيانة النخب يعود إلى مقدرتها إنزال عديد أكبر من «الجماهير» إلى الشوارع، فتتباهى السلطات بقدراتها الشارعية وتسخر من عجز النخب الشارعي.

لكن الاحتكام الشارعي ليس صائبا ولا حتى شرعيا، إذ إن شرعية النخب وحقها بالاشتغال الثقافي الحر، ما لم نقل صوابيتها، لا تكتسبها من شارعيتها بل من منتوجها الثقافي والعلمي. واصطفاء هذا المنتوج ونخْبه له ميادينه البعيدة كل البعد عن الشوارع. هذا من دون أن نغفل الدور الذي تقوم به السلطات الأمنية بعزل الشعوب عن نخبها ـ وليس العكس ـ من خلال تعميم الرقابة العسكرية على الكتب والمقالات واللوحات والأفلام والصحافة، وعلى الظهور الإعلامي لهذه النخب في المجالات العامة.

فالشعوب الحرة التي يمكن للسلطات والزعماء الاعتداد بها هي الشعوب التي ترفض، ولو بصمت، اجتثاث نخبها أو نبذها واضطهادها، إن كان بحجة الحق أو المصلحة أو الأخلاق، أو أي حجة أخرى. فالشعوب الحرة لا تعامل مبدعيها حتى إن أخطأ أحدهم وارتكب مخالفة قانونية استوجبت عقابه إلا بكل احترام وتقدير، رافعة قبعتها له بإجلال. فمثـل هذه الشعــوب تــدرك، من تجارب سابقة لها، أن صانعي المعرفة والعلم والفن لو وئدوا في أسافل الأرض فإن قولهم وعلمهم وفنهم يبقى من أهم ثرواتها، تبهر به عيون السفهاء.

ما زالت كتب التاريخ المدرسي عندنا تخبر أبناءنا أن أقواما غزوا بلداننا، أبادوا، لكونهم همجيين ودوننا حضارة، كتبنا ومكتباتنا وكتّابنا، من دون حتى أن يفكروا بالاستفادة منها ومنهم، وأن هذا الأمر كان سببا رئيسيا في إضعاف أممنا وشعوبنا وجعلها عرضة لكل طامع، حتى لو كان عابر سبيل.

 ————————————————

نشرت في السفير في 28/2/2008

 
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق