“شغل كايرو” لمحمود عزت: ثراء الفتور

ربما كانت العامية المصرية أقدر اللهجات العربية اليوم على أداء “الشعر”، والنأي عن “الزجل”، بعد أن رسخت أقدامها في هذا المجال جهود كبار مثل بيرم التونسي وبديع خيري، ومن بعدهما صلاح جاهين و”والد الشعراء” الرائع فؤاد حداد، وأحمد فؤاد نجم ونجيب سرور وأحمد فؤاد قاعود وغيرهم. غير أن هؤلاء جميعاً طبعوها بطابع الموسيقى والغنائية والقوافي الرنانة والمرح الصاخب والشعور القاني.

اليوم، يحاول البعض شعراً بعيداً عن هذه الخواص التي شكلت مرجعية شعر العامية المصرية، وهو ما يضاعف صعوبة المهمة، إذ من المكلف للذاكرة الشعرية أن تتخلى عن ايقاعاتها الصادحة وأن تمضي إلى شعر خفر النبرة.

محمود عزت، في عمله المطبوع الأول “شغل كايرو” (والعنوان من أغنية لمحمود شكوكو) يحاول السير في هذه الطريق، رغم العنوان الغنائي الذي اختاره، متخففاً من أعباء رنين الكلمات ومتنكباً أعباء رؤياها البسيطة وعلاقتها بمدلولات حسية تحاول ألا تبتعد عنها كثيراً.

لذا لا يتعفف محمود عزت من التأكيد مثنى وثلاث أنه لا يرى مشكلة في أن يقف الشعر لوحده ” فـ فراغ أبيض كثيف / من غير وزن ولا قافية / ولا صور/ و تركيب/ و مجاز/ بيستقبل المطر على صدره/ زي ما إتخلق على الأرض/ لأول مرة “، ولا يتمنع عن دعوة “غير الهشين” إلى ألا يخافوا على اللغة العربية من العامية المصرية، ويسخر من تفعيلات البحور القديمة و”يتريق” على نقاد العبث و”الشعرا” رغم الحزن من مثلية كفافي. لكنه أيضاً لا يصمد أمام اغراء “طبقي” قديم : الفتاة التي تعزف البيانو.

لكنه بالمقابل، يرسم خريطة للقاهرة، مثلما يعرفها أهلوها، حيث الحدود واضحة بين الزمالك وامبابة وشارع جامعة الدول العربية، وحيث يمكن أن نرى مناطق هجينة “جوه إمبابة/ شبه فيصل والمعادي الجديدة/ نسخة غير جيدة للمهندسين / حواليها المنيرة و الوراق والنيل والدائري”. وحيث التعارض بادٍ بين المول ووسط البلد، وحيث يصبح أولاد المدارس الحكومية غرباء في هذا الأخير، مثل أبناء امبابة في الزمالك.

“النهارده كنت في الزمالك

وأول مرة أشوف الكيت كات

من الناحية التانية !

النهارده

كنت في الزمالك

لأ

مش حلوة ..

زي ما بتبان من الناحية التانية للنيل”

في هذه الخريطة، للأماكن وظائف محددة: وسط البلد للاغتراب والصراخ والتظاهر وغسل النفس، الكباري (الجسور) للحب والتدرب عليه والموسيقى، وشارع القصر العيني للتعب والموت والخلود في اللامكان، وامبابة للحزن والعيش والحفر في الروح:

“أصل لا يمكن !

شوف !

بقولك لا يمكن

تعيش في إمبابة أكتر من عشرين سنة

و متبقاش فنان

هما بس الناس هنا غلابة

مش بياخدوا بالهم

إلا لما بيزروهم حد من بره

فـ إمبابة

إنت حتتعلم كل المهارات الأساسية

عن كل حاجة”

لكن هذه الخارطة المكانية، في الواقع، لا تنال لمن لم يعرف، ولو بالصدفة، امبابة والكيت كات والنيل وزحام القاهرة. لذا فالمرء قد يسعى ليلامس أكثر، وراء حكايات العائلة (الأب والأخ والأم والجدة) على رهافتها وأبعد من حكايا الأولاد اللاهين بمسرحية الحب، بعضاً من تجربة إنسانية تتجاوز المواعظ الحكيمة والأليفة (شذرة “كلم ابنك” مثالاً).

فقط في مواضع قليلة يقطف محمود عزت ثمار هذا الطريق الصعب الذي يحاول السير فيه، حين تندمج تجربته الإنسانية بفتور فني لطالما امتدحه الصينيون لأنه يختزل في داخله، دون استعراض، توازن النكهات المختلفة والظلال المتعارضة وأمواج المعاني الساكنة فيه، لكن هذا الفتور لا ينبغي له أن يكون كسلاً، بل هو ضبط فورة الحياة الأصلية، أو النبع الذي، بعد أن يتفجر، ينبغي له أن يترقرق بين ضفتين. هكذا يكتب مثلاً:

“وأنا في ثانوي/كنت بحقد على الكون/ و على كل الأفلام الأجنبية /لإني مش عارف آخد دور بسيط /في فيلم فرنسي /فيه الولد يصحى الصبح ويروح المدرسة /يلاقي حبيبته في الفسحة /و يتكلموا مع بعض عن أي حاجة”

أو يؤكد أنه: “زي القارب الفاضي / بيسحبه الموج / شوية بشوية/ بعيد عن الشط /كل يوم / بصحى / من النوم/أحس إن الشباك بقى أبعد”

إلا أن مشكلة محمود عزت أنه، أحياناً، لا يدرك أين يجب للقول أن يكف عن الاسترسال وعن السرد (وهذان شائعان ايضاً في شعر الفصحى المصري الحديث) كي تحتفظ الشذرة الشعرية بنسغها داخلها، بدل أن تبدده ضربة لاذعة ربما تجرح هشاشة الشعر:

“أمي بونبوناية إكلير/و أول حد أعرفه/مش بيعرف يزعل / ماما/ هي الكلمة الأنسب!/ من “أمي” اللي أشيك في الشعر/ على كل حال / هيّ ماما/ و ينعل أبو الشعر”

والأمثلة على هذا كثيرة، حين يذعن عزت لإغراءات الاستعراض اللغوي والتلاعب بالضمائر، أو المزاح والنكتة (ابتسامة بلاستيك واسعة مثلاً…)، أو حتى للمخيلة السريالية البسيطة (سرقة الكوبري للوقوف عليه وحيداً…). كما أنه لا يمتنع، بطبيعة الحال، أمام حوريات الغنائية اللطيفة حين يكون الصباح منتظراً قرب شباك الحبيبة.

ربما على الشاعر الشاب أن يكثر من الأسئلة (سكتنا و بصينا للنيل/ قال لي فجأة:/ أنا ليه مش عارف أبقى مبسوط ؟)، وأن يعمل بالنصيحة التي يتلقاها كتاب السيناريو: اقتل محبوباتك Kill your darlings.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق