شقائق النعمان أو السياسة خلف الخمار

من أبرز ما بقي في الذاكرة من مشاركتي في مؤتمر الأدباء في خريف 1971 بمدرج جامعة دمشق تحت حراسة ميلشيا “الحركة التصحيحية” – وقد مضت يومئذ سنة على انطلاقها لتبلغ الآن قاع البئر – من أبرز ما رسخ في الذاكرة تلك الصداقة التي ربطتني بوفد جمهورية اليمن الجنوبي. فلم أكن أتصوّر أنّ الفكر السياسي يمكن أن يبلغ مستوى عميقا من النضج في صفوف نخبة منحدرة أساسا من مجتمع العمران البدوي حسب الرؤية الخلدونية.
كنت متشوّقا إلى معرفة أسرار تجربة اليمن الجنوبي، والتعرّف إلى رؤية ذلك البدويّ النحيف الوسيم عبد الفتاح إسماعيل “سوسلوف” التجربة اليمنية.
كان التوفيق بين الإسلام و الماركسية هو المعضلة المطروحة يومئذ فاستنجد المنظّرون بالجوانب المضيئة في التراث العربي الإسلامي، وهكذا تحوّل الصحابيّ الجليل أبو ذرّ الغفاري إلى زعيم عالمي من زعماء الفكر الاشتراكي، وانتشرت مقولته الشهيرة “عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج شاهرا سيفه على الناس” في صفوف “البروليتاريا البدوية”، وأصبح الزعيم الخارجي أبو حمزة الشاري، المختار بن عوف (ت عام 130 هـ) أوّل مؤسس لإمارة إباضية اشتراكية في حضر موت، وزحف نحو الشمال فاحتلّ مكة والمدينة معيدا بذلك الدعوة الإسلامية إلى صفائها الأوّل بعد أن حرفتها الكسروية الأموية لمّا شرّعت بدعة التوريث لأوّل مرّة في الإسلام.
ثم جاءت تجربة ثورة ظفار لتصدير الماركسية البدوية ذات الجذور الخارجية إلى كامل الجزيرة العربية لتصبح بثروتها النفطية وموقعها الاستراتيجي، معسكرا اشتراكيا عربيا يتبوّأ المركز العالمي الاشتراكي الثالث!!
* * *
تلقّيت الدعوة أكثر من مرّة لزيارة البلد العربي الماركسي الأوّل والأخير، وأمل الرفاق أن أسهم في توظيف الفكر الخلدوني للبرهنة على إمكانية المرور من مرحلة العمران البدوي إلى المرحلة الاشتراكية دون ضرورة المرور بالمرحلة البورجوازية، كما هو الشأن في النموذج الأوروبي.
سقط النظام ولم أزر عدن، وبقي اليمن السعيد في مرحلة إمارة أبي حمزة الشاري!
بقيت متعطشا ليس لمعرفة ملامح التجربة هذه المرة، بل للتعرف إلى أسباب سقوطها.
لمّا زرت اليمن الموحّد بقوّة السلاح جمعتني مأدبة غداء مع زعماء “اللقاء المشترك”، ولمّا طرحت على جاري في المائدة السؤال عن أسباب السقوط ؟ جاء الجواب موجزا وحاسما : “انتصرت القبلية على الماركسية”، فقلت في نفسي : كما انتصر العمران البدويّ على العمران الحضري في بلاد المغرب.
* * *
لمّا نزلت المدينة أوّل مرّة سيطرت عليّ مسحة من الحزن متأسّفا على وضع المرأة اليمنية القابعة وراء أكوام السواد قائلا : عندما ينتشر الوعي السياسي الذي لمسته لدى الرجال في الأوساط النسوية فسيحدث ذلك زلزالا في اليمن، وسيصبح حقّا يمنا سعيدا، ولكن سرعان ما اختفى الحزن، وقد فرضته نظرة سطحية متعجلة لمّا اكتشفت ما وراء الخمار من جرأة ووعي بحقوق المرأة وعزمها على التخلص من قيود الماضي المتخلف.
شاءت الصدفة أن اكتشف ذلك بسرعة لمّا دعتني صديقة يمنية متحرّرة لحضور مأدبة “عشاء – حوار” أقامتها جمعية نسوية مدافعة عن حقوق المرأة اسمها “شقائق النعمان”، وكانت دعوة استثنائية، فاللقاء نسائي بحت لا يدخله إلا المطهّرون، وحسبت الصديقة الرسّامة أنني منهم !
وجدت نفسي في مائدة جميع المتحلقات حولها متخمرات إلا جارتي على اليمين، المستشارة السياسية بسفارة فرنسا في صنعاء، ولم يتناول الجدل إلا الموضوعات السياسية يمنيا، وعربيا ودوليا، وانبهرت بتحليل صاحبة العينين السوداوين الجالسة أمامي، ولما طال الحديث، ولاحت أشعّة الفجر قلت: لا أدري كيف سأصل إلى الفندق بعد أن صرفت السائق، وتمنيت أن تبادر صاحبة الخمار الأسود بالدعوة، ولكنها جاءت من الفرنسية فسقط في يدي، ولعنت التقاليد الشرقية المتخلفة التي حرمتني من الإنصات إلى خفقان قلب القحطانية، وقذفت بي في أحضان الباريسية المستعربة.
أسرّ لي ذات يوم شيخ يمنيّ أنّ دقات قلب القحطانية تختلف عن دقات العدنانية وقد جمع بينهما في بيت واحد، فقلت سبحان مغيّر القلوب !
قص علي هذا الشيخ التسعيني أخبارا عن زيارة الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي (1874-1944) لليمن في منتصف عشرينات القرن الماضي للتوسط بين الإمام يحيى حميد الدين (1869-1948) والملك عبد العزيز آل سعود (1846-1953) في الخلاف الحدودي بين البلدين، وقد تحدث الشيخ عن هذه المهمة السياسية في نصه “الرحلة اليمانية”، وتعتبر اليوم وثيقة ثمينة للتعرّف إلى أوضاع اليمن في ذلك الزمان، ومن أطرف ما روى أن الزعيم حرص على زيارة مناطق جغرافية قصية، وقرى لا يبلغها الإنسان إلا على ظهر الحمير، وفي سبيل التغلب على صعوبة الترحال استنبطت العبقرية اليمنية حلا ناجعا فقرنت بين حمارين، وأحكمت فوقهما رباط هودج حميريا فوسوس لي الشيطان لعنه الله قائلا : لا تصدق أن بدانة مؤلف “تونس الشهيدة”، ومؤسس الحزب الحرّ الدستوري التونسي هي التي أجبرت على هذا الحلّ، من قال لك إنّ الإمام لم يقدّم إلى الشيخ جارية قحطانية تؤنسه في حلّه وترحاله، وبذلك يرجح في الوساطة حجج المذهب الزيدي على حجج المذهب الوهابي.
* * *
ترجع بي الذاكرة إلى رحلتي اليمنية هذه الأيام كلما شاهدت مظاهرات الشعب اليمني مطالبا بالحرية والديمقراطية، وكلما رأيت “شقائق النعمان” جنبا إلى جنب مع رفاق النضال.
يطلق العرب كلمة “النعمان” على الدم القاني، فأصبحت “شقائق النعمان” ترمز هذه الأيام إلى دماء الحرية المنهمرة في شوارع المدن اليمنية، ولا شك أن صاحبة الخمار الأسود تقف اليوم في الصفوف الأولى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق